بالأمس، كانت هناك مجزرة موصوفة بحق أهالي السويداء من الدروز. القتلة كانوا من الحكومة ومن رجالاتها من البدو. لا نعرف الأضرار بدقة، لكننا أمام هجوم وقتل وحصار وحرق وتهجير وإعدامات ميدانية.
“أبطال” المجزرة هم من رجالات الشرع، أو من العشائر التي تدعمه. يسترشدون بتعاليم رئيسهم في الحالتين: أولاً بصفته أبو محمد الجولاني، زعيم تنظيمهم “هيئة تحرير الشام” على مدى عقد من الزمن، وثانياً بصفته أحمد الشرع، رئيس جمهورية سوريا الحالي.
وهذا وحده يدعو إلى التوقف: كيف لأحمد الشرع، الذي ارتدى بسرعة البرق هندام رئيس الدولة، أن يتعامل مع الوقائع بما وُصف بـ”براغماتية” فذّة؟ يتقن لغة الرئاسة، يتفاهم مع أعتى أعداء الإسلام، والإسلام الجهادي الذي كان يقوده، يبرم الاتفاقات، يتفاوض، يستقبل… إلى آخره.
هكذا يظهر الشرع في أعلى درجات التنبّه للعالم الذي يطمح إلى نيل رضاه، وتبقى قاعدته وجماهيره في درجة من الأصولية الغوغائية، الثأرية، المدعومة بنشوة “أموية” ظهرت فيها معالم تنظيم “داعش”، الذي رُفعت أعلامه في دمشق وعلى أكتاف بعض المسلحين الذين هجموا على السويداء. ومُنية أعين تلك الفئة أن تذبح أو تفني العدد الأكبر من “الكفرة”… علويين، دروزاً، شيعةً، ومسيحيين.
كيف أُتيح لها أن تفعل؟ كيف يتعايش هذان العالَمان؟ بين قيادة تجاهد لاستيعاب موازين القوى من حولها، أكثر من أي شيء آخر، وبين قاعدة واسعة مهووسة بإمحاء كل من لا ينتمي إلى دينها؟
هنا تحضر المقارنة بين ما يتفوّه به أنصار أحمد الشرع من عبارات تكفيرية ذات جذور جهادية، وبين كلمات الشرع نفسه المختلفة، خصوصًا عبارة “حماية الأقليات” التي بات يشتهر بها.
هذا التناقض يخدم هدفين غير منسجمين. فمن جهة، هذه القاعدة المتشرّبة أيديولوجيًا تحمي الشرع، وهي قوته الضاربة الضرورية. من دونها لا يحكم. ولكن من جهة أخرى، هي قوة يمكن أن تقوده إلى الفشل، ليس فقط في السويداء، التي أصابت جهوده التطبيعية ونوافذه على العالم، بل أيضًا في مجتمع الحياة اليومية: في السهر، والسباحة، واللباس، والفن… وفي ممارسات رجالاته التشبيحية في الأماكن العامة، وربما الخاصة.
وهذا التناقض ينذر بأنواع من الانشقاقات عن أحمد الشرع، كأفراد “جهاديين” أو جماعات.
النقطة الأخرى هي المحاسبة.
لو كانت المحاسبة مفعّلة، لما بلغت مجزرة السويداء هذا الحدّ.
وللمحاسبة فرعان: الأول يقع في نطاق “العدالة الانتقالية”.
مؤخرًا شُكّلت لجنتان:
الأولى تخصّ البحث عن المفقودين تحت حكم بشار الأسد، وهي خطوة محمودة.
أما اللجنة الثانية، فتهدف إلى التحقيق في الجرائم المرتكبة خلال الحرب. تغطي جرائم بشار الأسد، لكنها لا تتناول تلك التي ارتكبتها فصائل المعارضة المسلحة، وغالبيتها إسلامية جهادية، وخصوصًا “هيئة تحرير الشام” وقبلها “جبهة النصرة”، وقد وُثّقت كل جرائمها في إدلب من خطف واعتقال وقتل وعقوبات.
أي إن الشرع وتنظيمه لن تطاولهما العدالة، ولن يُحاسَبا على ما اقترفته أياديهما قبل أن يصبح “رئيسًا” لسوريا.
أما الفرع الثاني من المحاسبة، فيقع في النطاق الأهلي.
إقرأوا أيضاً:
في آذار/ مارس الماضي، وبذريعة كمين نصبه رجال من “الفلول”، اجتاح “مجاهدو الثأر” منطقة اللاذقية العلوية، وأشبعوها قتلاً وخطفًا وسرقة وحرائق.
من بعدها، شيخ علوي يقول على اليوتيوب سخافات بحق الرسول محمد، فيستنفر الرهط نفسه الذي ينقض على ضاحية جرمانا الدرزية بدمشق، فتقع مجازر، وتهجير، ودمار، وطرد من الجامعات، وانتهاكات أخرى فردية لا تُحصى.
ثم يأتي تفجير كنيسة مار إلياس، وبعده الشيعة من أهل الفوعة في ريف إدلب، وقرى أخرى في ريف حمص. يطالب هؤلاء الآن، من دون جدوى، بالعودة إلى قراهم التي هُجّروا منها عام 2018، مع ورود أخبار عن “احتلال” بيوتهم من “مجاهدين”، بعقود بيع وإيجار قانونية تجعل عودتهم مستحيلة.
حسنًا، حصل كل هذا في الأشهر الأخيرة، ولم يحصل أي تحقيق جدي، ولا بالتالي أي محاسبة.
وإذا أضفت إلى ذلك غياب الحساب عن “هيئة تحرير الشام”، فسيهون عليك استيعاب مشهد السويداء. أولئك الذين انقضوا على أهلها، كان خيالهم منتشيًا بتلك الجرائم، فلا تصعب عليهم الوحشية.
والشرع، على كل حال، لا يحتاج إلى براءة من المحاسبة. إنه متحرّر سلفًا من هذا القيد. فشرعيته ليست مستمدّة من هذه “الترهات”. إنه حاكم “خارجي”. منذ اللحظة الأولى، نظر إلى الخليج، إلى أميركا، إلى إسرائيل.
وهو مثير للسخرية عندما يدين في كلماته “الذين يخدمون مخططات الخارج”، في حين أن كل هذا “الخارج” مسخّر لبقائه رئيسًا، وهو بالتالي مسخّر لهم.
أضِف أن الأميركيين لم يعودوا يلعبون بورقة “حقوق الإنسان” أو “حرية التعبير”. ومنذ أن التقى ترامب بأحمد الشرع، فُتحت عليه أبواب الجنة الخارجية.
إذًا، الإيكوسيستم – أي النظام البيئي – الذي يُغذي الشرع، لا يهمه حساب الداخل.
إسرائيل تضع يدها على الزناد، وتقول إن ضرباتها ليست إلا لتوسيع المناطق “الآمنة” على حدودها. أفهمت الشرع ذلك أم لم تُفهمه، فهي هكذا تنظر إلى التطبيع معه: تضعه عند حدّ، وتتيح له الكلام “الوطني” عن “التدخل الخارجي”.
من البديهي أن يكون لبنان قد أصابته شظايا مقتلة السويداء. وسط سُنّة من لبنان شيء من الفكر الثأري تجاه كل الأقليات.
هذا لا يكفي طبعًا ليؤجّج الصراع السني–الدرزي، الذي تتضح معالمه كلما نطق المفتي السني أو شيخ عقل الطائفة الدرزية بكلمات “الإخوة”، “التعايش”، و”لبنان الواحد”.
أضِف إلى ذلك الطبقات الأخرى من الحب/الكراهية بين كل طائفة وطائفة، بين كل طائفة والطوائف الأخرى.
لبنان حساس، وسوريا تزداد حساسيتها.
ومبعوث ترامب، توم براك، محمولًا بالتسرّع والسطحية، لن ينظر إلى تلك النقاط، بل يعتبرها ثانوية. سيمضي في لا مشروعه، مفسحًا المجال للشرع للتمكين.
سيفكّك الألغام الواقفة في طريقه.
والاثنان – براك والشرع – لن ينجحا إلا بإضاعة المزيد من وقت “بلاد الشام”.
فطريق بناء الدولة السورية لا يُعبَّد فوق جثث الأقليات. جميع الأقليات.
إقرأوا أيضاً:












