ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عرفت الجنوب من أهله

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أنا ابنة جنوب سوريا عرفت جنوب لبنان من أهله، ولهذا عرفت أن جهة الجنوب تؤلم لكن لا يمكن التنازل عن حبّك لها، وبين جنوبين قد تختلف تفاصيل كثيرة لكن يجمعهما حبّ غامض للمكان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

للمرّة الأولى، أنا بعيدة الآن، وفي أمان، لكنّني لست راضية، أرسل للأصدقاء والصديقات في لبنان للاطمئنان عليهم وأنا خجلة، أطمئن على عائلتي وأقول لهم: “ستمضي هذه الحرب أيضاً”، نعم حتى النجاة مخجلة أحياناً في بلاد تترك فيها أحبّاءك وأهلك تحت النار.

وحين تصبح المسافة كافية، تمنحك فرصة لرؤية التفاصيل من جديد، التعمّق في الشخصيّات وفي الأماكن، فتكتشف حبّاً لم تنتبه له حقّاً، لكن أيضاً، تدرك أن علاقة ربطتك مع مكان لم تزره لكنّك عرفت أهله جيّداً.

إنه الجنوب، مكان عرفته من أهله. أوّل مرّة لمع جنوب لبنان في رأسي كانت مع عبارة: “بادية جاية من النبطية وجايبة معها كبّة نيّة”. لماذا قد تسافر امرأة أكثر من ساعة من النبطية إلى بيروت، وتضع جهداً كبيراً في تحضير وجبة تقليدية لزملائها وزميلاتها في العمل؟ 

هذا السؤال سيكون مفتاح فهمي للجنوب وأهله… أحبّ الأماكن التي يحتضن سكّانها مَن حولهم بالاهتمام والحبّ والطعام، من يُعرِّفوننا على المدن من نكهاتها، وعلى الطيبة من الخروج باكراً وهم يحملون خبزاً وجبناً وخضاراً طازجة.

بادية فحص تحبّ الجنوب وتحبّ النبطية، كلّ سكّان الجنوب يحبّونه، ليس بطريقة الانتماء وحسب، إنما على نحوٍ شاعريّ للغاية، إذ يتفقّدون منازلهم بعد كلّ حرب، ويعودون إلى بيروت وهم يحبّون الجنوب أكثر.

ولأني عشت مع اللبنانيين حرب إسرائيل السابقة، أدركت أن الجنوبيين، ومع كثرة الحروب، باتوا يمتلكون طريقة خاصّة في انتظار نهاية الحرب والعودة إلى الجنوب، هم هكذا، لم يخطر لهم يوماً سوى العودة إلى قراهم وبلداتهم… هكذا عرفت أهل الجنوب.

بادية صحافية وامرأة جنوبية بامتياز، أحببتُ النظر إلى وجهها، لم تعرف ذلك، كنت أخجل أن أقول لها أحبّ النظر إلى وجهك، لأنني أشعر بالطمأنينة، وأن الحروب مهما طالت تظهر نهايتها في وجه امرأة لم تتنازل عن حبّ النبطية يوماً.

كانت بادية تزورنا في بيروت، في مكتبنا في “درج”، وتحضر معها أكلات جنوبية، سأقع في غرامها وأخبر الجميع عن الكبّة النيّة اللبنانية وعن الفراكة الجنوبية التي جعلتني أصدّق المعجزات حين تغمسّها بزيت الزيتون، وتأكل خلفها خضاراً منعشة. 

صحيح! كانت بادية تُحضر زيتاً من الجنوب أيضاً وفجلاً وبصلاً ونعناعاً، ولأني ابنة جنوب سوريا كنت أشعر أنها قادمة من هناك، الحنين يجعل الجهات واحدة. 

وفي الجنوب في سوريا كنّا نزرع الخضار وتصنع والدتي الكبّة النيّة لكنّها ليست فراكة، لا تمتلك تلك الخلطة العجيبة من أعشاب متنوّعة وبهارات تصنع سحراً لا يُنسى، البهارات الأساسية في الفراكة الجنوبية اللبنانية هي ما يُسمى (الكمونة أو التحويجة)، وهي خليط بهارات خاصّ تُطحن معاً، وتتكوّن بشكل رئيسي من الكمّون، القرفة، الفلفل الأسود، المردكوش، الورد المجفف، الحبق (الريحان) اليابس.

سأعترف مؤخّراً أن كبّة الجنوب ألذّ وأشهى! وسأطيّب خاطر أمّي لاحقاً بأن أدعوها في لبنان إلى كبّة نيّة وفراكة لبنانية وهبرة نيّة، وستؤكّد مثلي أن “اللبنانية أساتذة في صنع الكبّة النيّة”.

كنت محظوظة خلال إقامتي في لبنان لأربع سنوات بأن أتعرّف على الكثير من سكّان الجنوب. زملاء وصديقات كانوا ينتمون إلى تلك الجهة، وهناك أماكن تعرف أهلها قبل أن تزورها، فتنشأ بينكم ألفة مسبقة واعتياد على حبّها دون أن تشعر.

بادية كانت كريمة في حبّها لنا وللجنوب، مرّة أحضرت لنا فطوراً من النبطية جبنة ولبنة وزيتوناً وخضاراً معه خبز سأتذوّقه للمرّة الأولى، إنه خبز المشطاح، وهو خبز طريّ وهشّ، أجزم أني لم أتذوّق أطيب من ذلك الخبز والفطور في حياتي سوى ذلك الذي حضّرته لي أمّي يوماً. 

سأتعلّم كلمات جديدة كثيرة من الجنوبيين، غير الفراكة وخبز المشاطيح. هديل كانت تلفظ البازورية كمن يعيد تشكيل اللغة، وكنت أحبّ كيف تقول “طالعة ع الجنوب”، شيء يشبه النجاة لها، في كلّ مرّة تعود إلى هناك لتلتقط صوراً لبحر صور وكروم البرتقال والزيتون، بينما تجلس جدّتها تحت أشجاره أمام كومة زيتون تتخلّص من الأوراق، وهي تحكي حكايات لحفيدتها. 

هديل علّمتنا كيف نفرّق بين أنواع البرتقال، “هيدا كليمانتين وهيدا أفندي”، بينما كنت أرى كلا الفاكهتين كرمنتينا! حتى الأصدقاء من شمال لبنان أو بيروت كان لديهم هذا التوق إلى الجنوب، نعم إنه توق لا يشفيه سوى العودة. 

باسكال البقاعية ابنة زحلة تهيم بالجنوب، وجنى ابنة بيروت يجرحها الجنوب، حمل كلّ اللبنانيين الذين عرفتهم جرح الجنوب بطريقة أو بأخرى.

كان هناك ما يشبه اللغة بين الجنوب وأهله، لغة رهيفة لا تكاد تسمعها، ديانا وبعد نهاية الحرب الماضية توجّهت مباشرة إلى منزلها في تبنين تفقّدته وعادت، شيء يشبه  المهمّة الإنسانية والعاطفية التي لا يمكن التنازل عنها، كأنها تقول للمنزل: “أنا هنا، لا عليك!”، وأتساءل، هل تفكّر ديانا بالذهاب مجدّداً لتفقّد المنزل بعد نهاية الحرب الحالية؟

وهكذا تحوّل جنوب لبنان إلى أكثر من جهة في بلد، بتّ أراه في الوجوه وفي طريقة الحبّ والعناق والخوف، مكان يحمله أهله معهم ويحملهم فيه، تركيبة عجيبة من الحبّ والانتماء والإخلاص، وهي حقيقة استثنائية، لا تتعلّق بالانتماء إلى طائفة أو دين، بل الانتماء إلى مكان حوّله أهله إلى لغة، تجدها بسهولة ويتسلّل إليك عبرهم. 

في كلّ مرّة يعلّمني الجنوب كيف تصبح الأرض أكثر من مكان أو فكرة، تصبح امتداداً لا يتوقّف، تصبح وجبة كبّة نيّة، أو برتقالة نختلف على اسمها، أو خبز المشاطيح.

أنا ابنة جنوب سوريا عرفت جنوب لبنان من أهله، ولهذا عرفت أن جهة الجنوب تؤلم لكن لا يمكن التنازل عن حبّك لها، وبين جنوبين قد تختلف تفاصيل كثيرة لكن يجمعهما حبّ غامض للمكان.

إقرأوا أيضاً:

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
15.04.2026
زمن القراءة: 4 minutes

أنا ابنة جنوب سوريا عرفت جنوب لبنان من أهله، ولهذا عرفت أن جهة الجنوب تؤلم لكن لا يمكن التنازل عن حبّك لها، وبين جنوبين قد تختلف تفاصيل كثيرة لكن يجمعهما حبّ غامض للمكان.

للمرّة الأولى، أنا بعيدة الآن، وفي أمان، لكنّني لست راضية، أرسل للأصدقاء والصديقات في لبنان للاطمئنان عليهم وأنا خجلة، أطمئن على عائلتي وأقول لهم: “ستمضي هذه الحرب أيضاً”، نعم حتى النجاة مخجلة أحياناً في بلاد تترك فيها أحبّاءك وأهلك تحت النار.

وحين تصبح المسافة كافية، تمنحك فرصة لرؤية التفاصيل من جديد، التعمّق في الشخصيّات وفي الأماكن، فتكتشف حبّاً لم تنتبه له حقّاً، لكن أيضاً، تدرك أن علاقة ربطتك مع مكان لم تزره لكنّك عرفت أهله جيّداً.

إنه الجنوب، مكان عرفته من أهله. أوّل مرّة لمع جنوب لبنان في رأسي كانت مع عبارة: “بادية جاية من النبطية وجايبة معها كبّة نيّة”. لماذا قد تسافر امرأة أكثر من ساعة من النبطية إلى بيروت، وتضع جهداً كبيراً في تحضير وجبة تقليدية لزملائها وزميلاتها في العمل؟ 

هذا السؤال سيكون مفتاح فهمي للجنوب وأهله… أحبّ الأماكن التي يحتضن سكّانها مَن حولهم بالاهتمام والحبّ والطعام، من يُعرِّفوننا على المدن من نكهاتها، وعلى الطيبة من الخروج باكراً وهم يحملون خبزاً وجبناً وخضاراً طازجة.

بادية فحص تحبّ الجنوب وتحبّ النبطية، كلّ سكّان الجنوب يحبّونه، ليس بطريقة الانتماء وحسب، إنما على نحوٍ شاعريّ للغاية، إذ يتفقّدون منازلهم بعد كلّ حرب، ويعودون إلى بيروت وهم يحبّون الجنوب أكثر.

ولأني عشت مع اللبنانيين حرب إسرائيل السابقة، أدركت أن الجنوبيين، ومع كثرة الحروب، باتوا يمتلكون طريقة خاصّة في انتظار نهاية الحرب والعودة إلى الجنوب، هم هكذا، لم يخطر لهم يوماً سوى العودة إلى قراهم وبلداتهم… هكذا عرفت أهل الجنوب.

بادية صحافية وامرأة جنوبية بامتياز، أحببتُ النظر إلى وجهها، لم تعرف ذلك، كنت أخجل أن أقول لها أحبّ النظر إلى وجهك، لأنني أشعر بالطمأنينة، وأن الحروب مهما طالت تظهر نهايتها في وجه امرأة لم تتنازل عن حبّ النبطية يوماً.

كانت بادية تزورنا في بيروت، في مكتبنا في “درج”، وتحضر معها أكلات جنوبية، سأقع في غرامها وأخبر الجميع عن الكبّة النيّة اللبنانية وعن الفراكة الجنوبية التي جعلتني أصدّق المعجزات حين تغمسّها بزيت الزيتون، وتأكل خلفها خضاراً منعشة. 

صحيح! كانت بادية تُحضر زيتاً من الجنوب أيضاً وفجلاً وبصلاً ونعناعاً، ولأني ابنة جنوب سوريا كنت أشعر أنها قادمة من هناك، الحنين يجعل الجهات واحدة. 

وفي الجنوب في سوريا كنّا نزرع الخضار وتصنع والدتي الكبّة النيّة لكنّها ليست فراكة، لا تمتلك تلك الخلطة العجيبة من أعشاب متنوّعة وبهارات تصنع سحراً لا يُنسى، البهارات الأساسية في الفراكة الجنوبية اللبنانية هي ما يُسمى (الكمونة أو التحويجة)، وهي خليط بهارات خاصّ تُطحن معاً، وتتكوّن بشكل رئيسي من الكمّون، القرفة، الفلفل الأسود، المردكوش، الورد المجفف، الحبق (الريحان) اليابس.

سأعترف مؤخّراً أن كبّة الجنوب ألذّ وأشهى! وسأطيّب خاطر أمّي لاحقاً بأن أدعوها في لبنان إلى كبّة نيّة وفراكة لبنانية وهبرة نيّة، وستؤكّد مثلي أن “اللبنانية أساتذة في صنع الكبّة النيّة”.

كنت محظوظة خلال إقامتي في لبنان لأربع سنوات بأن أتعرّف على الكثير من سكّان الجنوب. زملاء وصديقات كانوا ينتمون إلى تلك الجهة، وهناك أماكن تعرف أهلها قبل أن تزورها، فتنشأ بينكم ألفة مسبقة واعتياد على حبّها دون أن تشعر.

بادية كانت كريمة في حبّها لنا وللجنوب، مرّة أحضرت لنا فطوراً من النبطية جبنة ولبنة وزيتوناً وخضاراً معه خبز سأتذوّقه للمرّة الأولى، إنه خبز المشطاح، وهو خبز طريّ وهشّ، أجزم أني لم أتذوّق أطيب من ذلك الخبز والفطور في حياتي سوى ذلك الذي حضّرته لي أمّي يوماً. 

سأتعلّم كلمات جديدة كثيرة من الجنوبيين، غير الفراكة وخبز المشاطيح. هديل كانت تلفظ البازورية كمن يعيد تشكيل اللغة، وكنت أحبّ كيف تقول “طالعة ع الجنوب”، شيء يشبه النجاة لها، في كلّ مرّة تعود إلى هناك لتلتقط صوراً لبحر صور وكروم البرتقال والزيتون، بينما تجلس جدّتها تحت أشجاره أمام كومة زيتون تتخلّص من الأوراق، وهي تحكي حكايات لحفيدتها. 

هديل علّمتنا كيف نفرّق بين أنواع البرتقال، “هيدا كليمانتين وهيدا أفندي”، بينما كنت أرى كلا الفاكهتين كرمنتينا! حتى الأصدقاء من شمال لبنان أو بيروت كان لديهم هذا التوق إلى الجنوب، نعم إنه توق لا يشفيه سوى العودة. 

باسكال البقاعية ابنة زحلة تهيم بالجنوب، وجنى ابنة بيروت يجرحها الجنوب، حمل كلّ اللبنانيين الذين عرفتهم جرح الجنوب بطريقة أو بأخرى.

كان هناك ما يشبه اللغة بين الجنوب وأهله، لغة رهيفة لا تكاد تسمعها، ديانا وبعد نهاية الحرب الماضية توجّهت مباشرة إلى منزلها في تبنين تفقّدته وعادت، شيء يشبه  المهمّة الإنسانية والعاطفية التي لا يمكن التنازل عنها، كأنها تقول للمنزل: “أنا هنا، لا عليك!”، وأتساءل، هل تفكّر ديانا بالذهاب مجدّداً لتفقّد المنزل بعد نهاية الحرب الحالية؟

وهكذا تحوّل جنوب لبنان إلى أكثر من جهة في بلد، بتّ أراه في الوجوه وفي طريقة الحبّ والعناق والخوف، مكان يحمله أهله معهم ويحملهم فيه، تركيبة عجيبة من الحبّ والانتماء والإخلاص، وهي حقيقة استثنائية، لا تتعلّق بالانتماء إلى طائفة أو دين، بل الانتماء إلى مكان حوّله أهله إلى لغة، تجدها بسهولة ويتسلّل إليك عبرهم. 

في كلّ مرّة يعلّمني الجنوب كيف تصبح الأرض أكثر من مكان أو فكرة، تصبح امتداداً لا يتوقّف، تصبح وجبة كبّة نيّة، أو برتقالة نختلف على اسمها، أو خبز المشاطيح.

أنا ابنة جنوب سوريا عرفت جنوب لبنان من أهله، ولهذا عرفت أن جهة الجنوب تؤلم لكن لا يمكن التنازل عن حبّك لها، وبين جنوبين قد تختلف تفاصيل كثيرة لكن يجمعهما حبّ غامض للمكان.

إقرأوا أيضاً: