ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

طريق المطار والرحلة الطويلة نحو السيادة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لن يؤدي تكرار اتفاق 17 أيار إلى نتائج أفضل. وحتى إذا أُنهك “حزب الله” إلى حد كبير، كما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1983، فإن ضعف الدولة وغياب جيش قادر سيؤديان إلى ظهور تنظيم مسلح آخر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عدتُ إلى بيروت يوم الأحد الواقع بين المحادثات الأميركية – الإيرانية في جنيف، وتوقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي في واشنطن. وكعادتي، كلما عدت إلى بيروت، خفّضت سقف توقعاتي. لكن، خلافاً لما توقعت، بدا المطار أكثر نظافة وتنظيماً من المعتاد. وبعد عشرين دقيقة فقط من هبوط الطائرة، كنت في سيارتي، وما زلت أشعر بقدر حذر من التفاؤل. غير أنني لم أحتج إلى أكثر من دقيقة واحدة على طريق العودة إلى المنزل كي أفقد كل حماسة شعرت بها.

على جانبَي طريق المطار، ارتفعت صور ضخمة لآية الله مجتبى خامنئي، وسلفه الراحل، وأمين عام “حزب الله” الراحل حسن نصر الله، وإلى جانبها عبارة مكتوبة بأحرف صفراء فاقعة: “شكراً إيران الوفية”.

بينما كنت أعبر بمحاذاة تلك الصور، شعرت بانقباض في حلقي، وجفاف في فمي، وارتفاع في ضغط دمي. لم يكن ما أشعر به غضباً، بل خوفاً.

كنت قد كتبت عن ذلك عام 2006، ثم عدت إلى الكتابة عنه قبل أسابيع قليلة.

في لبنان، نادراً ما تكون الصور واللافتات مجرد بروباغندا. فهي تذكّر الجماعات، في مختلف أنحاء البلاد، بمن يحميها، ومن يتحدث باسمها، ومن يحكمها في نهاية المطاف. وعلى طريق المطار، الذي خضع لأكثر من عقد لسيطرة “حزب الله” الكاملة، أدّت هذه الصور دوراً يكاد يشبه النص الدستوري، إذ كرّست تفسير الحزب لمعادلة تقاسم السلطة.

كانت المسيّرة الإسرائيلية التي تحوم بلا رحمة فوق رأسي، وآلاف النازحين المقيمين في المدينة الرياضية على بعد بضعة كيلومترات فقط على الطريق نفسه، تذكيراً واضحاً بأن لبنان لا يزال في قلب حرب لم يختر خوضها.

لكن ذلك لا يبدو مهماً. فقد بدأ “حزب الله” فعلاً بتقديم نفسه بوصفه جزءاً من قصة نجاح إقليمية أوسع. وبدأ يعلن النصر ويشكر إيران عليه. حاول فقط أن تسأل كيف يستفيد لبنان ومواطنوه من هذا “الانتصار”، واستعد لأن تُرمى عليك شتى الاتهامات، من الانهزامية إلى العمالة.

هكذا تُروى الحكاية في بيروت، إيران تمتلك اليد العليا في مفاوضاتها مع واشنطن، وقد نجحت في إدراج لبنان بوصفه هامشاً ملتبساً في تلك المفاوضات. وهذا، بحسب السردية السائدة، هو الواقع الوحيد الذي ينبغي أن يكون مهماً، من دون ترك مساحة تُذكر لأي نقاش.

لا أهمية لما يعنيه الانتصار الإيراني بالنسبة إلى لبنان، أو أرضه، أو مؤسساته، أو مواطنيه. ولا أهمية للقرى التي دُمّرت بالكامل، والتي ستحتاج إعادة إعمارها إلى مليارات الدولارات التي لم يتعهد أحد بتوفيرها. ولا أهمية لكون مساحة الأراضي الواقعة تحت الاحتلال اليوم أكبر مما كانت عليه في أي وقت خلال العقدين الماضيين. ولا أهمية لأكثر من أربعة آلاف لبناني قُتلوا منذ بداية هذه الحرب.

صحيح أن حياة كل مدني مهمة، سواء كان في لبنان أو في إيران، لكن كيف يمكننا تفسير أن عدد الضحايا اللبنانيين يكاد يفوق عدد الضحايا الإيرانيين، في حين أن عدد سكان لبنان أقل بنحو ست عشرة مرة؟

عندما أقول ذلك، لا أقصد بأي شكل من الأشكال إعفاء إسرائيل من مسؤولية الجرائم التي ارتكبتها وما زالت ترتكبها.

هناك عدد لا يُحصى من اللبنانيين، من بينهم شريكاي في تأسيس “درج” وكثيرون من فريقنا، يحملون خسائر لا يمكن لأي بيان سياسي أن يقيس حجمها، قرى وبساتين وأشجار زيتون ومنازل ممتلئة بذكريات لا يستطيع أي وقف لإطلاق النار أن يعيدها.

ولا يغيب عني لحظة واحدة أن إسرائيل هي المسؤول الأول والأساسي عن تلك الخسائر. لكن باستثناء مجموعة هامشية من المتحمسين فاقدي الذاكرة، الذين يأملون ويدفعون باتجاه أن “تُكمل إسرائيل المهمة”، لا أرى أحداً يشكر إسرائيل على تدمير لبنان، ناهيك برفع عبارات الشكر لها على صور ضخمة على طريق المطار.

أن تكون ضد إيران لا يعني أن تكون مع إسرائيل بل أن تكون مع لبنان

خلال الأسابيع الأخيرة، وضعت الولايات المتحدة أمام لبنان مسارين محتملين: أحدهما في جنيف، والآخر في واشنطن.

إذا اخترنا المسار الأول، فإننا نقبل بأن تتفاوض إيران نيابة عنا، وأن يبقى لبنان وكيلاً لها. أما إذا اخترنا المسار الثاني، فعلينا أن نتجرع مرارة التفاوض المباشر مع إسرائيل، في محادثات نعرف أننا لا نملك فيها اليد العليا، وأن نفتح بذلك صندوق باندورا من الاحتمالات.

بعبارة أخرى، وفي لحظة يُعاد فيها رسم نظام جديد للمنطقة، يجد لبنان نفسه أمام خيارين سيئين، فُرض كلاهما إلى حد بعيد بسبب الحرب التي قرر “حزب الله” خوضها بصورة أحادية، في تحدٍّ للدولة اللبنانية وللحكومة التي يتمثل فيها، وبتنسيق كامل ومباشر مع طهران.

بصفتي مواطنة وصحافية، وعلى الرغم من أن الاتفاق الإطاري أدنى بكثير من الحد الأدنى لطموحاتي، أراه أهون الشرّين المتاحين لنا.

كمواطنة، أريد اتفاقاً يضمن انسحاباً إسرائيلياً غير مشروط، ويسمّي الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان، ويجبرها على دفع ثمنها، ويردعها عن ارتكاب جرائم جديدة. وأنا أعرف أنني أتشارك هذه المطالب مع اللبنانيين في غالبيتهم، بمن فيهم أولئك الذين أختلف معهم سياسياً. فلنكن صريحين: من لا يريد العدالة؟

ما يقترحه الاتفاق الإطاري بعيد عن العدالة إلى أقصى حد يمكن تصوره، وأعرف، من دون أدنى شك، أنه لا يمكن تحقيق السلام من دون عدالة.

لكن بصفتي شخصاً أمضى جزءاً كبيراً من حياته المهنية في تغطية الحروب والنزاعات، أعرف أيضاً أن الصفقات الكبرى لا تُعقد عادة حول العدالة، وأن نوافذ تحقيق الاختراقات بالنسبة إلى بلد صغير مثل لبنان نادراً ما تبقى مفتوحة طويلاً.

لا بد أن يبدأ الطريق إلى السلام من مكان ما، مهما بدا السلام مستحيلاً اليوم. وقد يكون القبول بإطار يتضمن شروطاً سيئة ومخاطر عالية رهاناً أفضل، لأنه على الأقل لا يعني استمرار الحكم الإيراني الفعلي للبنان.

هل يعني ذلك أن علينا استبدال إيران بإسرائيل؟

الإجابة هي: لا، بصورة قاطعة.

رفض إيران ليس تنازلاً لإسرائيل أو للولايات المتحدة، بل هو تصويت لمصلحة لبنان. والموافقة على الاتفاق الإطاري تؤدي الى شيء واحد فقط: تحجز للبنان مقعده إلى الطاولة لكي يتحدث بنفسه وعن نفسه. لا أكثر ولا أقل.

فرص النجاح أو الفشل، أكثر مما يتخيل معظم اللبنانيين، قد تعتمد أيضاً علينا وعلى الطريقة التي نعرض بها قضيتنا أمام العالم.

إذا واصلنا تقديم لبنان بوصفه مصدر إزعاج مستعصياً لا يمكن حلّه، فستمر اللحظة، وسيُحوَّل لبنان مرة أخرى إلى مشكلة يتولى الآخرون التعامل معها. وإن لم تكن إيران أو إسرائيل، فقد تكون سوريا، كما اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخيراً.

لقد علّمنا التاريخ ذلك، وليس في ما يحدث اليوم ما لم يسبق لنا أن رأيناه أو جرّبناه كدولة وشعب.

عندما قرأت نص الاتفاق الإطاري الثلاثي، كان أول شخص سعيت إلى معرفة رأيه هو السفير الأميركي السابق رايان كروكر، الذي كان دبلوماسياً في السفارة الأميركية في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما أعقبه من تفجيرات استهدفت السفارة.

جاءت إجابته قصيرة وواضحة:

“احذروا اتفاق 17 أيار. من الضروري أن يتجنب الرئيس جوزاف عون أي مساعٍ إسرائيلية لإجراء اتصالات ثنائية مباشرة من دون الولايات المتحدة. فالإسرائيليون سيتجاوزون الحدود في جميع الأحوال، وقد لا تقف واشنطن في وجههم إذا كان تركيزها منصبّاً على إيران”.

مع معرفتي بتاريخ بلدي وبالانقسامات داخل جماعاته، أتشارك مخاوف كروكر. لكن في لحظات كهذه، وبصفتي مواطنة لبنانية، لا خيار أمامي سوى الوقوف إلى جانب دولتي.

وهنا تحديداً أرى في الاتفاق الإطاري ما يمكن البناء عليه.

فعلى الرغم من كل أوجه القصور فيه، يجعل الاتفاق الإطاري، خلافاً لكل اتفاق سبق التفاوض عليه بين إسرائيل ولبنان، السيادة اللبنانية غايةً نهائية للمسار، بدلاً من التعامل مع النزاع باعتباره مجرد فشل أمني لبناني. وقد تكون أهمية ذلك أكبر مما تبدو عليه.

في ظل إدارة ترامب، كان نزع سلاح “حزب الله” البند الوحيد الذي أبدت واشنطن اهتماماً به. وعلى مدى أشهر، قوبلت كل محاولة لإثارة قضايا الإصلاح وإعادة الإعمار وعودة النازحين بلا مبالاة كاملة.

ولا ينبغي بأي حال الافتراض أن إدراج هذه البنود في النص كان أمراً سهلاً. صحيح أن المسار يمنح إسرائيل يداً طليقة، وكأنها لا تتصرف أساساً على هذا النحو، لكنه يمنح الحكومة اللبنانية أيضاً ما تحتاج إليه لإعادة بناء بنيتها التحتية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية.

وعلى الرغم من أن النص يحرص على ربط كل دولار بمحطات تنفيذية وآليات رقابة، فإن واشنطن تتعهد بتدريب الجيش اللبناني وتسليحه بجدية فعلية. وهذا أمر مهم لأنه يعالج جزءاً من المشكلة التي تفرضها إسرائيل منذ عقود.

المعادلة هي الآتية: إذا كانت إسرائيل تريد التخلص من “حزب الله”، فلا خيار أمامها سوى القبول بجيش لبناني قوي.

وظيفة هذا الجيش هي تكريس احتكار الدولة السلاح والقوة وحماية السلم الأهلي في لبنان. وليست مهمته حراسة حدود إسرائيل، بل الدفاع عن حدود لبنان. أما تأمين حدود إسرائيل الشمالية، فيجب أن يكون نتيجة لذلك، لا الهدف منه.

لا يصبح نزع سلاح “حزب الله” خطوة مستدامة وذات معنى إلا إذا قدّمت الدولة بديلاً عما وفره ذلك السلاح لجزء كبير من السكان: الحماية والكرامة ودور في الدفاع عن البلاد.

تحوّل الجيش الوطني إلى بديل موثوق ومشترك بين اللبنانيين هو ما يجعل دور “حزب الله” العسكري غير ضروري، وليس مجرد إزالة السلاح.

كما يجب أن يكون السلام مع الطائفة الشيعية، التي تشكّل غالبية سكان جنوب لبنان، بما في ذلك القاعدة الشعبية التي يمثلها “حزب الله”، جزءاً من الهدف الأساسي، لا مسألة ثانوية تُبحث لاحقاً.

هل يريد اللبنانيون جيشاً قوياً؟

حتى الأكثر تشدداً ستنفد حججهم إذا كان مثل هذا الجيش قادراً على ضمان توقف إسرائيل عن ارتكاب جرائمها وبدئها باحترام السيادة اللبنانية.

وفي المقابل، حتى أكثر اللبنانيين انفتاحاً على فكرة السلام مع إسرائيل، باستثناء الذين يعملون ليل نهار للإبقاء على الأمر الواقع، لا يستطيعون تصوّر خوض نقاش جدي حول السلام اليوم.

ليس ذلك ممكناً في ظل استمرار إسرائيل في ارتكاب جرائمها، ولا ما دام أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش يذكّروننا يومياً بالمخططات التوسعية التي يحملونها.

مصلحة لبنان اليوم هي وقف الحرب والبدء بإعادة بناء مؤسساته. وعلى الرغم من ضيق النافذة التي يوفرها الاتفاق الإطاري ونواقصها، فإنها تظل الخيار الأفضل المتاح أمامنا.

السؤال الأكبر هو: هل ستفي الولايات المتحدة فعلاً بتعهداتها؟ وإذا فعلت، فهل ستقبل إسرائيل بذلك؟

هنا قد يكون الاتفاق الإطاري قدّم شيئاً مهماً، لأنه لا يضع العبء كله على لبنان.

تفوّق إسرائيل على أي تحالف محتمل لخصومها الإقليميين، والمعروف باسم “التفوق العسكري النوعي”، مكرّس في القانون الأميركي.

ولا يمنع القانون تسليح الجيش اللبناني، لكن إسرائيل اعترضت تاريخياً على إعادة بناء جيش قوي في لبنان. واليوم، إذا كان هدفها الحقيقي يقتصر بالفعل على حماية حدودها الشمالية، فلا خيار أمامها.

إذا أرادت التخلص من “حزب الله”، فعليها القبول بجيش لبناني قوي.

لن يؤدي تكرار اتفاق 17 أيار إلى نتائج أفضل. وحتى إذا أُنهك “حزب الله” إلى حد كبير، كما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1983، فإن ضعف الدولة وغياب جيش قادر سيؤديان إلى ظهور تنظيم مسلح آخر.

كما أن تكرار اتفاق على غرار تفاهم نيسان عام 1996، يقوم على التعايش مع «حق لبنان في المقاومة» خارج إطار الدولة ذات السيادة، سيقود لاحقاً إلى جولة جديدة من العنف.

أفضل فرصة متاحة أمام إسرائيل اليوم هي العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1949، وقد يكون ذلك خياراً جيداً للبنان أيضاً.

الجيش اللبناني هو الخط الأحمر الذي لا يريد أي لبناني اليوم تجاوزه، بما في ذلك قاعدة «حزب الله»، التي تريد في نهاية المطاف ما يريده كل إنسان: العدالة والأمن والسلام.

وهذا مكان جيد يمكن أن نبدأ منه العمل على إعادة بناء بلدنا.

منذ عودتي، أُزيلت لافتات «شكراً إيران الوفية» عن طريق المطار، وحلّت محلها لافتات كتب عليها «لبنان أولاً». وقد أُحرق بعضها بالفعل على أيدي محتجين غاضبين.

أما أمنيتي، فهي أن يأتي اليوم الذي نتوقف فيه عن التساؤل عن الصور واللافتات التي ستستقبلنا على طريق المطار.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…

لن يؤدي تكرار اتفاق 17 أيار إلى نتائج أفضل. وحتى إذا أُنهك “حزب الله” إلى حد كبير، كما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1983، فإن ضعف الدولة وغياب جيش قادر سيؤديان إلى ظهور تنظيم مسلح آخر.

عدتُ إلى بيروت يوم الأحد الواقع بين المحادثات الأميركية – الإيرانية في جنيف، وتوقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي في واشنطن. وكعادتي، كلما عدت إلى بيروت، خفّضت سقف توقعاتي. لكن، خلافاً لما توقعت، بدا المطار أكثر نظافة وتنظيماً من المعتاد. وبعد عشرين دقيقة فقط من هبوط الطائرة، كنت في سيارتي، وما زلت أشعر بقدر حذر من التفاؤل. غير أنني لم أحتج إلى أكثر من دقيقة واحدة على طريق العودة إلى المنزل كي أفقد كل حماسة شعرت بها.

على جانبَي طريق المطار، ارتفعت صور ضخمة لآية الله مجتبى خامنئي، وسلفه الراحل، وأمين عام “حزب الله” الراحل حسن نصر الله، وإلى جانبها عبارة مكتوبة بأحرف صفراء فاقعة: “شكراً إيران الوفية”.

بينما كنت أعبر بمحاذاة تلك الصور، شعرت بانقباض في حلقي، وجفاف في فمي، وارتفاع في ضغط دمي. لم يكن ما أشعر به غضباً، بل خوفاً.

كنت قد كتبت عن ذلك عام 2006، ثم عدت إلى الكتابة عنه قبل أسابيع قليلة.

في لبنان، نادراً ما تكون الصور واللافتات مجرد بروباغندا. فهي تذكّر الجماعات، في مختلف أنحاء البلاد، بمن يحميها، ومن يتحدث باسمها، ومن يحكمها في نهاية المطاف. وعلى طريق المطار، الذي خضع لأكثر من عقد لسيطرة “حزب الله” الكاملة، أدّت هذه الصور دوراً يكاد يشبه النص الدستوري، إذ كرّست تفسير الحزب لمعادلة تقاسم السلطة.

كانت المسيّرة الإسرائيلية التي تحوم بلا رحمة فوق رأسي، وآلاف النازحين المقيمين في المدينة الرياضية على بعد بضعة كيلومترات فقط على الطريق نفسه، تذكيراً واضحاً بأن لبنان لا يزال في قلب حرب لم يختر خوضها.

لكن ذلك لا يبدو مهماً. فقد بدأ “حزب الله” فعلاً بتقديم نفسه بوصفه جزءاً من قصة نجاح إقليمية أوسع. وبدأ يعلن النصر ويشكر إيران عليه. حاول فقط أن تسأل كيف يستفيد لبنان ومواطنوه من هذا “الانتصار”، واستعد لأن تُرمى عليك شتى الاتهامات، من الانهزامية إلى العمالة.

هكذا تُروى الحكاية في بيروت، إيران تمتلك اليد العليا في مفاوضاتها مع واشنطن، وقد نجحت في إدراج لبنان بوصفه هامشاً ملتبساً في تلك المفاوضات. وهذا، بحسب السردية السائدة، هو الواقع الوحيد الذي ينبغي أن يكون مهماً، من دون ترك مساحة تُذكر لأي نقاش.

لا أهمية لما يعنيه الانتصار الإيراني بالنسبة إلى لبنان، أو أرضه، أو مؤسساته، أو مواطنيه. ولا أهمية للقرى التي دُمّرت بالكامل، والتي ستحتاج إعادة إعمارها إلى مليارات الدولارات التي لم يتعهد أحد بتوفيرها. ولا أهمية لكون مساحة الأراضي الواقعة تحت الاحتلال اليوم أكبر مما كانت عليه في أي وقت خلال العقدين الماضيين. ولا أهمية لأكثر من أربعة آلاف لبناني قُتلوا منذ بداية هذه الحرب.

صحيح أن حياة كل مدني مهمة، سواء كان في لبنان أو في إيران، لكن كيف يمكننا تفسير أن عدد الضحايا اللبنانيين يكاد يفوق عدد الضحايا الإيرانيين، في حين أن عدد سكان لبنان أقل بنحو ست عشرة مرة؟

عندما أقول ذلك، لا أقصد بأي شكل من الأشكال إعفاء إسرائيل من مسؤولية الجرائم التي ارتكبتها وما زالت ترتكبها.

هناك عدد لا يُحصى من اللبنانيين، من بينهم شريكاي في تأسيس “درج” وكثيرون من فريقنا، يحملون خسائر لا يمكن لأي بيان سياسي أن يقيس حجمها، قرى وبساتين وأشجار زيتون ومنازل ممتلئة بذكريات لا يستطيع أي وقف لإطلاق النار أن يعيدها.

ولا يغيب عني لحظة واحدة أن إسرائيل هي المسؤول الأول والأساسي عن تلك الخسائر. لكن باستثناء مجموعة هامشية من المتحمسين فاقدي الذاكرة، الذين يأملون ويدفعون باتجاه أن “تُكمل إسرائيل المهمة”، لا أرى أحداً يشكر إسرائيل على تدمير لبنان، ناهيك برفع عبارات الشكر لها على صور ضخمة على طريق المطار.

أن تكون ضد إيران لا يعني أن تكون مع إسرائيل بل أن تكون مع لبنان

خلال الأسابيع الأخيرة، وضعت الولايات المتحدة أمام لبنان مسارين محتملين: أحدهما في جنيف، والآخر في واشنطن.

إذا اخترنا المسار الأول، فإننا نقبل بأن تتفاوض إيران نيابة عنا، وأن يبقى لبنان وكيلاً لها. أما إذا اخترنا المسار الثاني، فعلينا أن نتجرع مرارة التفاوض المباشر مع إسرائيل، في محادثات نعرف أننا لا نملك فيها اليد العليا، وأن نفتح بذلك صندوق باندورا من الاحتمالات.

بعبارة أخرى، وفي لحظة يُعاد فيها رسم نظام جديد للمنطقة، يجد لبنان نفسه أمام خيارين سيئين، فُرض كلاهما إلى حد بعيد بسبب الحرب التي قرر “حزب الله” خوضها بصورة أحادية، في تحدٍّ للدولة اللبنانية وللحكومة التي يتمثل فيها، وبتنسيق كامل ومباشر مع طهران.

بصفتي مواطنة وصحافية، وعلى الرغم من أن الاتفاق الإطاري أدنى بكثير من الحد الأدنى لطموحاتي، أراه أهون الشرّين المتاحين لنا.

كمواطنة، أريد اتفاقاً يضمن انسحاباً إسرائيلياً غير مشروط، ويسمّي الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان، ويجبرها على دفع ثمنها، ويردعها عن ارتكاب جرائم جديدة. وأنا أعرف أنني أتشارك هذه المطالب مع اللبنانيين في غالبيتهم، بمن فيهم أولئك الذين أختلف معهم سياسياً. فلنكن صريحين: من لا يريد العدالة؟

ما يقترحه الاتفاق الإطاري بعيد عن العدالة إلى أقصى حد يمكن تصوره، وأعرف، من دون أدنى شك، أنه لا يمكن تحقيق السلام من دون عدالة.

لكن بصفتي شخصاً أمضى جزءاً كبيراً من حياته المهنية في تغطية الحروب والنزاعات، أعرف أيضاً أن الصفقات الكبرى لا تُعقد عادة حول العدالة، وأن نوافذ تحقيق الاختراقات بالنسبة إلى بلد صغير مثل لبنان نادراً ما تبقى مفتوحة طويلاً.

لا بد أن يبدأ الطريق إلى السلام من مكان ما، مهما بدا السلام مستحيلاً اليوم. وقد يكون القبول بإطار يتضمن شروطاً سيئة ومخاطر عالية رهاناً أفضل، لأنه على الأقل لا يعني استمرار الحكم الإيراني الفعلي للبنان.

هل يعني ذلك أن علينا استبدال إيران بإسرائيل؟

الإجابة هي: لا، بصورة قاطعة.

رفض إيران ليس تنازلاً لإسرائيل أو للولايات المتحدة، بل هو تصويت لمصلحة لبنان. والموافقة على الاتفاق الإطاري تؤدي الى شيء واحد فقط: تحجز للبنان مقعده إلى الطاولة لكي يتحدث بنفسه وعن نفسه. لا أكثر ولا أقل.

فرص النجاح أو الفشل، أكثر مما يتخيل معظم اللبنانيين، قد تعتمد أيضاً علينا وعلى الطريقة التي نعرض بها قضيتنا أمام العالم.

إذا واصلنا تقديم لبنان بوصفه مصدر إزعاج مستعصياً لا يمكن حلّه، فستمر اللحظة، وسيُحوَّل لبنان مرة أخرى إلى مشكلة يتولى الآخرون التعامل معها. وإن لم تكن إيران أو إسرائيل، فقد تكون سوريا، كما اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخيراً.

لقد علّمنا التاريخ ذلك، وليس في ما يحدث اليوم ما لم يسبق لنا أن رأيناه أو جرّبناه كدولة وشعب.

عندما قرأت نص الاتفاق الإطاري الثلاثي، كان أول شخص سعيت إلى معرفة رأيه هو السفير الأميركي السابق رايان كروكر، الذي كان دبلوماسياً في السفارة الأميركية في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما أعقبه من تفجيرات استهدفت السفارة.

جاءت إجابته قصيرة وواضحة:

“احذروا اتفاق 17 أيار. من الضروري أن يتجنب الرئيس جوزاف عون أي مساعٍ إسرائيلية لإجراء اتصالات ثنائية مباشرة من دون الولايات المتحدة. فالإسرائيليون سيتجاوزون الحدود في جميع الأحوال، وقد لا تقف واشنطن في وجههم إذا كان تركيزها منصبّاً على إيران”.

مع معرفتي بتاريخ بلدي وبالانقسامات داخل جماعاته، أتشارك مخاوف كروكر. لكن في لحظات كهذه، وبصفتي مواطنة لبنانية، لا خيار أمامي سوى الوقوف إلى جانب دولتي.

وهنا تحديداً أرى في الاتفاق الإطاري ما يمكن البناء عليه.

فعلى الرغم من كل أوجه القصور فيه، يجعل الاتفاق الإطاري، خلافاً لكل اتفاق سبق التفاوض عليه بين إسرائيل ولبنان، السيادة اللبنانية غايةً نهائية للمسار، بدلاً من التعامل مع النزاع باعتباره مجرد فشل أمني لبناني. وقد تكون أهمية ذلك أكبر مما تبدو عليه.

في ظل إدارة ترامب، كان نزع سلاح “حزب الله” البند الوحيد الذي أبدت واشنطن اهتماماً به. وعلى مدى أشهر، قوبلت كل محاولة لإثارة قضايا الإصلاح وإعادة الإعمار وعودة النازحين بلا مبالاة كاملة.

ولا ينبغي بأي حال الافتراض أن إدراج هذه البنود في النص كان أمراً سهلاً. صحيح أن المسار يمنح إسرائيل يداً طليقة، وكأنها لا تتصرف أساساً على هذا النحو، لكنه يمنح الحكومة اللبنانية أيضاً ما تحتاج إليه لإعادة بناء بنيتها التحتية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية.

وعلى الرغم من أن النص يحرص على ربط كل دولار بمحطات تنفيذية وآليات رقابة، فإن واشنطن تتعهد بتدريب الجيش اللبناني وتسليحه بجدية فعلية. وهذا أمر مهم لأنه يعالج جزءاً من المشكلة التي تفرضها إسرائيل منذ عقود.

المعادلة هي الآتية: إذا كانت إسرائيل تريد التخلص من “حزب الله”، فلا خيار أمامها سوى القبول بجيش لبناني قوي.

وظيفة هذا الجيش هي تكريس احتكار الدولة السلاح والقوة وحماية السلم الأهلي في لبنان. وليست مهمته حراسة حدود إسرائيل، بل الدفاع عن حدود لبنان. أما تأمين حدود إسرائيل الشمالية، فيجب أن يكون نتيجة لذلك، لا الهدف منه.

لا يصبح نزع سلاح “حزب الله” خطوة مستدامة وذات معنى إلا إذا قدّمت الدولة بديلاً عما وفره ذلك السلاح لجزء كبير من السكان: الحماية والكرامة ودور في الدفاع عن البلاد.

تحوّل الجيش الوطني إلى بديل موثوق ومشترك بين اللبنانيين هو ما يجعل دور “حزب الله” العسكري غير ضروري، وليس مجرد إزالة السلاح.

كما يجب أن يكون السلام مع الطائفة الشيعية، التي تشكّل غالبية سكان جنوب لبنان، بما في ذلك القاعدة الشعبية التي يمثلها “حزب الله”، جزءاً من الهدف الأساسي، لا مسألة ثانوية تُبحث لاحقاً.

هل يريد اللبنانيون جيشاً قوياً؟

حتى الأكثر تشدداً ستنفد حججهم إذا كان مثل هذا الجيش قادراً على ضمان توقف إسرائيل عن ارتكاب جرائمها وبدئها باحترام السيادة اللبنانية.

وفي المقابل، حتى أكثر اللبنانيين انفتاحاً على فكرة السلام مع إسرائيل، باستثناء الذين يعملون ليل نهار للإبقاء على الأمر الواقع، لا يستطيعون تصوّر خوض نقاش جدي حول السلام اليوم.

ليس ذلك ممكناً في ظل استمرار إسرائيل في ارتكاب جرائمها، ولا ما دام أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش يذكّروننا يومياً بالمخططات التوسعية التي يحملونها.

مصلحة لبنان اليوم هي وقف الحرب والبدء بإعادة بناء مؤسساته. وعلى الرغم من ضيق النافذة التي يوفرها الاتفاق الإطاري ونواقصها، فإنها تظل الخيار الأفضل المتاح أمامنا.

السؤال الأكبر هو: هل ستفي الولايات المتحدة فعلاً بتعهداتها؟ وإذا فعلت، فهل ستقبل إسرائيل بذلك؟

هنا قد يكون الاتفاق الإطاري قدّم شيئاً مهماً، لأنه لا يضع العبء كله على لبنان.

تفوّق إسرائيل على أي تحالف محتمل لخصومها الإقليميين، والمعروف باسم “التفوق العسكري النوعي”، مكرّس في القانون الأميركي.

ولا يمنع القانون تسليح الجيش اللبناني، لكن إسرائيل اعترضت تاريخياً على إعادة بناء جيش قوي في لبنان. واليوم، إذا كان هدفها الحقيقي يقتصر بالفعل على حماية حدودها الشمالية، فلا خيار أمامها.

إذا أرادت التخلص من “حزب الله”، فعليها القبول بجيش لبناني قوي.

لن يؤدي تكرار اتفاق 17 أيار إلى نتائج أفضل. وحتى إذا أُنهك “حزب الله” إلى حد كبير، كما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1983، فإن ضعف الدولة وغياب جيش قادر سيؤديان إلى ظهور تنظيم مسلح آخر.

كما أن تكرار اتفاق على غرار تفاهم نيسان عام 1996، يقوم على التعايش مع «حق لبنان في المقاومة» خارج إطار الدولة ذات السيادة، سيقود لاحقاً إلى جولة جديدة من العنف.

أفضل فرصة متاحة أمام إسرائيل اليوم هي العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1949، وقد يكون ذلك خياراً جيداً للبنان أيضاً.

الجيش اللبناني هو الخط الأحمر الذي لا يريد أي لبناني اليوم تجاوزه، بما في ذلك قاعدة «حزب الله»، التي تريد في نهاية المطاف ما يريده كل إنسان: العدالة والأمن والسلام.

وهذا مكان جيد يمكن أن نبدأ منه العمل على إعادة بناء بلدنا.

منذ عودتي، أُزيلت لافتات «شكراً إيران الوفية» عن طريق المطار، وحلّت محلها لافتات كتب عليها «لبنان أولاً». وقد أُحرق بعضها بالفعل على أيدي محتجين غاضبين.

أما أمنيتي، فهي أن يأتي اليوم الذي نتوقف فيه عن التساؤل عن الصور واللافتات التي ستستقبلنا على طريق المطار.