في سياق تبرير العلاقة التي جمعت نعوم تشومسكي بجيفري إبستين لسنوات، وفي إحدى رسائله كتب المفكّر والأكاديمي تشومسكي رسالة، أوضح فيها أن العلاقة كانت في جوهرها فكّرية ونقاشية، وأن إبستين مثّل بالنسبة إليه “وسيط علاقات” يفتح قنوات اتّصال مع شخصيّات نافذة في عالم السياسة والاقتصاد.
ولتوضيح ما اعتبره قيمة عملية لهذا الدور، قدّم مثالاً واحداً لبيان كيف كان يملك وصولاً سريعاً إلى شخصيّات مؤثّرة في الشرق الأوسط، إذ قال: “ذات مرّة، خلال نقاش حول اتّفاقيات أوسلو، اتّصل إبستين فوراً بدبلوماسي نرويجي كان مشرفاً على تلك الاتّفاقيات، ما أتاح نقاشاً مباشراً”.
وبعيداً عما تنطوي عليه هذه العلاقة من سؤال أخلاقي لتشومسكي، فإن الواقعة تطرح إشكالية أوسع: إذا كان أكاديمياً ومفكّراً بحجم تشومسكي قد استفاد من علاقته بإبستين للنفاذ إلى دوائر مؤثّرة، والتواصل مباشرة مع عرّابي الأحداث الكبرى، وصُنّاع القرارات والسياسات التي يكتب عنها ويحلّلها وينظّر لها، فكيف بصانعي الأحداث أنفسهم؟ وهنا تحديداً نتحدّث عن المنطقة العربية التي كان لها قسم وازن في وثائق إبستين، والتي كشفت عن شبكة علاقات ونفوذ عالمية لها امتداداتها العربية.
إبستين والكعبة… والإمارات
في واحدة من ضمن آلاف الصور التي كشفتها وثائق إبستين، يظهر الملياردير واقفاً أمام قطعة قماش ممدّدة على الأرض، تبيّن أنها من كسوة للكعبة، وضمن الوثائق نفسها تؤكّد لنا رسائل أخرى ،أنها شُحنت إليه في 2017 بواسطة سيّدة الأعمال السعودية عزيزة الأحمدي.
في الصورة نفسها وإلى جانب إبستين يظهر سلطان بن سليم، المدير التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية المملوكة للحكومة الإماراتية، أحد أكثر رجالها نفوذاً، الصورة في دلالاتها ليست استثناء، وإنما هي جزء من علاقة أوسع نسجها إبستين مع القادة ورجال المال والسياسة.
بعيداً عن منطق الفضائح الشخصية، يمكن أن تقدّم لنا وثائق إبستين فرصة لفهم كيف تفكّر وتتصرّف النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة والمسيطرة على عالمنا، ولا سيّما في منطقتنا العربية، من هنا فالسؤال الأوّل الذي يطرح نفسه: كيف استطاع مدير شركة إدارة أموال أن يلعب هذا الدور السياسي؟ وكيف امتدّ نفوذه إلى كلّ هذه الدول والملفّات التي لا تبدو متقاطعة؟
بداية كان إبستين وفق المعلن، يمتلك شركة خاصّة يقدّم من خلالها خدمات مرتبطة بإدارة الثروات والتخطيط الضريبي للأثرياء، وهو دور عادي ويوجد مئات، أو آلاف الشركات في نيويورك عاصمة المال، تقدّمه، لكنّ ما ميّز الرجل هنا، هو توفيره بيئة من السرّية الشديدة، مع قدرة على حلّ مشكلات حسّاسة، وفتح أبواب بين أصحاب المال والنفوذ، ما مكّنه من بناء شبكة علاقات واسعة.
يبدو أن هذا الدور كان ينسجم مع ميل شريحة من النخب العربية، من رجال أعمال ومسؤولين حكوميين راكموا ثروات ضخمة داخل بلدانهم، ثم سعوا إلى نقلها وتوظيفها خارجها، وهو ما ولّد رغبة في البحث عن فرص وشركاء ووسطاء “يعرفون الطريق” إلى العواصم الغربية بعيداً عن الأضواء.
وذلك فضلاً عن العائلات المالكة في دول الخليج، التي تمتلك صناديق ثروة سيادية واستثمارات حكومية ضخمة، وهي بالطبع لا تُدار بمؤسّسية وشفافية، ولا تخضع لرقابة أو محاسبة حقيقية؛ إذ تترأّسها وتديرها العائلات الملكية والرجال المقرّبون منها، وليس بالضرورة أن يكون لكلّ الصفقات والاستثمارات منطق أو دوافع اقتصادية واستثمارية خالصة، فقد تكون لها أبعاد أخرى.
وحين نتحدّث عن ثروات حكومية تُقدر بتريليونات الدولارات، تصبح الحاجة إلى شركاء دوليين، وإلى قنوات اتّصال بأصحاب القرار، جزءاً من “إدارة الثروة” نفسها، لذلك نجد في بعض المراسلات دوراً خاصّاً يقوم به إبستين ضمن هذه العمليّة، ومن جانبها، تلجأ شخصيّات عربية نافذة إليه، عندما تواجه مشكلات، أو إجراءات تتطلّب من يملك القدرة على التدخّل، أو من لديه وصول إلى دوائر صناعة القرار داخل الولايات المتّحدة وخارجها.
نحن لا نتحدّث عن تورّط أو فضيحة شخصية، بقدر ما نتحدّث عن شبكة مصالح معظمها حكومية، ما يفتح أسئلة في الشقّ العربي على الأقلّ، تتعلّق بمسألة توزيع الثروات والديمقراطية والمحاسبة.
المال والترفيه والسياسة في سلّة واحدة
استطاع إبستين أن يضع المال والسياسة والأعمال، وأحياناً كثيرة الترفيه والجنس في غرفة واحدة، وهذا النوع من “التجميع” قد يكتسب قيمة أكبر، في ملفّات الشرق الأوسط والمنطقة العربية المتشابكة اقتصادياً وسياسياً.
وحتى بعد إدانته الأولى في عام 2008، تُظهر الوثائق أن علاقاته لم تنقطع مع المسؤولين ورجال المال والأكاديميين. ففي مناسبات عدّة ضمّت لقاءاته مجموعات مختلفة، معظمها من رجال الأعمال، وهو كان يدعو مسؤولين عرباً بارزين للمشاركة في لقاءات خاصّة.
بعد خروجه من الإقامة الإجبارية بأشهر،وبحسب مراسلة مؤرّخة في 2010، يَرِد ذكر ترتيب عشاء ضمّ أحمد أبو الغيط الأمين العامّ لجامعة الدول العربية، وسعد الحريري رئيس وزراء لبنان السابق، ومحمّد صباح السالم الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية الكويت في ذلك الوقت، وحمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، إضافة إلى خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية البحرين، والطيّب الفاسي الفهري وزير خارجية المغرب.
الأرجح أن ذلك العشاء لم يتمّ، وبالتالي لا معلومات واضحة عن كيفية إعداد الدعوة، وما حقيقة علاقته بكلّ تلك الشخصيّات.
يرد اسم الإماراتي سلطان بن سليم في 5174 وثيقة، كأحد أكثر الأشخاص حضوراً في الوثائق، معظمها مراسلات متبادلة، تكشف عن صداقة حميمية بين الرجلين، وعلى سجيّتهما يتبادلان النكات الجنسية والدينية، ويتحدّثان عن تفاصيل حياتيهما الشخصية كأيّ صديقين عاديين.
لكن ما يجعل هذه المراسلات غير عادية، أنها تتّسع وتتفرّع: وثائق يطلب فيها بن سليم من إبستين خدمات تتعلّق بمساعدته على تفادي تبعات قضايا احتيال في كينيا، ورسائل أخرى يطلب فيها العون في مواجهة سيّدة تلاحقه وتهدّده بكشف مشاركته في قضيّة احتيال، وتلمّح إلى أن السلطات الأميركية تعلم أنه ساعدها في جرائم مرتبطة بتزوير أو تلاعب في التأشيرات.
ورسائل يُعرب فيها بن سليم لصديقه عن خيبة أمله فيه، بعد أن أرسل له إبستين فتاة أوكرانية وأخرى مولدوفية، قائلاً إنهما ليسا كما في الصور، وإن المولدوفية قصيرة ونحيفة، ثم رسالة أخرى كتبها بن سليم إلى إبستين متحدّثاً عن طالبة أجنبية في إحدى جامعات دبي: “لقد خُطبت، لكنّها عادت إليّ الآن. إنها أفضل علاقة جنسية مارستها في حياتي، جسدها مذهل”.
كما راسل بن سليم إبستين من اليابان مُرفقاً ما يبدو أنه قائمة خدمات من وكالة مرافقة، تضمّنت تدليكاً حميمياً يتضمّن لمسات جنسية، وكتب بن سليم: “أنا في طوكيو، لقد جرّبتُ الآن التدليك الكامل”، وردّ إبستين على صديقه: “رائع”.
وبجانب امبراطورية فندقية تمتدّ من لندن إلى دبي، يتولّى بن سليم إدارة مجموعة دبي العالمية، التي لها أنشطة في عشرات الدول حول العالم في قطاع النقل البحري، وتسيطر على عدد من أهمّ الموانئ في المنطقة، وقد سبق للإمارات أن استغلت إدارتها وتشغيلها للموانئ في زيادة نفوذها، وتقديم دعم عسكري للميليشيات الانفصالية التي تديرها، أبرزها “قوّات الدعم السريع” التي تقاتل الجيش السوداني، و”قوّات المجلس الانتقالي” بقيادة عيدروس الزبيدي في اليمن. وفقاً لتقرير لمنصّة “متصدقش”.
ثم تأتي مراسلات أخرى يسأل فيها بن سليم عن تفاصيل مراقبة امرأة ما وتتبّعها، قبل أن يطلب في حزيران/ يونيو 2015، مساعدة إبستين في إيجاد أفضل مؤسّسة صحّية لعلاج ابنته في إسرائيل، وهو الطلب الذي عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك على تلبيته بالاتّفاق مع إبستين، وفق ما تُظهر المراسلات.
إبستين وبن سليم: “أعجبني فيديو التعذيب”
بين كلّ هذه الوثائق تبرز رسالة شديدة الدلالة من إبستين إلى بن سليم مؤرّخة في أبريل/ نيسان 2009، وكان إبستين حينها يقضي عقوبته في سجن فلوريدا، وقد تزامن توقيت تلك الرسالة مع نشر تقرير ABC News، عن شريط تعذيب مُسرّب يظهر فيه الشيخ عيسى بن زايد آل نهيان شقيق حاكم الإمارات، وهو يعذّب رجل أعمال أفغانياً؛ إذ أرسل إبستين رسالة تتضمّن رابط الفيديو مع سؤال وجهه إلى بن سليم: أين أنت؟ هل أنت بخير؟ لقد أعجبني فيديو التعذيب.
حينها كان صدر الحكم علي إبستين بالسجن 18 شهراً، بعد أن أقرّ بالذنب في تهمتين تتعلّقان بطلب الدعارة، وبتوفير قاصر واستدراجها لممارسة الدعارة، وقضى جزءاً من المدّة ضمن برنامج سجن مع “إفراج للعمل” نهاراً، ثم أُفرج عنه في تمّوز/ يوليو 2009، ليستكمل بقيّة العقوبة تحت إقامة جبرية لمدّة عام، انتهت في آب/ أغسطس 2010.
إقرأوا أيضاً:
ومع ذلك، ففي الفترة نفسها، تظهر بين بن سليم وإبستين ترتيبات ذات طابع سياسي، فنجد رسالة في آب/ أغسطس 2009، أثناء خضوع إبستين للإقامة الجبرية، مرسلة من بن سليم إلى إبستين، يُطلعه فيها على تفاصيل جولة خارجية يقوم بها وزير الخارجية عبد الله بن زايد، ويُبلغه أن الوزير يواجه صعوبة في ترتيب لقاء مع رئيس فنزويلا هوغو تشافيز، ويطلب منه تنسيق مقابلة معه، ثم لاحقاً نجد بن سليم يرتّب لعبد الله بن زايد لقاءً مع إبستين.
ثم تتطوّر علاقة إبستين بالعائلة الحاكمة في الإمارات لتصل إلى محمّد بن زايد، الذي كان ولي عهد أبوظبي آنذاك، وأصبح في عام 2022 حاكماً للإمارة ورئيساً لدولة الإمارات، وقد أظهرت رسالة بعثها أندرو مونتباتن- ويندسور الممثّل الخاصّ للتجارة والاستثمار للمملكة المتّحدة إلى إبستين، خلال زيارة رسمية إلى دولة الإمارات بصحبة الملكة الراحلة إليزابيث في عام 2010، وفي إشارة إلى الشيخ عبد الله بن زايد، حيث قال له: “إن الوزير منبهر بك”، وإنه “يريد تقديمك إلى الشيخ محمّد”، أي محمّد بن زايد، ليردّ عليه إبستين قائلاً: “إسأل عبد الله متى يمكن أن نذهب جميعاً في عطلة؟ ولا يوجد ما يشير إلى أن مثل هذه العطلة قد تمّت، أو أين يمكن أن تكون قد جرت، رغم أن رسالة بريد إلكتروني بتاريخ 3 كانون الأوّل/ ديسمبر 2010، أظهرت أن مساعد إبستين كان يسعى لترتيب مكالمة هاتفية ثلاثية بين الرجال الثلاثة.
وقد كشفت الرسائل أن بن سليم كان يراسل إبستين باستمرار بشأن زيارة جزيرته الخاصّة في الكاريبي، بل وقدّم له بعض المساعدة عندما كان إبستين يفكّر في إنشاء منتجع خاصّ، وفقاً لوكالة “بلومبرغ”.
إبستين يعرض خدماته على بن سلمان لإدارة رؤية 2030
أثناء اعتقال إبستين ومداهمته في عام 2019، عثرت السلطات على صورة معروضة في مكان بارز في قصره في مانهاتن، تجمعه بوليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان.
يظهر في الصورة الأمير السعودي وهو يضع ذراعه على كتف إبستين، وكلاهما يضحك في أجواء ودّية، وعلى مدار سنوات، ستشتهر هذه الصورة وتُستخدم بكثافة باعتبارها دلالة على نفوذ إبستين واتّساع شبكة علاقاته.
كما كشفت التحقيقات أيضاً، أن إبستين كان يحمل جواز سفر نمساوياً منتهي الصلاحية يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، يحمل صورته لكن باسم مزيّف، وقد أُدرج فيه أن محلّ إقامته في المملكة العربية السعودية، وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز”.
ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار ٦ سنوات، ظلّت تفاصيل العلاقة بين إبستين المدان بجرائم جنسية ووليّ العهد السعودي الذي يحكم أكبر اقتصاد في المنطقة، غير واضحة، لكنّ وثائق ورسائل بريد إلكتروني بدأ نشرها تباعاً منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، منحتنا لمحة عن طبيعة هذه العلاقة.
تكشف الوثائق أنه في كانون الأوّل/ ديسمبر 2016، سافر ابستين بمفرده على متن طائرته الخاصّة إلى السعودية، وعاد من الزيارة بهدية فاخرة، وصفها لاحقاً بأنها “خيمة مفروشة بالسجاد”، ويُعتقد أن هذه الهدية جاءت من وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان، وأن الصورة الشهيرة التُقطت في المناسبة نفسها، ولا يزال غير معروف ما الذي كان يفعله إبستين ليستحقّ هذه الهدية.
وتكشف المراسلات التي سبقت الزيارة، أن إبستين تواصل مع سيّدة أعمال سعودية تُدعى عزيزة الأحمدي، سبق أن أرسلت له ثلاث قطع من كسوة الكعبة، وتُظهر الرسائل المتبادلة بينهما وجود علاقة وثيقة، يُرجّح أنها كانت قناة تواصل غير مباشرة مع وليّ العهد، في تلك الرسالة، طلب إبستين ترتيب لقاء مع وليّ العهد، حتى وإن كان عبر تطبيق سكايب، وكتب هذا النصّ: “اقتراحي هو أن أصبح المستشار المالي للأمير أو للمملكة العربية السعودية، أيّاً كان الكيان الذي يناسبكم. سأرحّب بفرصة أن أكون المساهم الأكبر في الهيكلة المالية لرؤية 2030. يسعدني تمثيل مصالح المملكة، وأعرف كيف ستحاول وول ستريت اللعب، ويسعدني ويشرّفني أن أعمل كحارس مالي له”.
ويمضي إبستين في عرضه، طالباً منحه سيطرة كاملة على الخطّة الاقتصادية للمملكة، بما يشمل مراجعة الوزراء والمستشارين، ويقول: “الرؤية بحاجة إلى مهندس مالي، وإلا فبدل قصر جميل ستبدو كقرية بدوية”، كما عرض العمل دون أجر في السنة الأولى.
ولم يكتفِ إبستين بذلك، بل طلب الاطّلاع على بيانات صندوق الاستثمارات العامّة السعودي، الذي يدير أصولاً حكومية تتجاوز نصف تريليون دولار، قائلاً: “سأحتاج إلى الاطّلاع على الهيكل التنظيمي للصندوق… وملخّص مفصّل للعمليّات المالية… البنك المركزي، الخزانة الملكية؟”، ولا نعرف بعد ذلك كيف جرى التعامل مع عرض إبستين الجريء.
وفي أعقاب حملة الاعتقالات والاحتجازات التي نفّذها ولي العهد السعودي في عام 2017، ضدّ عدد من رجال الأعمال وأفراد من العائلة الحاكمة لإجبارهم على التخلّي عن أجزاء من ثرواتهم، راسل الصحافي توماس لاندون جونيور من “نيويورك تايمز” إبستين متسائلاً: “هل نجا أصدقاؤك السعوديون من حملة التطهير؟”، فأجاب إبستين: “جميعهم. بفضل الله”.
لكن إبستين نفسه لم ينجُ، فبحسب مراسلات أخرى، كان يخطّط لزيارة جديدة إلى السعودية في صيف العام 2019، إلا أن الرحلة لم تكتمل بسبب سجنه على خلفية تهم جنائية تتعلّق بالاعتداء الجنسي والاتّجار بالبشر، قبل أن يُعثر عليه ميتاً داخل زنزانته، ولا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كان أنتحر أم تمّت تصفيته.
متابع دقيق للربيع العربي… يستغلّ ورطة الحرس القديم للوساطة والابتزاز
علاقة إبستين بالمنطقة ممتدّة منذ زمن، ففي الوثائق التي نُشرت نجد مراسلات بريد إلكتروني تعود إلى العام 2010، بين إبستين ورجل أعمال، تظهر اهتماماً بشراء بنوك في مصر وسوريا ولبنان، كما تضمّنت الرسائل إشارة إلى دعوة لحضور عشاء في واشنطن، خاصّ بالمصارف اللبنانية بتاريخ 9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2010، وورد سؤال من إبستين عن أحد الحضور وطلبه الحصول على رقم هاتفه، وكان لافتاً قول مرسل الإيميل عبارة تتعلّق بلبنان خلال النقاش عن فتح مصارف في المنطقة، مفادها: “الجنس في لبنان أفضل من سوريا”.
ومع اندلاع الثورات العربية في عام 2011، أظهرت الرسائل اهتماماً خاصّاً من إبستين، يتّضح من خلال مجموعة ضخمة من الرسائل، التي تضمّنت نقاشات تفصيلية مع أصدقائه حول أحداث بعينها وتطوّرات محدّدة، كان يتبادلان خلالها النكات أحياناً، ويستفيد من شبكة علاقاته الواسعة لتلقّي إفادات وأخبار ومعلومات بعضها غير منشور، عن مجريات الأحداث في العالم العربي.
وتأتي في مقدّمة هذه المراسلات، تلك التي جمعته بتيرجي رود لارسن، الدبلوماسي النرويجي الذي أشار إليه نعوم تشومسكي في مطلع المقال وأحد المقرّبين من إبستين، ويضمّ ملفّ إبستين نحو 3,108 وثائق أو رسائل متبادلة مع لارسن، ومن خلال قراءة عدد كبير منها وتحليله، تتشكّل لنا صورة أوضح عن علاقة إبستين بالمنطقة العربية.
ويبدو من هذه المراسلات أن لارسن الذي شغل مناصب رفيعة في الأمم المتّحدة كمبعوث خاصّ للشرق الأوسط، وكان خلال فترة المراسلات رئيساً لمعهد السلام الدولي التابع للأمم المتّحدة ، وكان يؤدّي دوراً يتجاوز العلاقة التقليدية بين دبلوماسي ورجل أعمال، إذ يظهر في الرسائل كما لو أنه يعمل لصالح إبستين، حيث يزوّده بانتظام بروابط وتقارير من صحف محلّية في المنطقة، ويُطلعه على أحدث الأخبار والمعلومات حول الأوضاع السياسية والأمنية.
وكانت صحيفة Dagens Næringsliv النرويجية، قد نشرت تحقيقاً استقصائياً استند إلى وثائق كشفت أن لارسن حصل على قرض من إبستين بقيمة 130 ألف دولار، من دون أن تتّضح ملابساته بدقّة، ولم يثبت سداده لاحقاً، وبدا الأمر، وفق التحقيق، أقرب إلى منحة شخصية.
ثم تكشف المراسلات عن دور آخر بدأ يلعبه لارسن، فبعد سقوط نظام حسني مبارك في مصر عقب “ثورة 25 يناير” في 2011، وبدء محاكمة العائلة التي حكمت البلاد قرابة ثلاثين عاماً، تظهر في وثائق إبستين طلبات موجّهة من جمال مبارك نجل الرئيس الأسبق، وزوجته خديجة إلى لارسن، يستنجدان فيها به للتدخّل ومحاولة إنقاذ مبارك ونجله من مصير السجن، والدبلوماسي النرويجي يحوّل هذه الرسائل مباشرة إلى إبستين.
كشفت الرسائل عن محاولة عائلة مبارك، التي يبدو أنها كانت على صلة وثيقة بلارسن، إلى حشد تدخّل دولي لإنقاذها من السجن، ومن تهم كانت عقوبتها قد تصل إلى الإعدام، على خلفية قتل متظاهرين.
ولا يتّضح على وجه الدقّة، الدور الذي أدّاه لارسن في مسار محاكمة عائلة مبارك، غير أن هذه المراسلات تندرج ضمن سياق أوسع من التقارب والعلاقة الوثيقة التي جمعت الرجلين، وقد بلغت هذه العلاقة حدّاً لافتاً؛ إذ أدرج إبستين، قبل وفاته، أبناء لارسن ضمن وصيته كمستفيدين بمبلغ إجمالي قدره 10 ملايين دولار (خمسة ملايين دولار لكلّ طفل)، بحسب ما أوردته صحيفة Dagens Næringsliv.
وفي ليبيا في عام 2011، بينما كانت الحرب مشتعلة بين قوّات معمّر القذافي ومعارضيه، وكان حلف شمال الأطلسي يشنّ غارات جوّية مكثّفة، مع سقوط آلاف القتلى ودمار واسع في المدن الرئيسية، تُظهر المراسلات أن إبستين كان يسعى إلى استغلال هذه الفوضى.
فوفق رسائل مؤرّخة في نيسان/ أبريل 2011، وسط الحرب، كان إبستين وأحد المقرّبين منه، يخطّط لرحلة جوّية سرّية إلى ليبيا، ولا تتضمّن وثائق وزارة العدل الأميركية تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه الرحلة أو أهدافها.
ثم تكشف مراسلات أخرى بعدها بشهرين في تمّوز/ يوليو 2011، أن إبستين ناقش خطّة مع شريكه غريغ براون، للعمل مع أشخاص مرتبطين سابقاً بجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) وجهاز الموساد الإسرائيلي.
ووفق الرسائل، جرى بحث استخدام أساليب قسرية، من بينها الابتزاز، للضغط على مسؤولين ليبيين من أجل الوصول إلى الأصول المالية الليبية المقدّرة بنحو 80 مليار دولار من الأموال الليبية المجمّدة دولياً، بما في ذلك نحو 32.4 مليار دولار في الولايات المتّحدة.
ورغم خطورة ما كُشف عنه، فلا نزال بعيدين عن الإحاطة الكاملة بالصورة في ظلّ وجود نحو 3.5 ملايين وثيقة، كما أن ما نُشر حتى الآن لا يمثّل سوى جزء من مراسلات إبستين، ويرجّح أن الوثائق المنشورة خضعت لعمليّة اختيار وانتقاء، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيُفرج لاحقاً، عن مواد إضافية قد تكشف تفاصيل أعمق حول أدواره وشبكة علاقاته، بما فيها العربية.
تم نشر هذا المقال ضمن تعاون مع “الأكاديمية البديلة للصحافة العربية”
إقرأوا أيضاً:












