قبل أن يتمكّن جنوبيون كثر من التأكد من إمكان العودة الآمنة إلى قراهم، كانت صور علي ومجتبى خامنئي وجدت مكانها على اللوحات الممتدة في محاذاة طريق مطار بيروت، مرفقة بعبارة: “شكراً إيران الوفية”.
لا تكمن المفارقة في أن تظهر صور قادة إيرانيين في الضاحية الجنوبية، فهذا مشهد مألوف منذ سنوات. الجديد هو توقيت عودتها إلى الطريق نفسه الذي أعلنت الحكومة، في نيسان/ أبريل 2025، أنها أزالت عنه الصور والأعلام والشعارات الحزبية، ليصبح مدخل العاصمة مساحة تعبّر عن الدولة لا عن نفوذ الأحزاب.
بعد أكثر من عام، وبعد حرب إسرائيلية طاحنة عادت اللافتات. ولذلك لا يتعلق السؤال بجمال الطريق أو قبحه، ولا بالصورة التي سيأخذها السائح عن لبنان فقط. السؤال الحقيقي هو: هل كان قرار إزالة الصور بداية استعادة الدولة المساحة العامة، أم مجرد هدنة بصرية انتهت بعد الحرب التي أعادت رسم ميزان القوى؟
شكر إيران على ماذا؟
ظهرت اللافتات بعد تهدئة ارتبطت بتفاهم أميركي – إيراني أوسع، شمل وقف القتال على الجبهة اللبنانية، فيما كانت الدولة اللبنانية تخوض مساراً تفاوضياً منفصلاً مع إسرائيل في واشنطن.
في هذا السياق، لا تبدو عبارة “شكراً إيران” مجرد تحية سياسية. إنها تقدم رواية كاملة، إيران هي التي قاتلت، وهي التي فاوضت، وهي التي أوقفت الحرب، ولبنان أحد ميادينها.
هذه هي الدلالة الأهم في الصور. فالرسالة لا تقول فقط إن لإيران حلفاء في لبنان، بل إن القرار اللبناني نفسه يمكن أن ينتقل إلى طاولة تفاوض خارجية، ثم يعود على شكل تهدئة ولافتة شكر.
في المقابل، لا يزال الجنوبيون ينتظرون إجابات عن الانسحاب الإسرائيلي، وأمن القرى، وإعادة الإعمار والتعويضات. لقد دمّرت إسرائيل منازلهم وبلداتهم خلال حرب بدأت بقرار من حزب الله ربط فيه الجبهة اللبنانية بالمواجهة الإيرانية. لكن الصورة المرفوعة على مدخل العاصمة لا تسأل عن كلفة هذا القرار، بل تعلن انتصاره.
الطريق ليس مجرد طريق
لطريق المطار دلالة تتجاوز موقعه الجغرافي. إنه البوابة الأساسية التي تربط لبنان بالعالم، والطريق الذي يصل بيروت بالضاحية والجنوب. ولهذا شكّل مراراً مساحة لإظهار القوة السياسية والأمنية.
في أيار/ مايو 2008، أقفل حزب الله وحلفاؤه الطرق المؤدية إلى المطار، خلال المواجهة مع حكومة فؤاد السنيورة بشأن شبكة اتصالات الحزب وأمن المطار. لم يكن إقفال الطريق تفصيلاً في تلك الأحداث، بل كان إعلاناً عن القدرة على عزل العاصمة وقطع منفذ البلاد الجوي.
وفي شباط/ فبراير 2025، عاد الطريق نفسه إلى الواجهة عندما قطعه مناصرون لحزب الله احتجاجاً على منع طائرة إيرانية من الهبوط في بيروت. تدخل الجيش يومها، وتحولت المنطقة مجدداً إلى مساحة مواجهة حول سؤال بسيط في ظاهره: من يقرر ما يدخل إلى المطار، ومن يملك حق الاعتراض على قرارات الدولة؟
بهذا المعنى، لا تمثل اللافتات الحالية حادثاً منفصلاً. إنها جزء من تاريخ طويل استُخدم فيه طريق المطار لإظهار أن للدولة سلطة رسمية على المكان، لكن ثمة قوة أخرى تملك قدرة متكررة على تعطيل هذه السلطة أو إعادة تعريفها.
جغرافيا تحمل أسماء المحور
لا يقتصر الحضور الإيراني على الصور. ففي عام 2020، أطلقت بلدية الغبيري اسم قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني على شارع كان يُعرف باسم “الفانتزي وورلد”، بين طريقَي المطار القديم والجديد.
ويجاور هذا الشارع الطريق الذي حمل طويلاً اسم حافظ الأسد، قبل أن يقرر مجلس الوزراء في آب/ أغسطس 2025 تغيير اسمه إلى “جادة زياد الرحباني”.
هكذا تحولت المنطقة المحيطة ببوابة بيروت الجوية إلى خريطة مصغرة للصراع على ذاكرة لبنان وهويته: رئيس سوري حكم لبنان أمنياً، وقائد عسكري إيراني أدار نفوذ طهران الإقليمي، وفنان لبناني أرادت الدولة الجديدة تكريمه، إلى جانب صور متعاقبة لقادة حزب الله وإيران.
إقرأوا أيضاً:
حتى اسم المطار نفسه يحمل طبقة أخرى من هذا التاريخ. فهو يحمل اسم رفيق الحريري، الذي اغتيل عام 2005 في عملية أدانت المحكمة الخاصة بلبنان ثلاثة أعضاء في حزب الله بالمشاركة فيها، من دون أن تثبت مسؤولية قيادة الحزب.
المكان، إذاً، ليس محايداً. إنه مساحة تتراكم فوقها أسماء القوى التي تنازعت القرار اللبناني، أكثر مما تتجسد فيها سلطة دولة مستقرة.
ليست حرب صور
قد يبدو المشهد مواجهة بين صور خامنئي وصور الرئيس جوزاف عون، أو بين شعارَي “شكراً إيران و”عهد جديد للبنان”. لكن اختزال المسألة بحرب ملصقات يساوي بين الدولة وبين حزب يستخدم المجال العام لإعلان ولائه السياسي الخارجي.
الاختبار ليس أي صورة ستبقى على اللوحات، بل هل تطبق الدولة قاعدة واحدة على الجميع؟ من استأجر هذه اللوحات؟ هل حصلت الجهة المعلنة على التراخيص المطلوبة؟ هل تقع اللوحات على أملاك عامة أم خاصة؟ وهل ستطبق وزارة الداخلية والبلديات القرار الذي طبقته في نيسان/ أبريل 2025؟
من دون إجابات، تتحول إزالة الصور السابقة إلى حملة تجميل مؤقتة، لا إلى استعادة فعلية للحيز العام.
كما أن الحديث عن استعادة الدولة لا يصبح مقنعاً إذا اقتصر على اللوحات. فسلطة الدولة تبدأ من المطار والمعابر والأمن والقرار العسكري، وتمر بالتفاوض والحرب والسلم، وتصل إلى البلدية التي تقرر اسم الشارع والجهة التي تحدد ما يرفع فوقه.
ما بعد الحرب: السلاح أم الإعمار؟
لا يمكن تفسير استمرار نفوذ حزب الله باختزال الشيعة اللبنانيين في كتلة واحدة أو في ولاء مذهبي ثابت. فقد بنى الحزب خلال عقود شبكة من المؤسسات والخدمات والتمثيل والحماية الاجتماعية، وربط جزءاً واسعاً من بيئته بإيران سياسياً ومالياً وعقائدياً. كما غذّت الاعتداءات الإسرائيلية والشعور المزمن بانكشاف الجنوب حاجة حقيقية إلى الحماية، استثمرها الحزب لتثبيت شرعية سلاحه.
لكن الحرب الأخيرة وضعت هذه العلاقة أمام اختبار مختلف. قرى مدمرة، عائلات نازحة، اقتصاد منهك، ودولة عاجزة عن تمويل إعمار واسع، في مقابل حزب يصر على الاحتفاظ بسلاحه وربط مصيره بمفاوضات إيران.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا يرفع شيعة صور خامنئي؟ بل: كيف حافظ حزب الله على قدرته على تقديم إيران بوصفها الضامن، حتى بعدما أصبحت قراراتها جزءاً من الكلفة التي دفعها اللبنانيون، وخصوصاً سكان الجنوب؟
والسؤال الأكثر إلحاحاً داخل البيئة المؤيدة للحزب ليس بين الوفاء والخيانة، بل بين مشروعين واضحين: الاستمرار في وظيفة عسكرية إقليمية تعيد إنتاج الحرب، أو إعطاء الأولوية لعودة الناس وإعمار القرى واستعادة الدولة.
عادت صور إيران سريعاً إلى طريق المطار. أما عودة الجنوبيين إلى بيوتهم، واستعادة لبنان لقراره، فتبدوان أكثر تعقيداً.
إقرأوا أيضاً:












