عبر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ولاية رئاسية ثانية بعد فوزه في الانتخابات التي جرت يوم السبت في السابع من أيلول/سبتمبر الجاري، بنسبة فاقت التسعين في المئة، في خطوة يُرجّح أنها أعلنت رسمياً نهاية الحراك الشعبي بكل أحلامه وتطلعاته إلى الديمقراطية والتعددية والحريات.
على رغم هذا “الفوز الكبير”، إلا أن تبون خسر رهان الشرعية الشعبية التي كان يتطلع إليها بعدما حصل على أصوات أكثر من خمسة ملايين جزائري، من أصل أكثر من 24 مليون مسجل على اللوائح الانتخابية، في علامة على فشل التحشيد الإعلامي على مدار عدة أشهر.
حصل المرشح عن حركة “مجتمع السلم” حساني شريف على 178797 صوتاً بنسبة 3.17 في المئة، وحاز المرشح عن حزب “الأفافاس” يوسف أوشيش على 122146 صوتاً بنسبة 2.16 في المئة، في انتخابات هي الثانية التي تشهدها الجزائر بعد الحراك الشعبي الذي عاشت على وقعه عام 2019، والذي أدى إلى تنحي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بعد 20 عاماً من الحكم.
وخلال الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية، اكتفت السلطة بتقديم عدد الأصوات والنسب التي حصل عليها كل مرشح، من دون أن تكشف نسبة المشاركة الشعبية، مما أثار جدلاً كبيراً، لا سيما لدى المرشحين الثلاثة بمن فيهم تبون، الذين شككوا في مصداقية البيانات المعلنة من السلطة المشرفة على العملية الانتخابية.
لم يحصل المرشحون الثلاثة إلا على ما يقارب خمسة ملايين وستمئة ألف صوت، من مجموع أكثر من 24 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية، أي ما يعادل 25 في المئة باحتساب ما يسمى بالتصويت الأبيض (الأوراق البيضاء والملغاة) في حين أعلنت سلطة الانتخابات مساء السبت السابع من أيلول/ سبتمبر أن نسبة المشاركة قد بلغت 48 في المئة.
انتخابات لم تجذب إلا القليل
تنافس في هذه الانتخابات أقل عدد من المرشحين منذ أول انتخابات رئاسية تعددية في الجزائر سنة 1995، حيث شارك فقط مرشحان يمثلان حزبين سياسيين، هما عبد العالي حساني شريف عن حركة “مجتمع السلم” ذات التوجه الإسلامي المحافظ، ويوسف أوشيش عن جبهة “القوى الاشتراكية”.
في حين ترشح الرئيس المنتهية ولايته عبد المجيد تبون (79 سنة) بصفته مستقلاً، وإن كان الواقع يقول إن كل الرؤساء الجزائريين السابقين منذ سنة 1995 ترشحوا كمستقلين، ولكنهم كانوا يحظون بدعم الجهات الفاعلة في الدولة، ولا سيما الجيش، وهو ما ينطبق تماماً على تبون.
وتجدر الإشارة إلى أن نسبة المشاركة قد تراجعت مقارنة بانتخابات 2019، التي شارك فيها تسعة ملايين ناخباً وتم انتقاد هذا الرقم بشدة حينها، وهو ما يعني أن عمليات الحشد والتعبئة التي قام بها المرشحون؛ بخاصة تبون، قد فشلت في جذب الجزائريين وتشجيعهم على المشاركة في اختيار ممثل المؤسسة الرسمية الأولى في البلاد.
ما سبق يعني أيضاً أن رهان تبون على نسبة مشاركة واسعة تعزز شرعيته وشرعية مؤسسة الرئاسة شعبياً لم ينجح، ليفوز بالرئاسة بنسبة تبدو كبيرة ولكن بشرعية مثيرة للجدل في ظل حالة العزوف الكبير عن التصويت، التي يفسرها مجمل المتابعين للشأن الجزائري بفشل تبون في تحقيق الأهداف التي أعلن عنها خلال سنوات حكمه الخمسة، وإجهاض أحلام الحراك الشعبي وتطلعاته، وإعادة المشهد السياسي إلى وضعه الأول قبل اندلاع الحراك الشعبي سنة 2019.
إحباط شعبي
الباحث في علم الاجتماع السياسي نوري إدريس قال لـ”درج” تعليقاً على نتائج الانتخابات الرئاسية: “إن العزوف عن التصويت كان مرتقباً حتى قبل موعد الانتخابات، وهناك عدة عوامل أدت إلى هذه النتائج المخيبة، أبرزها الظروف الاجتماعية وغلاء الأسعار والمصاعب الاقتصادية التي يواجهها الجزائريون، والتي أدت إلى عدم ثقتهم بكل المرشحين، فضلاً عن عدم اقتناع الناخبين بالمسارات المنتهجة منذ عام 2019، خصوصاَ على الصعيد السياسي، وعودة ممارسات ووجوه محسوبة على نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الواجهة”.
وأضاف: “أما بالنسبة لتبون تحديداً، فإن النتائج تؤكد عدم اقتناع الجزائريين وخاصة الشباب بالخيارات التي انتهجها في ولايته الرئاسية الأولى، كما أن هذا يؤكد أن مستوى الإحباط ما زال قائماً لدى غالبية الجزائريين بعد فشل الحراك الشعبي الذي أنهته السلطة في فترة حكم تبون من دون أن تتبنى مطالبه وتطلعاته، التي هي في الحقيقة انتظارات عموم الشباب الجزائري، كذلك لا يمكن أن نغفل عن إغلاق منابر وفضاءات النقاش السياسي التي عمقت الفجوة الكبيرة أصلاً بين المواطنين والسياسة بخاصة لدى الشباب، وعدم وعي الأحزاب السياسية بخطورة ذلك، ورفضها القيام بمراجعات برغم إدراكها عدم ثقة عموم الجزائريين بالطبقة السياسية برمتها”.
تبون رئيس بلا إنجازات
أنهى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ولايته الرئاسية الأولى التي بدأت في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2019، وترشح لولاية رئاسية جديدة تحت مبرر “استكمال البرنامج التنموي” على الرغم من أن سنوات حكمه الماضية لم تحمل في طياتها أية إنجازات تُذكر على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، باستثناء إعادة التوافق مع المؤسسة العسكرية لإنهاء الحراك والتضييق على الحريات.
في 2019 وتحت ضغط مسيرات الحراك الشعبي في البلاد، دفع الرجل القوي رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجنرال أحمد قايد صالح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الاستقالة (علما أن بوتفليقة قد عين قايد صالح سنة 2004 على رأس المؤسسة العسكرية) ودعم ترشح عبد المجيد تبون للرئاسة على حساب مرشح مدير المخابرات العسكرية حينها.
بعد أسبوعين من تولي تبون للرئاسة توفي الجنرال القوي أحمد قايد صالح، وحينها رجح الكثيرون أن تنفض المؤسسة العسكرية من حول تبون الذي لم يكن هناك إجماع عسكري حوله لخلافة بوتفليقة، لأنه لم يكن من داخل المؤسسة العسكرية، لكن هذا لم يحدث في ظل التقاء أهداف الرئيس مع أهداف المؤسسة العسكرية حول مسألة إنهاء مسيرات الحراك الشعبي وإجبار الجزائريين على العودة إلى بيوتهم مهما كانت الوسيلة، وملاحقة القيادات التي تحرك المظاهرات والتضييق على هذه الأنشطة.
أدى الاتفاق حول هذا الهدف إلى التوافق بين تبون والمؤسسة العسكرية التي حركت آلة الدعاية الخاصة بها بقوة للترويج لـ”إنجازات الرئيس تبون”، لا سيما في “مجلة الجيش”، إنجازات كانت تصب في مجملها في إنهاء حلم الجزائريين بنظام ديمقراطي ومساحة واسعة للتعبير بحرية، وهذا ما تؤكده مجريات الأحداث على الأرض.
خلال السنوات الخمسة الأولى لحكم تبون، تم حل الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان التي تأسست سنة 1989، ومنظمة “راج” واحتجاز ومقاضاة أعضائها، وحل حزب “العمال الاشتراكي” وحزب “الحركة الديمقراطية الاجتماعية” مع سجن منسقها الوطني، وغيرها من الجمعيات والأحزاب الأخرى.
تم أيضاً إقرار عدد من القوانين الفضفاضة التي اعتمدت للتضييق على النشطاء السياسيين والحقوقيين، بخاصة نشطاء الحراك الشعبي والصحافيين، لا سيما بعد اعتماد التعديل الدستوري في 30 كانون الأول/ديسمبر 2020 الذي أعلن أن الجيش هو الضامن “للمصالح الحيوية والإستراتيجية للبلاد” في الفقرة الرابعة من المادة 30، فضلاً عن عدد من القوانين الأخرى التي تسمح بالتضييق على الحقوق والحريات الدستورية، بتعلة الحفاظ على النظام العام والأمن والثوابت الوطنية على غرار الفقرة الثانية من المادة 34، هذا إلى جانب المرسوم رقم 21-08 المؤرخ 8 حزيران/ يونيو 2021، الذي توسع بموجبه توصيف جريمة الإرهاب، لتشمل أي عمل يهدف إلى “الوصول إلى السلطة أو (…) تغيير نظام الحكم بوسائل غير دستورية” (قانون العقوبات، المادة 87 مكرر 14) وغيرها من القوانين.
وأدى هذا الوضع إلى إطلاق حملة اعتقال واسعة ضد ناشطي الحراك، أدت إلى سجن ما لا يقل عن 266 ناشطاً ومحتجاً بسبب مشاركتهم في المظاهرات، أو انتقدوا السلطات، أو دانوا فساد الدولة، أو عبّروا عن تضامنهم مع المعتقلين سنة 2022، حسب منظمة العفو الدولية، كما سُجن عدد من الصحافيين وأُغلقت مؤسسات إعلامية على غرار “راديو أم” الذي يتبنى خطاً تحريرياً ناقداً للسلطة، وعدة مكاتب لوسائل إعلام دولية.
ارتفاع معدلات التضخم
ولم يتوقف فشل تبون عند حدود دفن أحلام الشباب الجزائريين في دولة مدنية ديمقراطية تُكفل فيها حرية التعبير، بل إن فترة حكمه الأولى التي انطلقت سنة 2019 كانت نتائجها وخيمة حتى على المستوى الاقتصادي، ولم يفِ بأي من وعوده بتحقيق معدلات نمو هامة وإجراء إصلاحات اقتصادية جديدة. إذ شهدت الجزائر التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز كمصدرين رئيسيين للإيرادات، ارتفاعاً لافتاً في تكاليف المعيشة وبلغت معدلات التضخم أعلى مستوياتها منذ عقود، حسب البنك الدولي.
إذ قفزت معدلات التضخم من 2 في المئة سنة 2019 أي منذ تولي تبون الحكم إلى 9.3 في المئة في عام 2023، وهو أعلى مستوى تبلغه البلاد منذ أكثر من عقدين، ثم تراجع خلال الربع الأول من 2024 إلى 5 في المئة.
ويتوقع صندوق النقد الدولي تراجع نمو الناتج الإجمالي الحقيقي للجزائر خلال الأعوام القليلة المقبلة إلى 3.8 في المئة في 2024 و3.1 في المئة في 2025 و2.5 في المئة في 2026. في المقابل تتوقع “فيتش سوليوشنز” تباطؤ النمو الاقتصادي في الجزائر إلى 1.3 في المئة في عام 2024، وهو أقل من هدف النمو الحكومي البالغ 4.2 في المئة ومتوسط النمو خلال السنوات الخمسة التي سبقت جائحة “كورونا” البالغ 2.1 في المئة.
ومن الصفعات الاقتصادية التي منيت بها الجزائر مع تبون هو الفشل في دخول منظمة “بريكس” التي راهن عليها كثيراً من أجل تحقيق قفزة كبيرة لاقتصاد البلاد، وكانت مشاهد طوابير المواطنات والمواطنين لتخزين المواد الغذائية الأساسية بسبب فقدانها من الأسواق بسبب الارتفاع الكبير في أسعارها، مشاهد لم يعتد عليها الجزائريون.
“مستقل” تحت جناح العسكر
لا يجد تبون حرجاً من القول إنه قد ترشح لمواصلة برنامجه الذي بدأه ولم تكفه السنوات الخمسة السابقة لتنفيذه، برغم أن الحقيقة غير ذلك، فترشح تبون وفوزه يأتي في ظل سياق عام دأبت عليه الجزائر ولا يبدو أنه سيتغير حتى على المدى الطويل، فمنذ عقود كان منصب رئاسة الجمهورية حكراً على المؤسسة العسكرية التي تتولى اختياره وتصديره للرأي العام الجزائري بعد أن يحظى المرشح بمباركة كبار قادة الجيش وإجماعهم.
ويبدو أن تبون؛ وإن لم يكن عسكرياً، استطاع أن ينال رضى المؤسسة العسكرية وإجماعها، بعد أن نجح في تمرير برامج وأفكار تنسجم كلياً مع رؤى هذه المؤسسة، مستفيداً من سنوات تقلده عدة حقائب وزارية في حقبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ولعل هذا العامل تحديداً يجعل أمل العودة إلى أفكار الحراك الشعبي وتطلعاته وبلورتها مع تبون بعيدة المنال إن لم تكن مستحيلة.
إقرأوا أيضاً:











