ما ظهر أخيراً في عدد من المناطق السورية، من ضرب وسحل ودعوات إلى ملاحقة من يسمون بـ”الشبيحة” أو “المخبرين” أو الإعلاميين والناشطين المؤيدين للنظام السابق، تجاوز الغضب أو الحالة الفردية بدون شك. خلال أيام قليلة بدأت الظاهرة تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً، مع صدور بيانات أهلية محلية تدعو جنوداً سابقين وذويهم إلى مغادرة بعض المناطق، سواء كانوا ممن شاركوا مع القوات المسلحة التابعة لنظام الأسد، أو من المخبرين، أو ممن كانوا من المؤيدين النشطين له.
من تشملهم الحملات يتم التعرّف والتحريض عليهم عبر الشبكات المحلية من جهة، وبعض ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، أي هي حملة استهداف واتهام شعبي من خارج أي مسار قضائي.
لا يمكن قراءة ذلك خارج السياق السوري العام، العنف ينتشر في الشارع، فتصير الأجساد محشّدة ومهتاجة الى تنفيذ فعل عدائي بحق شخص “متهم”، أو يتم الاتفاق على اتهامه فيُدان سريعاً وميدانياً ويعنَّف. حشد يلتف حوله، هواتف تصور، صفحات تنشر وتبارك وتدعو إلى الاستمرار، المشهد كله يتحول إلى محاكم ميدانية ومادة للتعليق والتحريض والتبرير والنزاع، ولا يبقى العنف في مكان وقوعه. تنقله الصورة إلى فضاء أوسع، حيث يصير مشهداً قابلاً للتكرار والتقليد، واحتفالاً صغيراً يتعلم من نفسه.
الحديث عن عدالة وقضاء وحق المتهم بالبراءة حتى تصدر إدانة قضائية، يبدو ترفاً في مشهد عام محتقن ومعبأ.
الانتقام أمام الكاميرا
بدأت الحوادث الأخيرة في شمال غربي سوريا بعد تداول دعوات وتحذيرات ضد أشخاص متهمين بالانتماء إلى النظام السابق أو تأييده. تبعتها اعتداءات فردية وتظاهرات غير مرخصة تطالب بطرد من يصفونهم بـ”الشبيحة” أو رجالات النظام السابق من مناطق الشمال.
في كفرعويد، هاجمت مجموعات من الأهالي منازل أشخاص يُتهم أصحابها بالارتباط بالنظام السابق. وفي كفرتخاريم، قُتل مواطن متهم بـ”التشبيح” بعد تعرضه للضرب عقب اعتقاله. خلال أيام قليلة، انتقلت الدعوات من منشورات وتحذيرات محلية إلى بيانات أهلية، ثم إلى اعتداءات على منازل، ثم إلى قتل شخص متّهم بالتشبيح في كفرتخاريم.
هناك طبقات تصاعدية نحو الفعل العلني للانتقام الذي يتكرر وصولاً الى يوم البارحة في حلب، تسمية، إشهار صورة، تحذير، تجمهر، دعوات، طرد، سحل، ضرب، ثم موت أو عقاب بالضرب من دون علاج. وبعد هذه الوقائع، خرجت دعوات مشابهة بدأت تتعمم في مدن سورية عدة، داعية إلى ملاحقة وطرد جنود سابقين وذويهم، أو كل من يُتهم بأنه كان جزءاً من القوات المسلحة التابعة لنظام الأسد.
الخطر أن فئة لا يمكن تحديدها بدقة (أولياء دم، ضحايا، متحمسون…الخ) انتقلت من المطالبة بالحق أو تحقيق العدالة وأحياناً المزاح حول “الانزلاق بقشرة موز”، دليل على الاغتيال، إلى منح نفسها حق التحكيم الإشهاري المسرحي والحكم السريع في الشارع، ما يحول جزءاً كبيراً من المجتمع إلى عينة رمزية، مسرحية، تمثيلية.
المشكلة أوسع من فرد يضرب، أو صفحة تحرض وتنشر أسماء. نحن أمام دائرة تتعلم من نفسها، وتراكم عنفها، وتمنح الفوضى شكلاً اجتماعياً قابلاً للانتشار.
مرئية العنف المرعبة
هذه المشاهد هي الجانب المرئي من نظام طويل من العنف والقهر امتد داخل حياة السوريين لسنوات. لا يأتي هذا العنف معزولاً عن تاريخ الخوف والإذلال والحواجز والوشاية والاعتقال في سنوات حكم البعث وآل الأسد، لكنه يكشف في الوقت نفسه تطوّر هذا العنف، وتحوله إلى أدوات لا تكفي لفهم العدالة ولا لتأسيسها. وستبوء بالفشل كل خطابات العدالة الانتقالية إذا بقيت حديث ياقات بيضاء ومجالس حوارية.
ما ظهر في الأيام الأخيرة يكشف بنية أعمق في التعامل مع الحدث السوري، بين من يرى في العنف انتقاماً ضرورياً من ماض دموي، ومن يخاف أن يتحول الانتقام إلى قاعدة جديدة للحكم على الناس خارج القانون. غير أن هذا الخوف يبدو مثالياً في بلد شهد حرباً أهلية طويلة واستبداداً عنيفاً.
إذاً، صعدت في سوريا موجة عنف شعبي، لا نعرف خيوطها كلها، لكنها تبدو خليطاً من غضب شعبي ساخط، وتحريض عشوائي، ومبادرات فردية، وتعليقات إعلاميين وناشطين، واندفاع فتيان إلى ممارسة العقاب.
لهذه السياسة جانب رمزي ولغوي كثيف، يظهر في كلمات تتكرر داخل الحملة والدعوة إليها وتبرير مقتوليها، مثل “شبيحة”، “مخبرين”، “فلول”، “أيتام الأسد”، “الموز”، “اعطوه حبة تحت اللسان”، “جلطة قلبية”، “قلبه ما تحمّل”، “لبس المخطط”، و”عقبال الباقي”. هذه الكلمات تخفف وقع العنف، وتحوّله إلى قاموس للعقاب والشماتة، وترافقها دعوات إلى نشر الأسماء والعناوين. وهذا ما بتنا نعتاده في سوريا، أن يصير العنف سياسة، وأن يصبح العقاب والوصم سياسة عامة خاضعة لتسلية سادية.
سياسيّة الاتهام
هناك مخيلة بدأت تتسع بين كثير من الناس، مخيلة تجعل الشخص الواحد حاملاً صورة كاملة عن الماضي، وتخلق كلمات مترادفة للتعبير والتدمير معاً. لا تظهر هذه المشاهد من فراغ، بل تبرز من داخل ذاكرة مثقلة بالخوف والقتل والخذلان. ماذا نستطيع أن نقول لعائدين من النزوح، أو أهالي المفقودين أو المقتولين، لا يوجد أي مؤسسة معنوية أو مادية تضع آلامهم وحاجاتهم ضمن ثقافة أو سياسة الفعل، ما يجعل الفراغ نحو العدالة كبيراً.
إقرأوا أيضاً:
تبدو المشكلة في غياب المعايير، وفي ذاكرة مثقوبة بالعنف. من يحدد أن هذا الشخص شبيح؟ من يملك حق الاتهام؟ من يميز بين القاتل والمخبر والتابع والخائف والمجبر والراغب والذائب في السلطة؟
ومن أعطى “الناس” هذا الحق؟ لا يأتي هذا الحق من فراغ. يأتي من عجز الدولة في إنتاج طريق واضح للعدالة، ومن مشاركة اجتماعية واسعة في ملء هذا الفراغ بالعقاب. حين تبدو الدولة كأنها سامحت الكبار أو تركتهم خارج الحساب، بداية عبر “التسويات الماليّة” لكبار المتهمين، ومن اعتقل، لا يحاسب كجزء من منظومة، بل كفرد في ترسيخ للادعاء الشخصي، كما كشفت المحاكمات التي تبث رسمياً، وأيضاً وحين تبقى قوانين بشار الأسد الطبقية العمرانية وأدواته في ريف دمشق، كالاستمرار في تطبيق المرسوم 66 الذي أصدره بشار الأسد، ومراسيم الاستملاك التي أصدرها حافظ الأسد قبله، مراسيم تعمل فوق حياة الناس وبيوتهم، يتولد شعور قاس بأن العدالة لا تطاول إلا الضعفاء الذي يملكون الآن قوة لتحقيق عدالة متخيلة.
الدولة سامحت الكبار، أو عجزت عن الاقتراب منهم، ثم تركت للناس أن تكمل مهمة العقاب على البقية. الحشد العقابي ليس خارج الدولة تماماً، إنه فشلها، في الأعلى، ودفع الناس الى الانتقام في الأسفل.
عدالة الحشد الذي “تركته” الدولة!
مرّت في البلاد مجزرتان كبيرتان بعد سقوط النظام الأسدي، مجزرة الساحل في آذار/ مارس 2025، ومجزرة السويداء في تموز/ يوليو 2025، وجزء واسع من تبريرهما تم باسم الدفاع، دفاع يتجاوز المناطق والسكن والناس، ويدخل في معنى طائفي واضح. داخل هذا كله، ظلت العدالة متأخرة ومتجددة كجرح مفتوح وغائر ولا يُمكن فهمه أو ضبطه. هناك عناصر أمنية ومسلحة تُقدَّم في الوصف الرائج بوصفها محررة للبلاد، وجزءاً من الخلاص من بيت الأسد.
لكنها في الوقت نفسه أخضعت معنى العدالة في البلاد لقوة السلاح، لا لقيمة الدولة المدنية.
هناك ظن أن العدالة انفعال صادق، أو طريقة مباشرة لمعالجة الضرر. الغضب يكشف وجود جرح كبير، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني حكماً عادلاً ولا بلداً يمكن العيش فيه. وحين لا تمنع الدولة ذلك، وحين يجعل المجتمع التحشيدي الإعلامي هذا العنف عدلاً، يصبح العقاب قائماً على فرد واحد يتم البحث عنه بدون كلل، حيث تتزايد الفئات المُستهدفة، عجوز، مخبر، متهم عسكري، أو أمني مؤيد، زوجة مؤيد. الشخص المضروب يظهر كرمز مكثف لكل الشر السابق.
يصعب فهم حجم افتقاد السوريين لغة راسخة في تلقي الخطاب الإعلامي والتحشيدي. فجزء من الإعلام والصفحات العامة لا يكتفي بنقل الخبر أو التعليق عليه، بل يدخل في صناعة مناخ العنف.
ما يحدث ليس عملاً سياسياً منظماً بالمعنى التقليدي، ولا مجرد انفلات فردي. إنه عنف شبكي تواصلي تحشيدي، يتكون من دعوات عشوائية، واتهامات متناثرة، وبحث دائم عن الظنون والشكوك، قبل أن يتحول بسرعة إلى عقاب في الشارع، ضرب، إذلال، وسحل. في هذا الشكل من العنف لا نعرف دائماً من بدأ الموجة، ولا من يقودها، ولا أين تنتهي مسؤوليتها.
ليست هذه عدالة انتقالية. إنها أقرب إلى عدالة لا يمكن المأسسة عليها، تنشأ في فراغ الدولة، وتحول الغضب المفهوم من جرائم النظام إلى قابلية جديدة لإنتاج ضحايا آخرين وبشكل لا متناه. والخطر الأعمق أنها تفتح إمكاناً دائماً للانزلاق نحو حرب أهلية يومية.
تبدأ أوهام الأهالي حين يظنون أن مجالس الصلح المحليّة، والبيانات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، تستطيع أن تحل مكان الدولة، أو أن قضية محقة تجعلنا مكررين للفعل نفسه، وأن طرد سكان من بيوتهم جماعياً هو تطهير لمنطقة وتحقيق لعدل البيان، في هذه الحالة، ليس ورقة بريئة أو منتجة. إنه لحظة انكشاف لوعي فقد الوسائط كلها، القانون، الدليل، المحكمة، السياسة، والمسافة بين الألم والحكم. حين يجتمع أهل حي ليقرروا أن سكاناً علويين، أو عائلات بعينها، يجب أن يغادروا لأنهم متهمون بالقتل أو المشاركة أو الصمت، هل سيعود أي حق بشكل جدي للناس؟
في هذا الوهم، لا يرى الناس الفرد ككائن مركب، بل كامتداد لجماعة، والجماعة والنظام كجسد يجب إذلاله في أي شخص قريب. هكذا يصير الاعتراف المطلوب اعترافاً مشوهاً. من كان مقهوراً يريد أن يرى السيد السابق في موقع العبد، خائفاً، محاصراً، مطروداً، عاجزاً عن الكلام، يتغير موقع السيد والعبد، لكن البنية نفسها تبقى قائمة: طرف يريد أن يفرض إنسانيته عبر سلب إنسانية طرف آخر.
أخطر ما في هذه الأوهام أنها تمنح الناس شعوراً زائفاً بالسيادة والحرية والحق. يظن أبناء الأحياء أنهم دولة صغيرة، وأن بإمكانهم أن يقرروا من يبقى ومن يخرج، من يبرأ ومن يُحاسب، لكن هذه السيادة الصغيرة لا تبني دولة، بل تكسر كل إمكانية للدولة. العدالة في سوريا اليوم مشهد إذلال، المجتمع متروك ليعيش حروباً يومية منخفضة الصوت، حرب تبدأ باسم الضحايا المحقين ثم تنتهي بإنتاج ضحايا جدد والعدالة لن تظهر أبداً.












