عامٌ مرّ على مجزرة السويداء. لم نحسب هذا العام بالأيام، بل باسترجاع الوجوه، وتفكيك القسوة والعنف.
مرور عام، يتجاوز كونه مناسبة لنردد أن الوقت يداوي، هو لحظة للاعتراف بأننا لم نتجاوز شيئاً. ما زلنا عالقين في تلك اللحظة، نحاول للمرة الألف أن نصدق أن ما حدث قد حدث فعلاً.
كل رجل، وامرأة، وطفل في السويداء ما زالوا على الأرجح عالقين في ثانية محدّدة، حتى أولئك الذين كانوا خارج المقتلة بأجسادهم، مثلنا. أنا ما زلتُ عالقة عند لحظة اضطراري لإعلام والدتي بمقتل أخيها (خالي)، وأمي ما زالت متسمّرة في ذلك الصباح الباكر حين تلقت النبأ، وابن أخي ما زال محاصراً بصوت إطلاق الرصاص والهجوم.
بدأت الأحداث بمناوشات بين بدو ودروز في السويداء، قبل أن تتحول سريعاً إلى هجوم واسع شاركت فيه قوات محسوبة على السلطة الجديدة ومقاتلون من عشائر، وانتهى بمجازر ونزوح وتهجير واسع.
ولو كانت للصدمة طبقات، لكانت أولها وقوع المجزرة، وثانيها جمع الجثث، وثالثها انتظار مجزرة أخرى. أما الطبقة الأعمق فهي استحالة تصديق أن ذلك كله حدث في السويداء، أن يتحول رفاق درب وسوريون إلى “أعداء”، كانت لحظة قصمت ظهر الثقة.
التخطي لا يتعلق بعدد الضحايا، ولا بعنف القاتل، بل بمن يكون هذا القاتل. وهنا يكمن المقتل الحقيقي: ربما لو أن نظام الأسد ارتكب تلك المجزرة لكان ممكناً تخطّيها نفسياً، فالعدو الواضح يمنحك رفاهية الفهم والتصديق. ليس لأن جريمة النظام السابق ستكون أقل إيلاماً، لكن العدو الواضح لا يهدم تصوّرك للعالم، وحين يأتي القتل ممن كنت تظنه شريكاً في المصير، فإنك لا تخسر أحبّتك فقط، بل أيضاً قدرتك على فهم البشر.
أن تكون عالقاً، يعني ألا تصدق أن سوريين ذاقوا ويلات الأسد، وعرفوا الألم عن قرب، اختاروا أن يعيدوا إنتاجه. اختاروا، بكامل وعيهم، القتل، وقرروا أن جماعة أخرى لا تستحق الحياة.
منذ عام، واجهنا تطرفاً يرتدي لباساً عسكرياً، ومهما حاولنا الالتفاف على هذه الحقيقة، نفشل. ليُرمى في وجوهنا سؤال المجزرة: “إيش يعني سوري؟”، السؤال الذي طرحه عنصر تابع للسلطة الجديدة على منير الرجمة، قبل أن يقتله بعدما أجاب بأنه درزيّ. لم يكن يكفي أن يقول: “سوري يا أخي”.
وفي استذكار المشهد، تدرك أن هذا السؤال لا يبغي إجابة، إذ إنه نفي بحدّ ذاته، رفض لسوريا الإنسان، أن تكون سورياً لا يعني شيئاً في النهاية.
إقرأوا أيضاً:
انتهت المجزرة كحدث، لكنها استمرت بطرق أخرى، استمرت في الخوف الدائم عند مداخل السويداء ومخارجها، وفي حرمان آلاف الطلاب والطالبات من امتحاناتهم، وفي حصار مدينة وأهلها، وفي خرق السلطة الهدنة وقصف المدينة. استمرت في عجز أكثر من مئة ألف شخص عن العودة إلى منازلهم، والأهم أنها استمرت في تكذيب سوريين المجزرة.
قبل شهر، اجتمعتُ مع سوريين وسوريات من خلفيات مختلفة. رأيتُ دهشتهم وعدم تقبّلهم المقتلة، ولا أعلم حقيقة بماذا شعرتُ وقتها، هل كان شعوراً بالأمان المتأخر؟ أم بالمرارة؟ لكن شيئاً من الراحة تسلل إلى قلبي، كنت بحاجة إلى سوري من طائفة أخرى يقول: لم يستحق سكان السويداء أن يحصل لهم هذا، هذا التضامن الصريح هو “الضماد” الوحيد الممكن لجرح الهوية.
المجزرة المستمرة، ولكي تنتهي، تحتاج أولاً إلى الاعتراف بالحقيقة ثم الاعتراف بألمنا. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، أفهم أن حاجة الضحية إلى أن يرى الآخر ألمه هي من أكثر الحاجات الإنسانية إلحاحاً. وهذا لم يتحقق في السويداء، كما لم يتحقق مع كثيرين من الضحايا السوريين، فيما لا تزال العدالة الانتقالية تراوح مكانها.
في هذه الذكرى، يصادف أنني أقرأ كتاب الروائي السوري، ابن مدينة السويداء، ممدوح عزام، «من الشمال إلى الجنوب»، الذي يحكي قصة حرق مكتبته في السويداء، راوياً سيرة المكان والأشخاص والأحلام، ومتخيلاً قصة موته لو أنه كان في منزله يوم الهجوم، لكن لحسن الحظ كان هو وزوجته خارج البلاد.
الحظ وحده أنقذ ممدوح من عيش تجربة مريرة. وعلى المقلب الآخر، وطوال عام، كنت أتذكر شيئاً واحداً: حين أُعلن عن دخول الجيش إلى السويداء، أخبرت العائلة والأصدقاء والأقارب بألا يخافوا، ونصحتهم بأن يبقوا في منازلهم عندما يفتش منازلهم، وأكدت لهم أن الأمن العام لن يصيبهم بأذى. أندم الآن بشدة على تلك النصيحة، ولحسن حظهم أن المجرمين لم يصلوا إلى القرية.
وأتساءل: أي ثقة عمياء كنت أمتلكها في سوريين يشبهوننا حين طمأنت عائلتي إلى أن يبقوا في المنزل؟ كيف خُيّل إليّ يوماً أنني أستطيع تسليم عائلتي إلى ضمائرهم؟
هكذا إذن، وبأقسى الطرق، تعلمت الدرس الأول: لا تعطِ نصائح في وقت المجزرة، واترك الناس يتصرفون وفق غريزتهم. كما أدركت حقيقة ساخرة: لو قُدّر لي أن أكون في قلب تلك المجزرة، لكنت أول ضحية، لا برصاص المتطرفين فحسب، بل لشدة سذاجتي وإيماني القديم بإنسانية من اجتاحوا مدينتنا، إذ اعتقدت أن هناك شيئاً في التجربة السورية، يتعلق بالألم الذي عانيناه، يجعل وقوع المجزرة مستحيلاً.
ما حدث لم يتركني غاضبة وحسب، بل جعلني أعيد النظر في افتراضاتي الأساسية عن الإنسان، والثقة، وما الذي يمنع البشر من قتل بعضهم بعضاً. والأهم أنه جعلني أدرك أن المعاناة لا تجعل الناس، بالضرورة، أفضل أو أكثر حذراً من تكرار ما عانوه مع جماعات أخرى. ببساطة، المعاناة لا تمنح الضحية أي حصانة إنسانية.
بعد عام، أدرك أن صراخنا، أنا وبعض من رفضوا المقتلة، كان أشبه بصراخ بلا صوت وسط التحالفات الدولية، والتطرف، وسلطة الدين. تبدو الإنسانية اليوم هشة وضعيفة، وربما لم تظهر لنا بهذا القدر من الضعف من قبل. وربما يكون الاعتراف بذلك، على الأقل، بداية لأن نفكر بطريقة مختلفة، وأن نبدأ من مكان جديد، من المكان الذي فشلنا فيه في المرة الأولى.
إقرأوا أيضاً:











