ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

طلاق صوري وزيجات عرفية: لماذا تتحايل نساء مصريات على قانون المعاشات؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بحسب وليد العاصي المحامي المتخصّص في قضايا الأحوال الشخصية، يصل إلى مكتبه ما لا يقلّ عن عشر حالات سنوياً لطلب الطلاق الصوري من أجل الحصول على معاش الأب، لكنّه يعتقد أن الأعداد الفعلية على مستوى الجمهورية أكبر بكثير، ويشير إلى أن “الكثيرات ممن كان آباؤهن موظّفين حكوميين يحصلن على معاشاتهم سواء بطرق قانونية أو ملتوية”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تنجب أمينة حسن، البالغة من العمر 62 عاماً، خلال زواجها الأوّل الذي استمرّ قرابة عشر سنوات في السعودية، حيث أقامت مع زوجها قبل أن يتزوج بأخرى، لتختار هي الطلاق والعودة إلى مصر في سنّ الأربعين. حينها أدركت أن فرصتها في الإنجاب قد انتهت، وأن الحصول على وظيفة حكومية بات شبه مستحيل بعد سنوات من العمل المتنقّل في بلدان الخليج. ومع إصابتها بمرض السكّري، ومرض شقيقها الأصغر الذي أقعدته جلطة دماغية، وجدت نفسها عاجزة عن العمل في سوق لا فرصة لها فيه، وليس أمامها وشقيقها إلا الاعتماد بشكل كامل على معاش والدهما المتوفّى، الموظّف السابق في شركة السكّر في الحوامدية.

تقول أمينة في حديثها لـ”درج ميديا”: “لجأت إلى الزواج العرفي عدّة مرّات حتى لا ينقطع معاش والدي عني، فإن لم أكن أحتاج إليه فإن شقيقي في أمسّ الحاجة إليه، خاصّة وأنه مريض وغير قادر على العمل”.

تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مصر سجّلت في عام 2023 نحو 265,606 حالة طلاق، بمعدّل 2.5 حالة لكلّ ألف نسمة، منها 56.7% في الحضر و43.3% في الريف. بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لكن ليس كلّ هذه الحالات ناتجة عن استحالة العيشة الزوجية؛ بعض النساء يلجأن إلى الطلاق الصوري، ومن ثم الزواج العرفي كحيلة لضمان استمرار معاش أحد الأبوين، بخاصّة عندما تكون الظروف الصحّية أو الاقتصادية أو الاجتماعية غير مواتية لتحقيق استقلال كامل في حيواتهن.

اعتراف رسمي بالطلاق الصوري 

في واقعة رسمية في محكمة شبرا لشؤون الأسرة، أصدرت الدائرة 9 حكمها بالتطليق على عقد زواج عرفي لم يُوثَّق رسمياً، استناداً إلى المادّة 17 من القانون رقم 1 لسنة 2000، التي تسمح برفع دعوى التطليق أو الفسخ إذا كان الزواج مثبتاً بأي كتابة. تبيّن أن الزوجة اتّفقت مع الزوج على الطلاق الصوري والزواج العرفي بهدف الحفاظ على معاش والدها، بينما تقاعس الزوج عن العمل وتركها تتحمّل نفقات الأولاد، ما دفعها إلى رفع دعوى خُلع على عقد الزواج العرفي.

تتشابه هذه الواقعة مع تجربة السيّدة إيناس عبد التوّاب (39 عاماً) التي انتقلت من القاهرة إلى الغردقة مع ابنها الوحيد، بعد انفصالها عن زوجها السابق. اعتمدت إيناس على راتبها ومعاش والدها لتلبية احتياجاتها وابنها، ثم تعرّفت على زميل بالعمل اقترح الزواج العرفي لتجنّب انقطاع المعاش، على أن يبقى عمله مصدر دخل أساسي للإنفاق. وافقت وأبرمت العقد العرفي دون تسجيله رسمياً.

بعد عدّة أشهر، بدأ الزوج يمتنع عن العمل، فاضطرّت إيناس لتحمّل كلّ النفقات بمفردها، وهو ما أدّى إلى نشوب الخلاف بينهما وانتهى زواجهما بالطلاق. تقول إيناس لـ”درج ميديا”: “لقيت نفسي أنا اللي شايلة البيت بمعاش أبويا، قلت له انزل الشغل رفض وقالي معاش أبوكي مكفي، فاطلّقت وحمدت ربنا إني كتبت العقد عرفي”. 

 التحايل على القانون معركة جندرية

من جانبه، يشير محامي الأحوال الشخصية رمسيس النجّار إلى أن “فلسفة القانون المصري تقوم على نظرية “الإعالة”، فالمعاش ليس راتباً، إنما إعالة تسقط بوجود المعيل”، ويوضح في حديثه مع “درج ميديا” أن “المعاش ليس راتباً لكنّه إعالة، فإذا وُجد المعيل فُقد المعاش”، لافتاً إلى أن “الزوجة تحصل على معاش زوجها بعد وفاته باعتباره عائلها الوحيد، ويحصل الابن على معاش أبيه حتى يبلغ سنّ العمل، والمقرّر 24 عاماً، بينما تحصل الابنة عليه إلى أن تتزوّج ويصبح الزوج مسؤولاً عن إعالتها. فإذا طلّقت أو ترمّلت عادت للاستفادة من معاش الأب، وغالباً ما يكون أكبر من معاش الأرامل أو المطلّقات”. 

ويعتبر البعض أن هذا النصّ القانوني، رغم منطقيّته الشكلية، يخلق تمييزاً ضمنياً ضدّ النساء، إذ يحرم المتزوّجة من حقّ مالي مشروع، ويفترض تبعيّتها المطلقة للزوج، في مجتمع تعاني فيه النساء من ضعف المشاركة الاقتصادية. وهو ما يدفع بعضهن إلى التحايل عبر الزواج العرفي أو الطلاق الصوري، تجنّباً للحرمان من المعاش، أو الوقوع تحت وصمة “مطلّقة” أو “أرملة”، فيتحوّل الحقّ في معاش الأب من ضمانة اجتماعية إلى معركة قانونية وجندرية تعكس ثغرات المنظومة.

بحثاً عن فتوى لتبرير الاستيلاء 

في إطار البحث عن طرق للتحايل على القانون، وصل الأمر ببعض الأفراد إلى حدّ إرسال استفسارات إلى دار الإفتاء بحثاً عن فتوى تبرّر لهم الاستيلاء على المال العامّ، حيث أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال يتعلّق بحكم الطلاق الصوري بهدف الحصول على المعاش، حين سأل أحد الأشخاص: “تزوّجت من امرأة قريبة لي متخلّفة عقلياً، وأنجبت منها ابنتين، ولها أمّ مسنّة ومعاش كبير. ترغب والدتي في أن أطلّق زوجتي صورياً لتتمكّن من الحصول على المعاش بعد وفاة والدتها، فهل أطيع طلبها مع أنني سعيد بزوجتي ولدي عمل وراتب؟”، وكان ردّ الإفتاء بإنه لا يجوز. 

وتعليقاً على ذلك يقول الدكتور عطية لاشين أستاذ الفقه الإسلامي في كليّة الشريعة والقانون في جامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى في الجامع الأزهر، إن “الحيل التي يقصد بها تحليل الحرام باطلة، ومن يحاول التحايل على أموال الدولة بهذا الشكل يرتكب فعلاً محرّماً، حتى لو قام بتحرير قسيمة طلاق رسمية، ثم عقد زواج عرفي لإتاحة صرف المعاش للزوجة”. 

ووصف لاشين، أثناء حديثه لـ”درج ميديا” هذه الحيل، بأنها “سُحت” معلّلاً أن “حصول الزوجة على المعاش يشترط أن تكون مطلّقة بالفعل أو أرملة، وحالتهما لا تنطبق عليها هذه الشروط. إضافةً إلى ذلك، قد يعرّضان نفسيهما للمساءلة الجنائية، إذ تبدو الزوجة في الأوراق الرسمية مطلّقة بينما هي لا تزال زوجة بمقتضى العقد العرفي”.

كيف تتمّ عمليّة التحايل قانوناً؟ 

عادة تستطيع المرأة المطلّقة التقديم للحصول على معاش والدها بعد الوفاة، شريطة أن تكون غير متزوّجة، وأن لا يكون لها دخل ثابت أو معاش آخر. ويتمّ تقديم الطلب إلى مكتب التأمينات الاجتماعية المختصّ، مصحوباً بالوثائق الرسمية مثل بطاقة الرقم القومي، شهادة الميلاد، شهادة وفاة الأب، ووثيقة الطلاق لإثبات صفتها كمطلّقة. كذلك فإنها توقّع على إقرار بعدم الزواج وعدم وجود دخل أو معاش آخر. تقتصر عمليّة المراجعة على أوراق الطلب فقط، ثم  يُصرف المعاش من تاريخ الطلاق، مع تسوية أي فروق مستحقّة، ويُقسّم عادة بين المستحقّين وفق الأنصبة القانونية، بما في ذلك أرملة الأب أو أي ورثة آخرين.

من زاوية اجتماعية وقانونية، ترى نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي أن “حصول الأبناء على معاشات ذويهم بعد وفاتهم لا يمكن اعتباره حقّاً مطلقاً، إذ إن الأب، يكون قد استفاد من التأمينات التي دفعها خلال حياته بأضعاف ما ساهم به، سواء لنفسه أو لأسرته”، بحسب قولها، أثناء استضافتها في لقاء تلفزيوني عبر فضائية “صدى البلد”. 

وتلفت القباج إلى أن “استمرار صرف المعاشات بعد الوفاة يُثقل كاهل صندوق التأمينات، ويخلق عبئاً على المنظومة ككلّ”، مؤكّدة أنه “لا يوجد في أي دولة في العالم أسرة كاملة تستفيد من معاش دفعه فرد واحد وقد حصل على مقابله”. وفي تعليقها على حالات الطلاق الصوري من أجل ضمان المعاشات، توضح أن “فلسفة الإعالة في مصر تقوم على أن الزوج هو المسؤول عن نفقة زوجته، وليس العكس”.

أقدمت سميحة محمّد (اسم مستعار، 42 عاماً) وزوجها على التوجّه إلى مكتب محاماة في منطقة المرج، لإنهاء إجراءات طلاقهما رسمياً، مع إبرام عقد زواج عرفي غير موثّق، حتى تتمكّن الزوجة من الحصول على معاش والدها المتوفّى، البالغ ثمانية آلاف جنيه شهرياً (نحو 170 دولاراً)، إذ كان موظّفاً في إحدى المؤسّسات الحكومية. لكنّ أحمد خالد المحامي في الاستئناف العالي، رفض إتمام ما طلباه لاقتناعه بأن الأمر تحايل محرّم. 

ويقول خالد في حديثه مع “درج ميديا”: “لا أتعامل مع هذه القضايا، لأن أصحابها يصرّحون بأن الطلاق هدفه الأساسي الحصول على معاش الأب، ويطلبون من المحامي إنهاء الإجراءات اللازمة لذلك”، ويضيف أن “قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، يمنح المعاش للبنت غير المتزوّجة أو المطلّقة أو الأرملة، لكن بمجرّد زواجها يسقط حقّها فيه. لذلك يُعدّ الطلاق الصوري والزواج العرفي تحايلاً صريحاً على القانون، قد يعرّض أصحابه للمساءلة واسترداد ما صُرف من مبالغ دون وجه حقّ”.

اتّهامات بالشراكة تلاحق المحامين 

وفي حالة أخرى، تزوّج محسن عبد السلام من جارته حسنيّة بعد وفاة زوجها، لكنّ قلقه الأكبر كان أن يؤدّي الزواج إلى حرمانها من معاش والدها المتوفّى. ورغم توثيقه الزواج أمام المحكمة، فقد نصحه أحد المحامين بأن القانون لم يعد يعترف إلا بعقود الزواج الموثّقة في مصلحة الأحوال المدنية، وأن المحاكم لم تعد تقبل دعاوى إثبات الزواج غير المسجّلة هناك. لذلك اكتفى محسن بالحصول على أوراق رسمية تُثبت شكل العلاقة، دون أن يُسجّل عقد الزواج في الأحوال المدنية، قائلاً لـ”درج ميديا”: “كل اللي همني يكون معايا ورق رسمي أقدر أتعامل بيه مع أي جهة، والمهم معاشها ما يتقطعش”. 

من جانبه يوضح الدكتور عادل عامر أستاذ القانون العامّ والاقتصاد الدولي ومدير مركز “المصريين للدراسات”، أن “قانون التأمينات والمعاشات رقم 184 لسنة 2019 حدّد شروط استحقاق المعاش بوضوح”، لائماً المحامين الذين كما وصفهم “يساهمون في التحايل عليه من خلال توثيق طلاق صوري أو زواج عرفي يعلمون أنه غير حقيقي، وهو ما يحوّلهم – من حماة للقانون – إلى طرف متواطئ في جريمة منظّمة” على حدّ قوله. 

 ويرى عامر أن “مواجهة هذه الظاهرة تتطلّب معالجة شاملة، تبدأ بتشديد الرقابة على إجراءات الطلاق والتوثيق، ومراجعة منظومة المعاشات لضمان عدالة توزيعها، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بخطورة التحايل القانوني باعتباره إضراراً بالصالح العامّ”، ويقول في تصريحات خاصّة لـ”درج ميديا”: “إذا كان الضغط الاقتصادي قد يدفع البعض إلى البحث عن حلول بديلة، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبرّراً لخرق القوانين أو الإضرار بحقوق المجتمع ككلّ”.

بحسب وليد العاصي المحامي المتخصّص في قضايا الأحوال الشخصية، يصل إلى مكتبه ما لا يقلّ عن عشر حالات سنوياً لطلب الطلاق الصوري من أجل الحصول على معاش الأب، لكنّه يعتقد أن الأعداد الفعلية على مستوى الجمهورية أكبر بكثير، ويشير إلى أن “الكثيرات ممن كان آباؤهن موظّفين حكوميين يحصلن على معاشاتهم سواء بطرق قانونية أو ملتوية”.

ويعتبر أن “هذه الممارسات ترتبط غالباً بالفئات الأشد فقراً، حيث يكون الزوج من العمالة غير المنتظمة ودخله ضعيفاً، فيلجأ الطرفان إلى الطلاق الصوري والزواج العرفي غير الموثّق. وفي هذه الحالة، تفقد المرأة جميع حقوقها القانونية من نفقة ومتعة وغيرها، وحتى إن وُلد طفل، فإن تسجيله رسمياً يظلّ مرهوناً بإثبات نسبه عبر العقد العرفي”.

ويرى العاصي أن الزواج العرفي في هذه الصورة ليس سوى “غش وتدليس للاستيلاء على المال العامّ”، ويطالب بـ”تشديد العقوبات إلى حدّ السجن عشر سنوات”، معتبراً أن “مجرّد استرداد قيمة المعاشات المصروفة بأثر رجعي غير كافٍ لردع هذه الظاهرة”.

فيما يعتبر الفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي، أن “الزواج العرفي نفسه لا يمكن منعه بالكامل”، مبرّراً بإنه إجراء قد تلجأ إليه بعض الأرامل أو النساء في ظروف اجتماعية خاصّة، مذكّراً بأن “الزواج العرفي كان هو السائد في مصر قبل تشريع المأذونية في عام 1929″، لكنّه يعود ويؤكّد أنه “لو كان من حقّ المرأة الحصول على معاش والدها بعد تغيّر ظروفها الاجتماعية إلى مطلّقة أو أرملة، لما اضطرّت إلى الزواج العرفي من الأساس، غير أن ذلك يشكّل عبئاً كبيراً على الدولة”، وفق ما أشار به أثناء حديثه مع “درج ميديا”. 

02.10.2025
زمن القراءة: 8 minutes

بحسب وليد العاصي المحامي المتخصّص في قضايا الأحوال الشخصية، يصل إلى مكتبه ما لا يقلّ عن عشر حالات سنوياً لطلب الطلاق الصوري من أجل الحصول على معاش الأب، لكنّه يعتقد أن الأعداد الفعلية على مستوى الجمهورية أكبر بكثير، ويشير إلى أن “الكثيرات ممن كان آباؤهن موظّفين حكوميين يحصلن على معاشاتهم سواء بطرق قانونية أو ملتوية”.

لم تنجب أمينة حسن، البالغة من العمر 62 عاماً، خلال زواجها الأوّل الذي استمرّ قرابة عشر سنوات في السعودية، حيث أقامت مع زوجها قبل أن يتزوج بأخرى، لتختار هي الطلاق والعودة إلى مصر في سنّ الأربعين. حينها أدركت أن فرصتها في الإنجاب قد انتهت، وأن الحصول على وظيفة حكومية بات شبه مستحيل بعد سنوات من العمل المتنقّل في بلدان الخليج. ومع إصابتها بمرض السكّري، ومرض شقيقها الأصغر الذي أقعدته جلطة دماغية، وجدت نفسها عاجزة عن العمل في سوق لا فرصة لها فيه، وليس أمامها وشقيقها إلا الاعتماد بشكل كامل على معاش والدهما المتوفّى، الموظّف السابق في شركة السكّر في الحوامدية.

تقول أمينة في حديثها لـ”درج ميديا”: “لجأت إلى الزواج العرفي عدّة مرّات حتى لا ينقطع معاش والدي عني، فإن لم أكن أحتاج إليه فإن شقيقي في أمسّ الحاجة إليه، خاصّة وأنه مريض وغير قادر على العمل”.

تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مصر سجّلت في عام 2023 نحو 265,606 حالة طلاق، بمعدّل 2.5 حالة لكلّ ألف نسمة، منها 56.7% في الحضر و43.3% في الريف. بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لكن ليس كلّ هذه الحالات ناتجة عن استحالة العيشة الزوجية؛ بعض النساء يلجأن إلى الطلاق الصوري، ومن ثم الزواج العرفي كحيلة لضمان استمرار معاش أحد الأبوين، بخاصّة عندما تكون الظروف الصحّية أو الاقتصادية أو الاجتماعية غير مواتية لتحقيق استقلال كامل في حيواتهن.

اعتراف رسمي بالطلاق الصوري 

في واقعة رسمية في محكمة شبرا لشؤون الأسرة، أصدرت الدائرة 9 حكمها بالتطليق على عقد زواج عرفي لم يُوثَّق رسمياً، استناداً إلى المادّة 17 من القانون رقم 1 لسنة 2000، التي تسمح برفع دعوى التطليق أو الفسخ إذا كان الزواج مثبتاً بأي كتابة. تبيّن أن الزوجة اتّفقت مع الزوج على الطلاق الصوري والزواج العرفي بهدف الحفاظ على معاش والدها، بينما تقاعس الزوج عن العمل وتركها تتحمّل نفقات الأولاد، ما دفعها إلى رفع دعوى خُلع على عقد الزواج العرفي.

تتشابه هذه الواقعة مع تجربة السيّدة إيناس عبد التوّاب (39 عاماً) التي انتقلت من القاهرة إلى الغردقة مع ابنها الوحيد، بعد انفصالها عن زوجها السابق. اعتمدت إيناس على راتبها ومعاش والدها لتلبية احتياجاتها وابنها، ثم تعرّفت على زميل بالعمل اقترح الزواج العرفي لتجنّب انقطاع المعاش، على أن يبقى عمله مصدر دخل أساسي للإنفاق. وافقت وأبرمت العقد العرفي دون تسجيله رسمياً.

بعد عدّة أشهر، بدأ الزوج يمتنع عن العمل، فاضطرّت إيناس لتحمّل كلّ النفقات بمفردها، وهو ما أدّى إلى نشوب الخلاف بينهما وانتهى زواجهما بالطلاق. تقول إيناس لـ”درج ميديا”: “لقيت نفسي أنا اللي شايلة البيت بمعاش أبويا، قلت له انزل الشغل رفض وقالي معاش أبوكي مكفي، فاطلّقت وحمدت ربنا إني كتبت العقد عرفي”. 

 التحايل على القانون معركة جندرية

من جانبه، يشير محامي الأحوال الشخصية رمسيس النجّار إلى أن “فلسفة القانون المصري تقوم على نظرية “الإعالة”، فالمعاش ليس راتباً، إنما إعالة تسقط بوجود المعيل”، ويوضح في حديثه مع “درج ميديا” أن “المعاش ليس راتباً لكنّه إعالة، فإذا وُجد المعيل فُقد المعاش”، لافتاً إلى أن “الزوجة تحصل على معاش زوجها بعد وفاته باعتباره عائلها الوحيد، ويحصل الابن على معاش أبيه حتى يبلغ سنّ العمل، والمقرّر 24 عاماً، بينما تحصل الابنة عليه إلى أن تتزوّج ويصبح الزوج مسؤولاً عن إعالتها. فإذا طلّقت أو ترمّلت عادت للاستفادة من معاش الأب، وغالباً ما يكون أكبر من معاش الأرامل أو المطلّقات”. 

ويعتبر البعض أن هذا النصّ القانوني، رغم منطقيّته الشكلية، يخلق تمييزاً ضمنياً ضدّ النساء، إذ يحرم المتزوّجة من حقّ مالي مشروع، ويفترض تبعيّتها المطلقة للزوج، في مجتمع تعاني فيه النساء من ضعف المشاركة الاقتصادية. وهو ما يدفع بعضهن إلى التحايل عبر الزواج العرفي أو الطلاق الصوري، تجنّباً للحرمان من المعاش، أو الوقوع تحت وصمة “مطلّقة” أو “أرملة”، فيتحوّل الحقّ في معاش الأب من ضمانة اجتماعية إلى معركة قانونية وجندرية تعكس ثغرات المنظومة.

بحثاً عن فتوى لتبرير الاستيلاء 

في إطار البحث عن طرق للتحايل على القانون، وصل الأمر ببعض الأفراد إلى حدّ إرسال استفسارات إلى دار الإفتاء بحثاً عن فتوى تبرّر لهم الاستيلاء على المال العامّ، حيث أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال يتعلّق بحكم الطلاق الصوري بهدف الحصول على المعاش، حين سأل أحد الأشخاص: “تزوّجت من امرأة قريبة لي متخلّفة عقلياً، وأنجبت منها ابنتين، ولها أمّ مسنّة ومعاش كبير. ترغب والدتي في أن أطلّق زوجتي صورياً لتتمكّن من الحصول على المعاش بعد وفاة والدتها، فهل أطيع طلبها مع أنني سعيد بزوجتي ولدي عمل وراتب؟”، وكان ردّ الإفتاء بإنه لا يجوز. 

وتعليقاً على ذلك يقول الدكتور عطية لاشين أستاذ الفقه الإسلامي في كليّة الشريعة والقانون في جامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى في الجامع الأزهر، إن “الحيل التي يقصد بها تحليل الحرام باطلة، ومن يحاول التحايل على أموال الدولة بهذا الشكل يرتكب فعلاً محرّماً، حتى لو قام بتحرير قسيمة طلاق رسمية، ثم عقد زواج عرفي لإتاحة صرف المعاش للزوجة”. 

ووصف لاشين، أثناء حديثه لـ”درج ميديا” هذه الحيل، بأنها “سُحت” معلّلاً أن “حصول الزوجة على المعاش يشترط أن تكون مطلّقة بالفعل أو أرملة، وحالتهما لا تنطبق عليها هذه الشروط. إضافةً إلى ذلك، قد يعرّضان نفسيهما للمساءلة الجنائية، إذ تبدو الزوجة في الأوراق الرسمية مطلّقة بينما هي لا تزال زوجة بمقتضى العقد العرفي”.

كيف تتمّ عمليّة التحايل قانوناً؟ 

عادة تستطيع المرأة المطلّقة التقديم للحصول على معاش والدها بعد الوفاة، شريطة أن تكون غير متزوّجة، وأن لا يكون لها دخل ثابت أو معاش آخر. ويتمّ تقديم الطلب إلى مكتب التأمينات الاجتماعية المختصّ، مصحوباً بالوثائق الرسمية مثل بطاقة الرقم القومي، شهادة الميلاد، شهادة وفاة الأب، ووثيقة الطلاق لإثبات صفتها كمطلّقة. كذلك فإنها توقّع على إقرار بعدم الزواج وعدم وجود دخل أو معاش آخر. تقتصر عمليّة المراجعة على أوراق الطلب فقط، ثم  يُصرف المعاش من تاريخ الطلاق، مع تسوية أي فروق مستحقّة، ويُقسّم عادة بين المستحقّين وفق الأنصبة القانونية، بما في ذلك أرملة الأب أو أي ورثة آخرين.

من زاوية اجتماعية وقانونية، ترى نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي أن “حصول الأبناء على معاشات ذويهم بعد وفاتهم لا يمكن اعتباره حقّاً مطلقاً، إذ إن الأب، يكون قد استفاد من التأمينات التي دفعها خلال حياته بأضعاف ما ساهم به، سواء لنفسه أو لأسرته”، بحسب قولها، أثناء استضافتها في لقاء تلفزيوني عبر فضائية “صدى البلد”. 

وتلفت القباج إلى أن “استمرار صرف المعاشات بعد الوفاة يُثقل كاهل صندوق التأمينات، ويخلق عبئاً على المنظومة ككلّ”، مؤكّدة أنه “لا يوجد في أي دولة في العالم أسرة كاملة تستفيد من معاش دفعه فرد واحد وقد حصل على مقابله”. وفي تعليقها على حالات الطلاق الصوري من أجل ضمان المعاشات، توضح أن “فلسفة الإعالة في مصر تقوم على أن الزوج هو المسؤول عن نفقة زوجته، وليس العكس”.

أقدمت سميحة محمّد (اسم مستعار، 42 عاماً) وزوجها على التوجّه إلى مكتب محاماة في منطقة المرج، لإنهاء إجراءات طلاقهما رسمياً، مع إبرام عقد زواج عرفي غير موثّق، حتى تتمكّن الزوجة من الحصول على معاش والدها المتوفّى، البالغ ثمانية آلاف جنيه شهرياً (نحو 170 دولاراً)، إذ كان موظّفاً في إحدى المؤسّسات الحكومية. لكنّ أحمد خالد المحامي في الاستئناف العالي، رفض إتمام ما طلباه لاقتناعه بأن الأمر تحايل محرّم. 

ويقول خالد في حديثه مع “درج ميديا”: “لا أتعامل مع هذه القضايا، لأن أصحابها يصرّحون بأن الطلاق هدفه الأساسي الحصول على معاش الأب، ويطلبون من المحامي إنهاء الإجراءات اللازمة لذلك”، ويضيف أن “قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، يمنح المعاش للبنت غير المتزوّجة أو المطلّقة أو الأرملة، لكن بمجرّد زواجها يسقط حقّها فيه. لذلك يُعدّ الطلاق الصوري والزواج العرفي تحايلاً صريحاً على القانون، قد يعرّض أصحابه للمساءلة واسترداد ما صُرف من مبالغ دون وجه حقّ”.

اتّهامات بالشراكة تلاحق المحامين 

وفي حالة أخرى، تزوّج محسن عبد السلام من جارته حسنيّة بعد وفاة زوجها، لكنّ قلقه الأكبر كان أن يؤدّي الزواج إلى حرمانها من معاش والدها المتوفّى. ورغم توثيقه الزواج أمام المحكمة، فقد نصحه أحد المحامين بأن القانون لم يعد يعترف إلا بعقود الزواج الموثّقة في مصلحة الأحوال المدنية، وأن المحاكم لم تعد تقبل دعاوى إثبات الزواج غير المسجّلة هناك. لذلك اكتفى محسن بالحصول على أوراق رسمية تُثبت شكل العلاقة، دون أن يُسجّل عقد الزواج في الأحوال المدنية، قائلاً لـ”درج ميديا”: “كل اللي همني يكون معايا ورق رسمي أقدر أتعامل بيه مع أي جهة، والمهم معاشها ما يتقطعش”. 

من جانبه يوضح الدكتور عادل عامر أستاذ القانون العامّ والاقتصاد الدولي ومدير مركز “المصريين للدراسات”، أن “قانون التأمينات والمعاشات رقم 184 لسنة 2019 حدّد شروط استحقاق المعاش بوضوح”، لائماً المحامين الذين كما وصفهم “يساهمون في التحايل عليه من خلال توثيق طلاق صوري أو زواج عرفي يعلمون أنه غير حقيقي، وهو ما يحوّلهم – من حماة للقانون – إلى طرف متواطئ في جريمة منظّمة” على حدّ قوله. 

 ويرى عامر أن “مواجهة هذه الظاهرة تتطلّب معالجة شاملة، تبدأ بتشديد الرقابة على إجراءات الطلاق والتوثيق، ومراجعة منظومة المعاشات لضمان عدالة توزيعها، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بخطورة التحايل القانوني باعتباره إضراراً بالصالح العامّ”، ويقول في تصريحات خاصّة لـ”درج ميديا”: “إذا كان الضغط الاقتصادي قد يدفع البعض إلى البحث عن حلول بديلة، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبرّراً لخرق القوانين أو الإضرار بحقوق المجتمع ككلّ”.

بحسب وليد العاصي المحامي المتخصّص في قضايا الأحوال الشخصية، يصل إلى مكتبه ما لا يقلّ عن عشر حالات سنوياً لطلب الطلاق الصوري من أجل الحصول على معاش الأب، لكنّه يعتقد أن الأعداد الفعلية على مستوى الجمهورية أكبر بكثير، ويشير إلى أن “الكثيرات ممن كان آباؤهن موظّفين حكوميين يحصلن على معاشاتهم سواء بطرق قانونية أو ملتوية”.

ويعتبر أن “هذه الممارسات ترتبط غالباً بالفئات الأشد فقراً، حيث يكون الزوج من العمالة غير المنتظمة ودخله ضعيفاً، فيلجأ الطرفان إلى الطلاق الصوري والزواج العرفي غير الموثّق. وفي هذه الحالة، تفقد المرأة جميع حقوقها القانونية من نفقة ومتعة وغيرها، وحتى إن وُلد طفل، فإن تسجيله رسمياً يظلّ مرهوناً بإثبات نسبه عبر العقد العرفي”.

ويرى العاصي أن الزواج العرفي في هذه الصورة ليس سوى “غش وتدليس للاستيلاء على المال العامّ”، ويطالب بـ”تشديد العقوبات إلى حدّ السجن عشر سنوات”، معتبراً أن “مجرّد استرداد قيمة المعاشات المصروفة بأثر رجعي غير كافٍ لردع هذه الظاهرة”.

فيما يعتبر الفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي، أن “الزواج العرفي نفسه لا يمكن منعه بالكامل”، مبرّراً بإنه إجراء قد تلجأ إليه بعض الأرامل أو النساء في ظروف اجتماعية خاصّة، مذكّراً بأن “الزواج العرفي كان هو السائد في مصر قبل تشريع المأذونية في عام 1929″، لكنّه يعود ويؤكّد أنه “لو كان من حقّ المرأة الحصول على معاش والدها بعد تغيّر ظروفها الاجتماعية إلى مطلّقة أو أرملة، لما اضطرّت إلى الزواج العرفي من الأساس، غير أن ذلك يشكّل عبئاً كبيراً على الدولة”، وفق ما أشار به أثناء حديثه مع “درج ميديا”.