لطالما شكلت الدعاية الانتخابية الأميركية مصدر إلهام للوسط السياسي الفرنسي. ولطالما سعى الساسة الفرنسيون إلى “محاكاة” النموذج الأميركي، بخاصة حين يتعلق الأمر بشخصيات شكلت علامة فارقة في مجال الدعاية الانتخابية: بصمة جون كينيدي حضرت في حملة فاليري جيسكار ديستان الرئاسية عام 1974، كذلك الحال مع إيمانويل ماكرون وحملته الرئاسية الأولى التي انطوت على نَفَس “أوبامي”.
في هذا السياق، لا يبدو مستغربا تأثير زهران ممداني في الحملات الانتخابية للمرشحين الفرنسيين. تشاء المصادفة أن تكون الانتخابات البلدية (التي ستُجرى يومي 15 و22 آذار/ مارس) أول استحقاق تشهده فرنسا بعد انتهاء الانتخابات المحلية الأميركية الأخيرة، ما يضاعف رمزية “الاقتباس الفرنسي” لا سيما عند الحديث عن السباق إلى منصب عمدة باريس. العاصمة الفرنسية كما نيويورك تتقاسمان ثقلاً سياسياً واقتصادياً يتجاوز الحدود الوطنية، ما يضاعف شرعية المقارنة بين الحملات الانتخابية في كلتَي المدينتين.
أكثر من “يستوحي” من حملة ممداني هو سارة كنافو التي ترأس لائحة حزب “الاستعادة”، حزب يصنَّف في أقصى اليمين المتطرف.
لا يحتاج القارئ إلى المقارنة والتدقيق في البرنامجين الانتخابيين لكنافو وممداني ليدرك أن اقتداء مرشحة يمينية متطرفة بحملة انتخابية حملت نفساً وروحاً يساريين ينحصر في الشكل لا في المضمون. الموقع الإلكتروني لحملتها يحمل اسم “سارة لباريس”، على غرار زهران لنيويورك، كذلك الحال بالنسبة الى عدد من العناصر البصرية: ألوان متقاربة وتصميمات تعتمد خطوطاً حركية لافتة.
كنافو صرحت أنهما ينتميان إلى الجيل ذاته، ما يبرر استعانتهما بالأدوات الدعائية ذاتها على رغم الهوة الأيديولوجية بينهما، في تأكيد أن ما أقدمت عليه كان أقرب إلى استعارة أدوات اتصال منه إلى تقاطع في الرؤى السياسية.
لكن، أكثر ما لفت انتباه الإعلام والشارع الفرنسي هو الإعلان الترويجي لحملتها، والذي بلغ حدّ النسخ واللصق (Copy Paste): إعلان صُوِّر داخل مترو الأنفاق الباريسي، لتظهر كنافو مستقلة عربة أقلتها إلى محطة “مبنى البلدية” (Hôtel de ville). لقطة نجدها في الإعلان الترويجي لممداني مع توقف عربة المترو عند محطة City Hall.
من خلال هذا الإعلان، تسعى كنافو إلى مد جسور التواصل مع الباريسيين، موحيةً أن نمط حياتها اليومي لا يختلف بشيء عنهم. لكن “السحر انقلب على الساحر” ليتحول هذا الإعلان الترويجي إلى مادة للتصويب عليها عقب استضافتها في برنامج حواري بتاريخ 8 شباط/ فبراير.
إقرأوا أيضاً:
الفقرة الأخيرة من البرنامج المذكور خُصصت لطرح الأسئلة التي تختبر إلمام السياسيين بتفاصيل الحياة اليومية لناخبيهم. سُئلت كنافو عن تكلفة الاشتراك في شبكة النقل العام في باريس وضواحيها، لترد: “52 يورو سنوياً”. مبلغ بعيد كل البعد عن التكلفة الفعلية، إذ يسدد المشتركون شهريا 90.80 يورو. بغض النظر عن تبرير كنافو غير المقنع، حملت إجابتها انفصالاً عن الواقع اليومي لامس حد “النفاق”: جهلها بتكلفة هذه الخدمة دل على عدم تنقلها في المواصلات العامة، ليضع الرأي العام الفرنسي إعلانها الترويجي في خانة “المشهد التمثيلي”.
خطيئة كنافو ليست في استعارتها أدوات دعائية من حملة ممداني، بل في عدم إدراكها أن الانخراط في الشأن العام لا يقتصر على اختيار تقنيات تواصل براقة، بل يمتد أيضاً الى علاقة الثقة التي يجب أن يلمسها الناخب. فعالية “الاستعارة من الآخر” مرهونة بالقدرة على تطويع الأدوات المستعارة مع السردية الشخصية. كما يقال بالعامية اللبنانية، بدت كنافو “حافظة مش فهمانة”.
تأثير ممداني تجلّى كذلك في حملة رشيدة داتي التي تقود لائحة حزب “الجمهوريون” اليمينية. أبرز ما رُصد هو المقطع المصور الذي ظهرت فيه تجمع القمامة من الشارع برفقة عمال النظافة، في إشارة إلى الأولوية التي تعطيها لملف النظافة العامة. الغاية من ظهور داتي بصورة غير مألوفة عن المعتاد هي إحداث صدمة تساهم في توظيف “اللقطة” لجذب الأنظار إلى حملتها الانتخابية، تماماً كما فعل ممداني حين أقدم على النزول في المياه الباردة، في دلالة على عزمه تجميد الإيجارات.
مقارنةً بسارة كنافو، يتضح التأثير المحدود لممداني على حملة رشيدة داتي. لكنّ نوعاً آخر من المقارنة بين ممداني وداتي يقودنا إلى نتيجة تستحق التأمل: داتي هي النموذج النقيض لعمدة نيويورك.
تنحدر رشيدة داتي بدورها من عائلة مهاجرة، عملت قاضية قبل دخول المعترك السياسي مع انتخاب نيكولا ساركوزي رئيساً للجمهورية، لتتولى وزارة العدل بين عامي 2007 و2009. ومذاك، أضحت من الشخصيات العامة الفرنسية ذات الحضور السياسي والإعلامي اللافت، ليبدأ صعودها سلم الحقل العام: نائبة في البرلمان الأوروبي، عمدة الدائرة الباريسية السابعة ووزيرة الثقافة الحالية.
طوال مسيرتها، تبنت داتي مساراً مغايراً عن ممداني: التماهي مع “الاستبلشمنت” عوضاً عن تحديه. لم تجد في أصولها المغربية وهويتها الدينية وخلفيتها الاجتماعية أي قيمة مضافة يمكن توظيفها في سياق بلورة هوية سياسية تميزها عن محيطها، فاختارت تقديم نفسها كسياسية فرنسية حصراً، في رسالة أن مسيرتها حصيلة جهود ذاتية لا نتاج بيئة ساهمت في تكوينها. لم تروّج مثلاً لكونها ابنة الجمهورية الفرنسية التي تساوي بين “أبنائها” على أساس المواطنة، جمهورية تستوعب كل فرد بهويته المركبة والمتعددة الأبعاد.
تشير داتي في إحدى مقابلاتها الإعلامية، إلى “الطبقية” في الحياة السياسية الفرنسية، ما لا يشرع أبواب هذا العالم لأمثالها، أي لمن أتى من خلفية اجتماعية وثقافية متواضعة. وعليه، اختارت إبقاء أفراد عائلتها بعيدين قدر الإمكان عن دائرتها الضيقة كي لا يتسببوا لها بأي إحراج سياسي أو أن يتحولوا إلى عائق في درب صعودها السياسي (من دون أن ينتقص ذلك من محبتها الصادقة لهم). أبرز ما يمكن ذكره في هذا الإطار، تعرض شقيقها للسجن والملاحقة على خلفية قضايا عنف وحيازة وترويج المخدرات، ناهيك بثقافة عائلتها المحافظة، ما قد يوفر لخصومها مادة للتصويب عليها من زاوية “انعدام اندماجها”.
تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن كثراً من الساسة الفرنسيين (ذكوراً وإناثاً) اختاروا التعتيم على حياتهم الخاصة، إدراكاً منهم حدة العمل السياسي الفرنسي الذي يبيح “الضرب من تحت الحزام”، منهجية تتقاطع في بعض جوانبها مع “خارطة طريق” داتي.
بطبيعة الحال، يمكن إحالة التفاوت بين نموذجَي داتي وممداني إلى جملة من العوامل، من بينها الخلفية الشخصية والعائلية لكل منهما والاختلاف بين البيئتين السياسيتين الفرنسية والأميركية، فضلًا عن اختلاف السياق الزمني، بأبعاده الثقافية والتكنولوجية والسياسية، بين مرحلة دخول داتي الحياة السياسية ومرحلة دخول ممداني إلى هذا المعترك.
خصوصية كلَي النموذجين لا تنفي أن مقارنة داتي بممداني، كسياسيين من أبناء المهاجرين، تنطوي في ما تنطوي عليه على شخصيتين ومقاربتين متباينتين: الأول يسعى إلى فرض إيقاعه الخاص، فيما اختارت الثانية التماشي مع القواعد والأعراف السياسية المرعية.












