مع بدء ورود الأخبار عن معركة “ردع العدوان” وسقوط المحافظات وتحريرها، ومع اقتراب المعركة من محافظة حمص، اتصل بي صديق وبدأ يصرخ بحماسة: “قريباً، سنأكل الشاورما في حمص”. أعادتني جملته هذه إلى سنوات بعيدة، إلى ما قبل عام 2005، حيث كان دخولنا نحن أبناء عكار إلى سوريا، لا يتطلب سوى عبور حائط على جسر فوق نهر الكبير في منطقة وادي خالد.
كان الحائط يتدلى منه جنزير حديدي؛ تمسكه بيديك وتضع قدماً على الأراضي السورية، ثم تدفع جسدك بالقدم الأخرى التي لا تزال في لبنان، لتجد نفسك داخل الأراضي السورية. هناك، تنتظرك الدراجات النارية أو وسائل نقل أخرى لتقلك إلى “كاراج حمص” أو الموقف، حيث تصطف المئات من الحافلات بانتظار الركاب لنقلهم إلى المدينة. لم تكن هناك إجراءات رسمية ولا أختام جوازات، وكان من النادر أن تصادف أحد عناصر حراسة الحدود أو الهجانة، الذين قد يسألونك عن وجهتك وسبب زيارتك، لتنتهي القصة ببضع قطع معدنية من فئة العشرين ليرة سورية، كما أذكر.
كانت حمص أقرب إلينا من طرابلس، وأكثر توفيراً مادياً. رحلة الوصول من قريتي إلى حمص لم تكن تتجاوز عشرة آلاف ليرة لبنانية، وكل شيء هناك كان أرخص نسبياً. أتذكر علامة تجارية عالمية للبناطيل التي حصلت شركة سورية على امتياز تصنيعها، وكان سعر البنطال أقل بمرتين مقارنة بلبنان. أتذكر جيداً محل الشاورما وصف الانتظار الطويل أمامه، حيث كانت رائحته تفوح في السوق كله. كنت أحب انتظار سندويشتي هناك، أراقب الناس وأتخيلهم شخصيات من مسلسلات سورية اعتدنا مشاهدتها.
بالنسبة لأهل عكار، كانت حمص سوقاً ومدرسة ومستشفى وطبيباً. كانوا يقولون إن “حمص حنونة”، تجد فيها كل شيء بأرخص الأسعار. قبل أن تتزوج الفتاة، كانت تذهب إلى حمص لتحضير “جهازها” من القطنيات والشراشف والمخدات وحتى الستائر. كنا نسخر من أن كل منزل في عكار يحتوي الشرشف المزخرف باللونين الأزرق أو الزهري نفسه ومصدره حمص. عيادات الأطباء هناك كانت تعجّ باللبنانيين، لأن “خدمتهم أفضل، وأسعارهم أرخص، ويعملون بضمير”.
أتذكر أبي ورفاقه في القرية يذهبون إلى حمص أو تلكلخ لحلاقة شعورهم، وشراء التبغ العربي أو اليانسون الممتاز للعرق. كنا نسخر منه: “لماذا تذهب إلى حمص وهناك حلاقون في القرية؟”، فيجيبنا بأن الحلاقة هناك مختلفة، خاصة عندما يعرفون أنك لبناني، فيبالغون في العناية بك، يكثرون من فرك شعرك، ويسخون عليك بالعطر والمرطب. كان أهل حمص معروفين بـ”الهضامة وخفة الدم”، وكان هذا معياراً للبنانيين في اختيار المحلات. كانت أحاديث العائدين من حمص تدور دائماً حول لطف التجار هناك وتغزلهم باللبنانيين.
ومن النادر أن يعود أحدهم من حمص من دون أن يحفظ نكتة مضحكة من هناك. للحلويات نصيبها أيضاً في ذاكرة أهل عكار عن حمص. خلال الأعياد والمناسبات، كانت حلويات “أبو اللبن” تزين الموائد، وكان من المعتاد أن يعود الزائر بأكياس من “القرمشليّة”، وهو خبز مقلي مغمس بالقطر، بلونين أبيض وآخر زهري فاقع. أما منطقة وادي النصارى، التي تضم العديد من القرى المسيحية والأديرة، فقد كانت وجهة أخرى محببة لأهل عكار. في عيد الصليب يوم 14 أيلول، كانت القوافل تنطلق منذ الصباح، وتمتد جموع الناس لمسافات طويلة، حيث تختلط الدبكة اللبنانية والسورية مع سهرات حتى الصباح.
إقرأوا أيضاً:
كان سكان الشمال عموماً وعكار خصوصاً، متأثرين بالثقافة السورية أكثر من تأثرهم بالثقافة اللبنانية، لغاية العام 1995 لم نكن نشاهد محطات تلفزة لبنانية، أول محطة كانت تلفزيون لبنان، قبل ذلك كان هناك التلفزيون السوري، وكنا نطلق عليه لقب “إذاعة غصباً عنك”، كان الأطفال اللبنانيون يشاهدون “كيف وليش”، ونحن كنا ننتظر الساعة الرابعة لمتابعة “إفتح يا سمسم” أو “غرندايزر”، هم تأثروا ب”LBC جونيور كلوب” ونحن كنا نتابع برنامج “أبناؤنا الطلبة”، هم يتابعون السياسة اللبنانية، ونحن نتابع “أبناؤنا في الجولان” أو “آفاق علمية”.
في الجغرافيا كنا ندرس عن لبنان ومحافظاته، ولكننا أيضاً كنا نعرف خارطة سوريا جيداً، في عام 1995 كانت المرة الأولى التي رأينا فيها الياس الهرواي (رئيس الجمهورية) على شاشة التلفاز، بينما صورة الأب القائد حافظ الأسد حفظناها، كان لديه طريقة مميزة في التصفيق، أيضاً حفظناها لأنها كانت تتكرر يومياً على الشاشات، وتظهر داخل دائرة محاطة بالورود وهو رافع يديه المتشابكتين محيياً العمال والطلبة. قبل أغاني وائل كفوري عن الجيش اللبناني، كنا ننتظر إعلان “بادر إلى الانتساب إلى الكلية الحربية”، وهو إعلان للجيش السوري مع موسيقى تشويقية وطائرات ودبابات وجنود يدخلون في إطارات محترقة.
عندما بدأت الثورة السورية في 2011 وامتدت إلى حمص، وإلى القرى المتاخمة للحدود مثل تلكلخ ومناطق أخرى، التي شهدت مجازر عنيفة، كانت تصلنا مقاطع فيديو يتصوير رديء، وكانت تنتشر أخبار عن فظاعة ما يحصل في أحياء حمص وريفها، عن مجازر ومعارك طاحنة كان في أغلب الأحيان يصل صداها إلى قرى عكار، خصوصاً في المرحلة التي استعاد فيها الجيش السوري المنطقة، لشهور كنا نسمع أصوات الرصاص والانفجارات، وكان أغلب اللاجئين السوريين إلى منطقتنا هم أبناء تلك القرى، كانوا ليلاً يقفون على التلال لرؤية “رصاص الخطاط” يخترق سماء سوريا.
قال لي مرة أحد الشبان الحمصيين الذي عمل في بناء منزلي، إن أولاده الأربعة لم يروا سوريا يوماً، ولدوا جميعاً هنا، قال لي إن لهجتهم مختلفة، فهم لا يتكلمون “حمصي” أو “سوري”، بل يتكلمون خليطاً من اللبناني والسوري، وإنه يوماً ما إذا قُدّر لهم العودة إلى سوريا سيسخر منهم الباقون بسبب لهجتهم، اتصلت به لحظة إعلان تحرير حمص، ليصرخ على الهاتف: “أنا قدام بيتي بالضيعة يا أستاذ، منّي مصدق، منّي مصدق”، ضحكت وقلت له: “رجاع علّم ولادك يحكوا سوري”.
خلال ال 20 سنة الماضية تباعد لبنان عن سوريا، وأصبحت ” قطعة النهر” إلى حمص مستحيلة، تحتاج إلى إجراءات واتصالات مع “ناس واصلين” في الداخل السوري، حُرم آلاف اللبنانيين من دخول سوريا، من زيارة حمص، أما اليوم، وبرغم أني بعيد آلاف الأميال عن قريتي، أشعر أنني قريب من حمص، فعلاً “قطعة نهر”، منذ أسبوع تسخر مني زوجتي وتسألني: “لي هل أنت واثق أنك تريد العودة إلى لبنان؟ أم أنك تريد العودة إلى سوريا؟”.
اليوم، وبعد مرور 20 عاماً وفي لحظة إعلان تحرير حمص، شعرت وكأنني عبرت النهر من جديد، وبالطبع… سنأكل الشاورما.
إقرأوا أيضاً:














