يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عزيزتي ميس الجبل: يوم وقفت في مجدل سلم وشاهدت إسرائيل تقضم قريتي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أشاهد جغرافيا الجنوب تتغيّر أمامي، وفي كل مرّة يبدو أن “الوحش” قضم مساحة أخرى واقترب أكثر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

وصلت قبل نحو شهر إلى مجدل سلم في مهمّة صحافية. وأنا بطبيعتي حين أكون في مهمّة، أعرف كيف أفصل نفسي عمّا يحدث حولي. أركّز في عملي، وإذا شعرت أن شيئاً ما بدأ يتسلّل إليّ أمنع نفسي وأقرّر أن أكمل، لأن هناك دائماً وقتاً لاحقاً يمكنني أن أشعر فيه بما حدث، أو هكذا أقنع نفسي، فكيف إذا كنت أصوّر مقابل قرانا الحدودية المحتلّة؟ 

كنت أصوّر عندما بدأ الاحتلال بتفجير منازل في حيّ “حوشين” في بلدتي ميس الجبل، التي تقع في جنوب لبنان عند الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلّة. كان صوت الانفجارات واضحاً، والدخان أمامي، وكنت أعرف جيّداً الجهة التي أنظر إليها، لم أتوقّف عن التصوير ولم أبكِ. أكملت المهمّة، وعدت إلى منزلي في بيروت، وبقي ما رأيته مؤجّلاً في مكان ما داخلي.

في العادة تصلنا مقاطع تفجير البيوت والقرى على هواتفنا. ومع كثرتها، يمكن أن تتحوّل في الرأس إلى كتلة واحدة من الخراب، أي المشهد كما تراه من الخارج (انفجار، ثم غيمة دخان، ثم فيديو آخر لقرية أخرى تمحى. لكنّ ابن القرية لا يشاهدها بهذه الطريقة تماماً، لأنه يعرف أن للوحش (إسرائيل)  مساراً وأن المسافة بينه وبين بيته تتناقص. إذا لم يأكل بيتك بعد، فقد أكل بيتاً قريباً، وإذا لم يصل إلى حيّك فقد صار على أطرافه. أعرف ابن حولا الذي يقف في شقرا وينظر إلى بيته، وهو يعرف أن الاحتلال قد يحتاج يومين أو ثلاثة فقط ليقترب منه ويفجّره. يعرف أن البيت موجود الآن، ويعرف في الوقت نفسه أن وجوده ليس وعداً بالغد.

يراودني سؤال يبدو أحياناً ساذجاً، إذا كنّا نعرف أن المشهد سيوجعنا، فلماذا نذهب لنشاهده؟ لماذا يقف أبناء القرى الحدودية يومياً تقريباً عند آخر نقطة مسموح لهم بالوصول إليها، وينظرون إلى قراهم؟ فلكل قرية حدود جديدة اليوم، أهالي بيت ليف يقفون في ياطر، وأهالي ميس الجبل وحولا ينظرون إلى قراهم من مجدل سلم وشقرا. حتى إن كثيرين اختاروا السكن في هذه البلدات ليبقوا قريبين من قراهم، أحياناً لأسباب عمليّة جدّاً، كما حصل مع أحد أقاربي حين تأمّن له بيت من دون إيجار، لكنّ القرب نفسه صار حاجة عاطفية أيضاً. وإلا، ما المنطق في أن تقطع الطريق كي ترى مكاناً لا تستطيع الوصول إليه، وربما تشاهد بيتك وهو يُهدم؟ أعتقد لأن الإنسان لا يتعامل مع أرضه بالمنطق وحده، وربما تكون رؤية المكان، حتى من بعيد، آخر شكل متاح من أشكال البقاء معه…

لقاء مع قرانا… من الخارج 

أنا أصلاً لست ممّن يحفظون الطرقات، وهذه مشكلة أعاني منها كثيراً، لكنّ الطريق إلى الضيعة من الطرق التي حُفظت غصباً عني في الذاكرة. أكثر علامة بقيت في رأسي منذ طفولتي هي “بيت التماثيل” في وادي الحجير. كنت أحبّ أن أراه من السيّارة وأنا متّجهة إلى ميس الجبل، ظهوره كان يعني، بطريقة ما، أننا في الطريق إلى الضيعة وأن المسافة بدأت تقصر. والمفروض أنه ما زال موجوداً، أو هكذا أحبّ أن أعتقد، لأن “المفروض” صارت من الكلمات التي نستخدمها كثيراً حين نتحدّث عن أماكننا، المفروض البيت بعده، المفروض الشجرة بعدها، المفروض الطريق موجود. لم نعد نملك دائماً رفاهية اليقين. منذ يومين أخبرني عمّي:”العدو جرف أشجار زيتون جدّي”، آخ! وهذا أمر عليّ تأجيل الحديث عنه الآن، كي لا أقلّب مواجعي أكثر!

منذ ثلاث سنوات، تتغيّر طريقة الوصول إلى ميس في كل مرّة تقريباً. في بداية الإسناد في عام 2023، أصبح الوصول خطراً، ثم مع توسّع الحرب والتصعيد في أيلول/ سبتمبر 2024، أصبح مستحيلاً مع تقدّم الاحتلال. وبعد ما سُمّي وقف إطلاق النار الأوّل، بقي الدخول إلى قرانا الحدودية ممنوعاً، وعندما حاولنا في شباط/ فبراير 2025 أن نعود، وجدنا أنفسنا في كل مرّة نسلك طريقاً جديداً. لم يتغيّر الطريق وحده، كانت الجغرافيا نفسها تتغيّر. الاحتلال قطع الأشجار ورماها في منتصف الطريق بعد أن سرق المعمّرة منها، وهدم البيوت، وأغلق طرقاً وغيّر معالم اعتدنا أن نستدلّ بها، حتى صار علينا أن نتعلّم الوصول إليها مجدّداً.

في السابق، كنّا نختار طريق وادي الحجير أو الخردلي لنصل إلى ميس الجبل. اليوم يمكن أن تمرّ عبر قرى قضاء صور، نحو دير قانون النهر، ثم صفد البطيخ، وتعبر عدّة قرى حتى تصل إلى شقرا أو مجدل سلم. وطبعاً، قد يبدو من وصف الطريق أنني سأقول في نهايته “ثم نصل إلى ميس الجبل”. لا، لا نصل. نصل إلى شقرا لكي نرى ميس الجبل، أو إلى مجدل سلم لكي نراها. صار بإمكاننا أن نختار من أين نريد مشاهدة قريتنا، لا كيف نصل إليها. وهكذا لا يغيّر الاحتلال فقط حدودنا، بل يغير علاقتنا بالجغرافيا نفسها ويرسلنا في متاهة الحدود الجديدة وعلاقتنا مع قرانا من الخارج.

منذ بداية هذه الحرب، وأنا أتنقّل في الجنوب بحكم عملي، وأشاهد الخسارات وهي تتراكم أمامي، قرية بعد أخرى. في كل مرّة أعود إلى مكان أجد شيئاً قد تغيّر: طريقاً لم نعد نستطيع سلوكه، بيتاً لم يعد موجوداً، أشجاراً اقتُلعت، أو قرية صرنا ننظر إليها من بعيد. وربما لهذا لم يعد ممكناً بالنسبة لي أن أفصل ما يحدث في ميس عمّا يحدث حولها، أو أن أتعامل مع كل خسارة كأنها حدث منفصل. منذ ثلاث سنوات، وأنا أشاهد جغرافيا الجنوب تتغيّر أمامي، وفي كل مرّة يبدو أن “الوحش” قضم مساحة أخرى واقترب أكثر.

“اكتئاب عليّ الطاهر”

قبل أيّام، فجّر جيش الاحتلال الإسرائيلي تلّة عليّ الطاهر الواقعة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا في جنوب لبنان. في تلك الليلة لم أشعر بشيء، أو ربما هذا ما ظننته. غفوت بصمت بعد مشاهدة الفيديوهات التي نشرها الجيش الإسرائيلي، وأخرى التي وثّقها المصوّرون من النبطية وكفررمان. هناك جملة بات يقولها البعض في الجنوب حين يغضبون ممّا يحدث، أو حين يشعرون أن حجم الخسارة صار أكبر من قدرتنا على استيعابه: “يسواهن ما يسوانا، هياها قرانا كلها راحت”. لا أستطيع أن أقولها، ولا أعرف أصلاً كيف يمكن أن أصل إلى هذه المصالحة مع فكرة أن قرانا “راحت”، أو أن هذا كله “متوقّع في الحرب”. أعرف نفسي جيّداً، عندما يحدث شيء كهذا ولا أشعر به، عندما أتابع الأخبار والصور وأكمل يومي بشكل طبيعي، أعرف أن انفجاري الداخلي صار قريباً.

وهذا ما حدث. استيقظت في اليوم التالي بما سمّيته “اكتئاب عليّ الطاهر”. لم أكن حزينة على التلّة وحدها، ولا أعرف إن كنت أستطيع أصلاً فصلها عمّا سبقها وما سيأتي بعدها. كنت حزينة علينا، على الطريقة التي نعيش بها منذ ثلاث سنوات ونحن نشاهد جغرافيا الجنوب تتغيّر أمامنا، وعلى ذلك الشعور بأننا نمرّ بمراحل متتالية في لعبة لا نعرف أين تنتهي، مرحلة الخيام، ثم بنت جبيل، ثم الليطاني، ثم زوطر، ثم قلعة الشقيف والآن عليّ الطاهر، وها هم محلّلو وسائل الإعلام قد بدأوا يهيّئوننا لمرحلة جبل الرفيع. وكلما انتقلنا إلى مرحلة جديدة، بدا لي أن الاحتلال بوحشيته قضم مساحة أخرى واقترب أكثر. ومن هنا يأتي السؤال الذي يدور فعلاً في بيوتنا اليوم: إذا وصل إلى هنا، فما الذي يمنعه من أن يصل إلى النبطية وما بعد النبطية؟

ميس الجبل من شقرا

لا أقول ذلك لأزرع الخوف أو أصنع هلعاً، ولا أقدّم تحليلاً عسكرياً لما سيحدث والعياذ بالله. هذه ببساطة مخاوفنا، الأشياء التي نقولها في بيوتنا ونناقشها مع أهلنا وأصدقائنا، ولا أرى سبباً لأن نخجل منها أو نُخفيها. فمنذ متى صار مطلوباً منّا أن نعسكر مشاعرنا أيضاً؟ من حقّنا أن نحزن على عليّ الطاهر، وأن نبكي على الشبّان الذين كانوا هناك وسط تضارب المعلومات عن مصيرهم، ومن حقّنا أن نقلق ممّا سيأتي بعدها. هؤلاء الشبّان عيوننا، وما نشعر به تجاههم وتجاه أرضنا لا يمكن أن يبقى مرهوناً بالألاعيب السياسية التي تحدّد لنا متى يكون المكان مهمّاً، ومتى يصبح الحزن عليه غير مرغوب فيه. ومن غير المنطقي أن نقضي الأيّام التي تسبق سقوط موقع نتحدّث عن أهمّيته، ثم عندما يسقط ويُفجّر يصبح التعبير عن الحزن عليه تهويلاً أو ضعفاً، ثم تهديداً لصورة الصمود والعزيمة.

نحن لسنا أبناء “قرى الحافّة”!

أبناء القرى الحدودية من أكبر الخاسرين منذ اندلاع هذه الحرب، ومع ذلك أشعر أنهم من أكثر المنسيين أيضاً. تُختصر قراهم أحياناً بتعبير “قرى الحافّة”، أو يجري الحديث عنها باعتبارها “الأطراف”، وكأنها موجودة على هامش بلاد مركزها في مكان آخر. نحن لسنا قرى الحافّة، ولسنا أطراف بلاد كي نُختزل بهذه الطريقة. بالنسبة إلى ابن ميس، ميس ليست طرفاً، وليست آخر نقطة على الخريطة، بل المكان الذي يبدأ منه تعريفه لنفسه. نحن لا نريد أن نُختصر في صور النازحين أو في استعارات الصمود، ولا أن تصبح خسارتنا رقماً إضافياً في سردية حرب طويلة. نريد أرضنا، بكل بساطة.

ولذلك أيضاً أرفض هذه الرغبة المستمرّة في عسكرة مشاعر الناس. كفاكم تنظيراً علينا، وخصوصاً “طخيخة الكيبورد”، كما أسمّيهم، الذين يوزّعون من خلف الشاشات شهادات الصمود والخيانة، ويحدّدون للناس متى يجوز أن يخافوا ومتى يجب أن يصمتوا، متى يجوز أن يحزنوا ومتى يصبح الحزن انهزاماً. الصمود هو ما يجعلنا نكمل، نعم، لكنّه لا يعني أن نتوقّف عن الشعور. وإذا كان علينا كي نثبت صمودنا أن نتعامل مع ما يحدث لجبل عامل بلا خوف أو حزن أو قهر، فنحن بذلك نتخلّى عن شيء أساسي ممّا نحن عليه.

فنحن أبناء جبل عامل عاطفيون، وهذه ليست تهمة. علاقتنا بقرانا تكاد تكون علاقة بالبشر، نرثي قرية كما نرثي شخصاً، ونحزن على شجرة بوصفها إرثاً من العائلة، وننادي الأرض ونعاتبها ونكتب لها، ونحفظ أسماء الوديان والعيون والحقول، وننسب البيوت إلى أصحابها حتى بعد موتهم. نحن لا نجهل أن الحجر حجر، لكنّ المكان عندنا لا يُختصر بالحجر، هو وعاء لذكريات وحيوات كاملة، ولذلك حين يهدم بيت يختلّ ترتيب كامل للذاكرة. فهنا كان يجلس جدّي، من هذه الشرفة كنّا ننظر إلى الزيتون، عند هذا المنعطف نعرف أننا اقتربنا، وفي تلك الأرض زرع أحدهم شجرة وعاش طويلاً بما يكفي ليراها تكبر.

ميس التي أحملها في رأسي

أنا لم أسكن في ميس الجبل يوماً بشكل دائم. كانت بالنسبة لي ميس العائلة، ميس العيد والعطلة، وميس جدّي الذي علّمني كيف أحبّها. كانت بيت جدّي وبيت العائلة، والشرفة التي تطلّ على الزيتون والتين و”مستعمرة المنارة” أي فلسطين، والأشجار التي زرعها طوال سنوات قبل أن يرحل. وحتى اليوم، حين أفكّر بميس، أفكّر به هناك حيث يرقد. أناجي سلامه في غربته الجديدة، في مكان يفترض أنه مكان راحته، بينما الاحتلال يعبث حتى بالمقابر. لا أعرف إن كان قبره قد جُرف، ولا أريد أن أعرف. صور الأقمار الصناعية التي تُنشر قد تعطينا أجوبة، لكن هناك أجوبة لا أبحث عنها، لأن عدم المعرفة أحياناً هو المساحة الوحيدة التي تُبقي الشيء قائماً كما أحمله في ذاكرتي. وما دمت لا أعرف، يبقى جدّي هناك ويبقى قبره في مكانه.

وفي رأسي أيضاً بيت لم يوجد أصلاً بعد، بيت أحلم أن أبنيه يوماً في ميس الجبل. ربما هذه هي المفارقة الأكثر غرابة في علاقتي بقريتي اليوم، أن أحمل في رأسي بيوتاً أخشى أنها لم تعد موجودة، وأحمل في الوقت نفسه حسرة على بيت للمستقبل لم يُبنَ بعد، فيما حاضر المكان نفسه هو الشيء الوحيد الذي لا أستطيع الوصول إليه.

أين توجد ميس الجبل الآن؟

وهذا ما شعرت به في مجدل سلم. كانت ميس أمامي، والمسافة بين البلدتين قصيرة إلى حدّ أنني كنت أسمع تفجيرها، لكنّها في تلك اللحظة بدت أبعد من بيروت. للمرّة الأولى كنت أنظر إلى قريتي من الخارج، وأدركت أن الإنسان لا يفكّر عادة في علاقته بالأماكن التي ينتمي إليها طالما يستطيع الوصول إليها. لا نفكّر ونحن ندخل قريتنا أننا “ندخلها”، ولا نتأمّل الطريق باعتباره شيئاً يمنحنا حقّ الوصول، ولا نشعر بالامتياز الكامن في أن يكون المكان الذي نحبّه متاحاً لنا، نحن نصل وحسب. وحين يكون المكان محتلّاً يصبح مقياس الفقدان أثقل، ثمّة خسارة تسبق هدم البيوت أحياناً، تبدأ عندما تتغيّر علاقتك بالمكان، حين يتحوّل من مكان تقف فيه إلى مكان تقف خارجه وتنظر إليه، وهكذا يسقط المنزل ولا يجد من يربّت على كتفيه أو يرتمي بين أحضان ركامه، وهكذا صرنا نقف على الأطلال.

ميس الجبل من مجدل سلم

وأنا أصوّر، كنت أستخدم عدسة الكاميرا 70-200 mm كي أقترب أكثر. كلما اخترت عدسة بزوم أكبر اقتربت ميس أكثر، وصرت أرى الدخان والتفاصيل وأستطيع أن أحدّد تقريباً أين وقع التفجير. لكن هذه المسافة المختصرة كانت تنتهي فور أن أزيح عيني عن العدسة. أخفض الكاميرا فأعود إلى مجدل سلم، وتعود ميس إلى الجهة المقابلة. وما زلت أجده أمراً قاسياً في أن أحتاج إلى عدسة كي أقترب من مكان لم أحتج يوماً إلى النظر إليه من بعيد.

لهذا أسأل نفسي أحياناً: أين توجد ميس الجبل الآن؟ هل هي المكان الموجود فعلياً حيث الاحتلال والبيوت المهدّمة، أم القرية التي يحملها أهلها في رؤوسهم؟ وإذا لم تعودا متطابقتين، فأيّتهما هي ميس؟ لا أعرف. أعرف فقط أن ذاكرتي، مثل ذاكرة كثيرين من أبناء المكان، تحتفظ بجغرافيا قد لا تطابق الجغرافيا الموجودة اليوم، وأن هذا التفاوت سيزداد مع كل بيت يُهدم وكل طريق يتغيّر وكل شجرة تُقتلع. وأن معركتنا تصبح أصعب يوماً بعد يوم بين ما يستطيع الاحتلال تغييره على الأرض وما تستطيع ذاكرتنا الاحتفاظ به مع كل هذا.

عزيزتي ميس

عزيزتي ميس، لم أستطع يومها وأنا أقف على مشارفك أن أراك تتألّمين. لم أعرف كيف أناديك من بلدة أخرى، ولا كيف أراك بهذا القرب ولا أستطيع أن أصل إليك. فوضعت الكاميرا بيننا وصوّرت، أوهمت نفسي أن العدسة تستطيع أن تحميني من فكرة أنك أمامي وأنني عاجزة عن مسح تعبك وقهرك. لم أبكِ وأنا أشاهد إسرائيل تمحو جزءاً جديداً منك، وربما أكتب الآن لأن ما منعته يومها من الوصول إليّ وجد طريقاً آخر قبل أيّام…

ومع ذلك، لا أريد لميس الجبل أن تبقى في رأسي بهذه الصورة، لا أريدها قرية محتلّة فقط، لا أريدها أن تصبح استعارة دائمة عن الفقد والصمود والذاكرة. ولا أريد أن أحتاج في كل مرّة إلى الكتابة عنها كي أثبت أنني منها، ولا أن تتحوّل علاقتي بها كلها إلى رثاء لما كان موجوداً. أريد ميس الجبل عادية مرّة أخرى، أن أختار بنفسي متى ابتعد عنها ومتى أعود مشتاقة هاربة من الحياة إلى حضنها وإلى طيف جدّي. فأنا كما أقول لأهلي وللكبار من حولي “نحن مش متلكن ما منتحمل الاجتياح والوقت يلي تحملتوه”، بعضهم يردّ بالمضحك المبكي “بوقتها بقي ضيع، هلق ما خلّوا شي”.

أريد أن يصبح وجود ميس الجبل بديهياً مرّة أخرى، لا خبراً ولا جبهة ولا نقطة على خريطة عسكرية، ولا أن “أناور” من بلدة أخرى كي أراها. وربما، في المرّة القادمة حين أعود إليها فعلاً، لن أحتاج إلى جملة فلسفية تشرح ما أشعر به، ولن أقف عند مدخلها طويلاً. أريد أن أفعل ما كنّا نفعله قبل أن يصبح الوصول حدثاً أو خبراً عاجلاً، أن أكمل الطريق، آخذ نفساً طويلاً وحسب.

19.09.2026
زمن القراءة: 10 minutes

أشاهد جغرافيا الجنوب تتغيّر أمامي، وفي كل مرّة يبدو أن “الوحش” قضم مساحة أخرى واقترب أكثر.

وصلت قبل نحو شهر إلى مجدل سلم في مهمّة صحافية. وأنا بطبيعتي حين أكون في مهمّة، أعرف كيف أفصل نفسي عمّا يحدث حولي. أركّز في عملي، وإذا شعرت أن شيئاً ما بدأ يتسلّل إليّ أمنع نفسي وأقرّر أن أكمل، لأن هناك دائماً وقتاً لاحقاً يمكنني أن أشعر فيه بما حدث، أو هكذا أقنع نفسي، فكيف إذا كنت أصوّر مقابل قرانا الحدودية المحتلّة؟ 

كنت أصوّر عندما بدأ الاحتلال بتفجير منازل في حيّ “حوشين” في بلدتي ميس الجبل، التي تقع في جنوب لبنان عند الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلّة. كان صوت الانفجارات واضحاً، والدخان أمامي، وكنت أعرف جيّداً الجهة التي أنظر إليها، لم أتوقّف عن التصوير ولم أبكِ. أكملت المهمّة، وعدت إلى منزلي في بيروت، وبقي ما رأيته مؤجّلاً في مكان ما داخلي.

في العادة تصلنا مقاطع تفجير البيوت والقرى على هواتفنا. ومع كثرتها، يمكن أن تتحوّل في الرأس إلى كتلة واحدة من الخراب، أي المشهد كما تراه من الخارج (انفجار، ثم غيمة دخان، ثم فيديو آخر لقرية أخرى تمحى. لكنّ ابن القرية لا يشاهدها بهذه الطريقة تماماً، لأنه يعرف أن للوحش (إسرائيل)  مساراً وأن المسافة بينه وبين بيته تتناقص. إذا لم يأكل بيتك بعد، فقد أكل بيتاً قريباً، وإذا لم يصل إلى حيّك فقد صار على أطرافه. أعرف ابن حولا الذي يقف في شقرا وينظر إلى بيته، وهو يعرف أن الاحتلال قد يحتاج يومين أو ثلاثة فقط ليقترب منه ويفجّره. يعرف أن البيت موجود الآن، ويعرف في الوقت نفسه أن وجوده ليس وعداً بالغد.

يراودني سؤال يبدو أحياناً ساذجاً، إذا كنّا نعرف أن المشهد سيوجعنا، فلماذا نذهب لنشاهده؟ لماذا يقف أبناء القرى الحدودية يومياً تقريباً عند آخر نقطة مسموح لهم بالوصول إليها، وينظرون إلى قراهم؟ فلكل قرية حدود جديدة اليوم، أهالي بيت ليف يقفون في ياطر، وأهالي ميس الجبل وحولا ينظرون إلى قراهم من مجدل سلم وشقرا. حتى إن كثيرين اختاروا السكن في هذه البلدات ليبقوا قريبين من قراهم، أحياناً لأسباب عمليّة جدّاً، كما حصل مع أحد أقاربي حين تأمّن له بيت من دون إيجار، لكنّ القرب نفسه صار حاجة عاطفية أيضاً. وإلا، ما المنطق في أن تقطع الطريق كي ترى مكاناً لا تستطيع الوصول إليه، وربما تشاهد بيتك وهو يُهدم؟ أعتقد لأن الإنسان لا يتعامل مع أرضه بالمنطق وحده، وربما تكون رؤية المكان، حتى من بعيد، آخر شكل متاح من أشكال البقاء معه…

لقاء مع قرانا… من الخارج 

أنا أصلاً لست ممّن يحفظون الطرقات، وهذه مشكلة أعاني منها كثيراً، لكنّ الطريق إلى الضيعة من الطرق التي حُفظت غصباً عني في الذاكرة. أكثر علامة بقيت في رأسي منذ طفولتي هي “بيت التماثيل” في وادي الحجير. كنت أحبّ أن أراه من السيّارة وأنا متّجهة إلى ميس الجبل، ظهوره كان يعني، بطريقة ما، أننا في الطريق إلى الضيعة وأن المسافة بدأت تقصر. والمفروض أنه ما زال موجوداً، أو هكذا أحبّ أن أعتقد، لأن “المفروض” صارت من الكلمات التي نستخدمها كثيراً حين نتحدّث عن أماكننا، المفروض البيت بعده، المفروض الشجرة بعدها، المفروض الطريق موجود. لم نعد نملك دائماً رفاهية اليقين. منذ يومين أخبرني عمّي:”العدو جرف أشجار زيتون جدّي”، آخ! وهذا أمر عليّ تأجيل الحديث عنه الآن، كي لا أقلّب مواجعي أكثر!

منذ ثلاث سنوات، تتغيّر طريقة الوصول إلى ميس في كل مرّة تقريباً. في بداية الإسناد في عام 2023، أصبح الوصول خطراً، ثم مع توسّع الحرب والتصعيد في أيلول/ سبتمبر 2024، أصبح مستحيلاً مع تقدّم الاحتلال. وبعد ما سُمّي وقف إطلاق النار الأوّل، بقي الدخول إلى قرانا الحدودية ممنوعاً، وعندما حاولنا في شباط/ فبراير 2025 أن نعود، وجدنا أنفسنا في كل مرّة نسلك طريقاً جديداً. لم يتغيّر الطريق وحده، كانت الجغرافيا نفسها تتغيّر. الاحتلال قطع الأشجار ورماها في منتصف الطريق بعد أن سرق المعمّرة منها، وهدم البيوت، وأغلق طرقاً وغيّر معالم اعتدنا أن نستدلّ بها، حتى صار علينا أن نتعلّم الوصول إليها مجدّداً.

في السابق، كنّا نختار طريق وادي الحجير أو الخردلي لنصل إلى ميس الجبل. اليوم يمكن أن تمرّ عبر قرى قضاء صور، نحو دير قانون النهر، ثم صفد البطيخ، وتعبر عدّة قرى حتى تصل إلى شقرا أو مجدل سلم. وطبعاً، قد يبدو من وصف الطريق أنني سأقول في نهايته “ثم نصل إلى ميس الجبل”. لا، لا نصل. نصل إلى شقرا لكي نرى ميس الجبل، أو إلى مجدل سلم لكي نراها. صار بإمكاننا أن نختار من أين نريد مشاهدة قريتنا، لا كيف نصل إليها. وهكذا لا يغيّر الاحتلال فقط حدودنا، بل يغير علاقتنا بالجغرافيا نفسها ويرسلنا في متاهة الحدود الجديدة وعلاقتنا مع قرانا من الخارج.

منذ بداية هذه الحرب، وأنا أتنقّل في الجنوب بحكم عملي، وأشاهد الخسارات وهي تتراكم أمامي، قرية بعد أخرى. في كل مرّة أعود إلى مكان أجد شيئاً قد تغيّر: طريقاً لم نعد نستطيع سلوكه، بيتاً لم يعد موجوداً، أشجاراً اقتُلعت، أو قرية صرنا ننظر إليها من بعيد. وربما لهذا لم يعد ممكناً بالنسبة لي أن أفصل ما يحدث في ميس عمّا يحدث حولها، أو أن أتعامل مع كل خسارة كأنها حدث منفصل. منذ ثلاث سنوات، وأنا أشاهد جغرافيا الجنوب تتغيّر أمامي، وفي كل مرّة يبدو أن “الوحش” قضم مساحة أخرى واقترب أكثر.

“اكتئاب عليّ الطاهر”

قبل أيّام، فجّر جيش الاحتلال الإسرائيلي تلّة عليّ الطاهر الواقعة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا في جنوب لبنان. في تلك الليلة لم أشعر بشيء، أو ربما هذا ما ظننته. غفوت بصمت بعد مشاهدة الفيديوهات التي نشرها الجيش الإسرائيلي، وأخرى التي وثّقها المصوّرون من النبطية وكفررمان. هناك جملة بات يقولها البعض في الجنوب حين يغضبون ممّا يحدث، أو حين يشعرون أن حجم الخسارة صار أكبر من قدرتنا على استيعابه: “يسواهن ما يسوانا، هياها قرانا كلها راحت”. لا أستطيع أن أقولها، ولا أعرف أصلاً كيف يمكن أن أصل إلى هذه المصالحة مع فكرة أن قرانا “راحت”، أو أن هذا كله “متوقّع في الحرب”. أعرف نفسي جيّداً، عندما يحدث شيء كهذا ولا أشعر به، عندما أتابع الأخبار والصور وأكمل يومي بشكل طبيعي، أعرف أن انفجاري الداخلي صار قريباً.

وهذا ما حدث. استيقظت في اليوم التالي بما سمّيته “اكتئاب عليّ الطاهر”. لم أكن حزينة على التلّة وحدها، ولا أعرف إن كنت أستطيع أصلاً فصلها عمّا سبقها وما سيأتي بعدها. كنت حزينة علينا، على الطريقة التي نعيش بها منذ ثلاث سنوات ونحن نشاهد جغرافيا الجنوب تتغيّر أمامنا، وعلى ذلك الشعور بأننا نمرّ بمراحل متتالية في لعبة لا نعرف أين تنتهي، مرحلة الخيام، ثم بنت جبيل، ثم الليطاني، ثم زوطر، ثم قلعة الشقيف والآن عليّ الطاهر، وها هم محلّلو وسائل الإعلام قد بدأوا يهيّئوننا لمرحلة جبل الرفيع. وكلما انتقلنا إلى مرحلة جديدة، بدا لي أن الاحتلال بوحشيته قضم مساحة أخرى واقترب أكثر. ومن هنا يأتي السؤال الذي يدور فعلاً في بيوتنا اليوم: إذا وصل إلى هنا، فما الذي يمنعه من أن يصل إلى النبطية وما بعد النبطية؟

ميس الجبل من شقرا

لا أقول ذلك لأزرع الخوف أو أصنع هلعاً، ولا أقدّم تحليلاً عسكرياً لما سيحدث والعياذ بالله. هذه ببساطة مخاوفنا، الأشياء التي نقولها في بيوتنا ونناقشها مع أهلنا وأصدقائنا، ولا أرى سبباً لأن نخجل منها أو نُخفيها. فمنذ متى صار مطلوباً منّا أن نعسكر مشاعرنا أيضاً؟ من حقّنا أن نحزن على عليّ الطاهر، وأن نبكي على الشبّان الذين كانوا هناك وسط تضارب المعلومات عن مصيرهم، ومن حقّنا أن نقلق ممّا سيأتي بعدها. هؤلاء الشبّان عيوننا، وما نشعر به تجاههم وتجاه أرضنا لا يمكن أن يبقى مرهوناً بالألاعيب السياسية التي تحدّد لنا متى يكون المكان مهمّاً، ومتى يصبح الحزن عليه غير مرغوب فيه. ومن غير المنطقي أن نقضي الأيّام التي تسبق سقوط موقع نتحدّث عن أهمّيته، ثم عندما يسقط ويُفجّر يصبح التعبير عن الحزن عليه تهويلاً أو ضعفاً، ثم تهديداً لصورة الصمود والعزيمة.

نحن لسنا أبناء “قرى الحافّة”!

أبناء القرى الحدودية من أكبر الخاسرين منذ اندلاع هذه الحرب، ومع ذلك أشعر أنهم من أكثر المنسيين أيضاً. تُختصر قراهم أحياناً بتعبير “قرى الحافّة”، أو يجري الحديث عنها باعتبارها “الأطراف”، وكأنها موجودة على هامش بلاد مركزها في مكان آخر. نحن لسنا قرى الحافّة، ولسنا أطراف بلاد كي نُختزل بهذه الطريقة. بالنسبة إلى ابن ميس، ميس ليست طرفاً، وليست آخر نقطة على الخريطة، بل المكان الذي يبدأ منه تعريفه لنفسه. نحن لا نريد أن نُختصر في صور النازحين أو في استعارات الصمود، ولا أن تصبح خسارتنا رقماً إضافياً في سردية حرب طويلة. نريد أرضنا، بكل بساطة.

ولذلك أيضاً أرفض هذه الرغبة المستمرّة في عسكرة مشاعر الناس. كفاكم تنظيراً علينا، وخصوصاً “طخيخة الكيبورد”، كما أسمّيهم، الذين يوزّعون من خلف الشاشات شهادات الصمود والخيانة، ويحدّدون للناس متى يجوز أن يخافوا ومتى يجب أن يصمتوا، متى يجوز أن يحزنوا ومتى يصبح الحزن انهزاماً. الصمود هو ما يجعلنا نكمل، نعم، لكنّه لا يعني أن نتوقّف عن الشعور. وإذا كان علينا كي نثبت صمودنا أن نتعامل مع ما يحدث لجبل عامل بلا خوف أو حزن أو قهر، فنحن بذلك نتخلّى عن شيء أساسي ممّا نحن عليه.

فنحن أبناء جبل عامل عاطفيون، وهذه ليست تهمة. علاقتنا بقرانا تكاد تكون علاقة بالبشر، نرثي قرية كما نرثي شخصاً، ونحزن على شجرة بوصفها إرثاً من العائلة، وننادي الأرض ونعاتبها ونكتب لها، ونحفظ أسماء الوديان والعيون والحقول، وننسب البيوت إلى أصحابها حتى بعد موتهم. نحن لا نجهل أن الحجر حجر، لكنّ المكان عندنا لا يُختصر بالحجر، هو وعاء لذكريات وحيوات كاملة، ولذلك حين يهدم بيت يختلّ ترتيب كامل للذاكرة. فهنا كان يجلس جدّي، من هذه الشرفة كنّا ننظر إلى الزيتون، عند هذا المنعطف نعرف أننا اقتربنا، وفي تلك الأرض زرع أحدهم شجرة وعاش طويلاً بما يكفي ليراها تكبر.

ميس التي أحملها في رأسي

أنا لم أسكن في ميس الجبل يوماً بشكل دائم. كانت بالنسبة لي ميس العائلة، ميس العيد والعطلة، وميس جدّي الذي علّمني كيف أحبّها. كانت بيت جدّي وبيت العائلة، والشرفة التي تطلّ على الزيتون والتين و”مستعمرة المنارة” أي فلسطين، والأشجار التي زرعها طوال سنوات قبل أن يرحل. وحتى اليوم، حين أفكّر بميس، أفكّر به هناك حيث يرقد. أناجي سلامه في غربته الجديدة، في مكان يفترض أنه مكان راحته، بينما الاحتلال يعبث حتى بالمقابر. لا أعرف إن كان قبره قد جُرف، ولا أريد أن أعرف. صور الأقمار الصناعية التي تُنشر قد تعطينا أجوبة، لكن هناك أجوبة لا أبحث عنها، لأن عدم المعرفة أحياناً هو المساحة الوحيدة التي تُبقي الشيء قائماً كما أحمله في ذاكرتي. وما دمت لا أعرف، يبقى جدّي هناك ويبقى قبره في مكانه.

وفي رأسي أيضاً بيت لم يوجد أصلاً بعد، بيت أحلم أن أبنيه يوماً في ميس الجبل. ربما هذه هي المفارقة الأكثر غرابة في علاقتي بقريتي اليوم، أن أحمل في رأسي بيوتاً أخشى أنها لم تعد موجودة، وأحمل في الوقت نفسه حسرة على بيت للمستقبل لم يُبنَ بعد، فيما حاضر المكان نفسه هو الشيء الوحيد الذي لا أستطيع الوصول إليه.

أين توجد ميس الجبل الآن؟

وهذا ما شعرت به في مجدل سلم. كانت ميس أمامي، والمسافة بين البلدتين قصيرة إلى حدّ أنني كنت أسمع تفجيرها، لكنّها في تلك اللحظة بدت أبعد من بيروت. للمرّة الأولى كنت أنظر إلى قريتي من الخارج، وأدركت أن الإنسان لا يفكّر عادة في علاقته بالأماكن التي ينتمي إليها طالما يستطيع الوصول إليها. لا نفكّر ونحن ندخل قريتنا أننا “ندخلها”، ولا نتأمّل الطريق باعتباره شيئاً يمنحنا حقّ الوصول، ولا نشعر بالامتياز الكامن في أن يكون المكان الذي نحبّه متاحاً لنا، نحن نصل وحسب. وحين يكون المكان محتلّاً يصبح مقياس الفقدان أثقل، ثمّة خسارة تسبق هدم البيوت أحياناً، تبدأ عندما تتغيّر علاقتك بالمكان، حين يتحوّل من مكان تقف فيه إلى مكان تقف خارجه وتنظر إليه، وهكذا يسقط المنزل ولا يجد من يربّت على كتفيه أو يرتمي بين أحضان ركامه، وهكذا صرنا نقف على الأطلال.

ميس الجبل من مجدل سلم

وأنا أصوّر، كنت أستخدم عدسة الكاميرا 70-200 mm كي أقترب أكثر. كلما اخترت عدسة بزوم أكبر اقتربت ميس أكثر، وصرت أرى الدخان والتفاصيل وأستطيع أن أحدّد تقريباً أين وقع التفجير. لكن هذه المسافة المختصرة كانت تنتهي فور أن أزيح عيني عن العدسة. أخفض الكاميرا فأعود إلى مجدل سلم، وتعود ميس إلى الجهة المقابلة. وما زلت أجده أمراً قاسياً في أن أحتاج إلى عدسة كي أقترب من مكان لم أحتج يوماً إلى النظر إليه من بعيد.

لهذا أسأل نفسي أحياناً: أين توجد ميس الجبل الآن؟ هل هي المكان الموجود فعلياً حيث الاحتلال والبيوت المهدّمة، أم القرية التي يحملها أهلها في رؤوسهم؟ وإذا لم تعودا متطابقتين، فأيّتهما هي ميس؟ لا أعرف. أعرف فقط أن ذاكرتي، مثل ذاكرة كثيرين من أبناء المكان، تحتفظ بجغرافيا قد لا تطابق الجغرافيا الموجودة اليوم، وأن هذا التفاوت سيزداد مع كل بيت يُهدم وكل طريق يتغيّر وكل شجرة تُقتلع. وأن معركتنا تصبح أصعب يوماً بعد يوم بين ما يستطيع الاحتلال تغييره على الأرض وما تستطيع ذاكرتنا الاحتفاظ به مع كل هذا.

عزيزتي ميس

عزيزتي ميس، لم أستطع يومها وأنا أقف على مشارفك أن أراك تتألّمين. لم أعرف كيف أناديك من بلدة أخرى، ولا كيف أراك بهذا القرب ولا أستطيع أن أصل إليك. فوضعت الكاميرا بيننا وصوّرت، أوهمت نفسي أن العدسة تستطيع أن تحميني من فكرة أنك أمامي وأنني عاجزة عن مسح تعبك وقهرك. لم أبكِ وأنا أشاهد إسرائيل تمحو جزءاً جديداً منك، وربما أكتب الآن لأن ما منعته يومها من الوصول إليّ وجد طريقاً آخر قبل أيّام…

ومع ذلك، لا أريد لميس الجبل أن تبقى في رأسي بهذه الصورة، لا أريدها قرية محتلّة فقط، لا أريدها أن تصبح استعارة دائمة عن الفقد والصمود والذاكرة. ولا أريد أن أحتاج في كل مرّة إلى الكتابة عنها كي أثبت أنني منها، ولا أن تتحوّل علاقتي بها كلها إلى رثاء لما كان موجوداً. أريد ميس الجبل عادية مرّة أخرى، أن أختار بنفسي متى ابتعد عنها ومتى أعود مشتاقة هاربة من الحياة إلى حضنها وإلى طيف جدّي. فأنا كما أقول لأهلي وللكبار من حولي “نحن مش متلكن ما منتحمل الاجتياح والوقت يلي تحملتوه”، بعضهم يردّ بالمضحك المبكي “بوقتها بقي ضيع، هلق ما خلّوا شي”.

أريد أن يصبح وجود ميس الجبل بديهياً مرّة أخرى، لا خبراً ولا جبهة ولا نقطة على خريطة عسكرية، ولا أن “أناور” من بلدة أخرى كي أراها. وربما، في المرّة القادمة حين أعود إليها فعلاً، لن أحتاج إلى جملة فلسفية تشرح ما أشعر به، ولن أقف عند مدخلها طويلاً. أريد أن أفعل ما كنّا نفعله قبل أن يصبح الوصول حدثاً أو خبراً عاجلاً، أن أكمل الطريق، آخذ نفساً طويلاً وحسب.

19.09.2026
زمن القراءة: 10 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية