ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عزيزي العالم، ليتنا كنا أرقاما !

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا أظن فعلاً أنه من المجدي بعد اليوم أن نخبر هذا العالم أننا لسنا أعداداً، أو أن نسعى الى أن نثبت إنسانيتنا تجاه ما يخرج عن الطبيعة أو عن الإنسانية.  نعرف ما نعرفه وذلك يكفي كي لا نتساءل بعد اليوم.  

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ بداية الحرب على غزة، تابعت كغيري الحملة الافتراضية التي قام بها شبان وشابات من غزة، وعنوانها “لسنا أرقاما”، في محاولة ما لإقناع هذا العالم بأن حياة الفلسطيني قد يكون لها وزن ما أو ثقل أو معنى بالنسبة الى هذا الأخير. بطبيعة الحال، فإن منظمي هذه الحملة قتلوا في غالبيتهم تباعاً، ومنهم صاحب المبادرة نفسها “لسنا أرقاماً”،  الشاعر والأستاذ الجامعي رفعت العرعير. 

ظلّ أهل غزة يرددون هذه الجملة فيما هم يقتلون يوماً بعد الآخر بالمئات والآلاف حتى قارب رقم القتلى الـ44 ألفاً، بينهم حوالى 18 ألف طفل وطفلة. 

الفكرة الأكثر إيلاما التي  كانت تدور في ذهني لأشهر وليال، تلك التي لم أجرؤ على الكتابة عنها قبل ذلك لفداحة ما تقترحه، هي أننا في لبنان لسنا حتى أرقاماً، ويا ليتنا كنا أرقاماً بالفعل! 

 فللأرقام وزنها في الحروب عموماً ولا بد للقتل أن يتوقف عند رقم معين يفوق حد سفك الدماء السنوي المسموح به في العالم الحديث. للأرقام وزنها ومعناها، وتقترح آلية معينة للقتل المشروع بنظر البعض وحدوداً مرئية له. الأرقام تقترح علينا مثلاً، أن نتوقف عن القتل عند الألف أو الألفين أو الثلاثة آلاف أو الأربعة، طبعاً بحسب سعر صرف ذلك الإنسان المقتول بنظر من يتحكم بآليات القتل، وقد يتأثر ذلك بعرقه وجنسيته وهويته إلخ…. مبادرة ” لسنا أرقاماً” التي قام بها أهل غزة وهم يُقتلون في إبادة، عرضت بأدق تفاصيلها بالبث المباشر، مع أقصى ما تحمله من شعور باليأس والتهميش، هي مبادرة اتضحت في النهاية أنها كانت ضرباً من التفاؤل والإيمان الأعمى بعالم لا يراهم  حتى أرقاماً. من غزة إلى لبنان حيث ناهز عدد الضحايا منذ بدء الحرب الإسرائيلية، الـ 3500 قتيل و قتيلة في آخر تحديث لوزارة الصحة، يمكن القول إننا إزاء آلية القتل الأعمى ذاتها التي تتجه نحو الإبادة الحرة المنهاج ذاتها، المفتوحة على كل سبل سفك الدماء والخراب، بلا أي رقم رادع قد نأمل بأن تتوقف عنده. 

إنها إبادة حتى تجريبية في منحاها، فكما حدث في غزة، نقتل بشتى أنواع الأسلحة الحديثة والمتطورة من الخرق الإلكتروني إلى الفوسفور الأبيض المحرم دولياً إلى قنابل البانكر باستر الخارقة للتحصينات والمنضبة باليورانيوم. وفي خضم ذلك كله، يتسلى في ما يبدو جنود الاحتلال في الجنوب في تفخيخ قرى بكاملها ونسفها. قد يسأل المرء ما الهدف من ذلك كله، وقد تكون الإجابة ببساطة لما لا؟ فإن ما سلمت جيشاً ما مخزوناً من الأسلحة لا ينضب  بلا أي شروط  ولا روادع وبلا تحديد أي رقم قد يتوقف عنده قتلنا المشروع بنظر هؤلاء، فلما لا يتسلى هذا الجيش بتفجير قرانا وبيوتنا ومدننا وحيواتنا، من يحصي أرقاماً ليست موجودة أساساً؟ 

لسنا أفراداً، لسنا أرقاماً، لسنا ضحايا، إذا لم نكن موجودين حتى في نظر هذا العالم البائس فكيف نقتل إذاً من غير أن نوجد؟ دعونا نتذكر أن دولة الاحتلال الإسرائيلي  ومنذ 75 عاماً تقود حرباً ضد شعب شبحي بنظر العالم وهو الفلسطيني. وهي أيضاً مذاك مشغولة ومعها العالم في الدفاع عن نفسها ضد ما تعتبره ويعتبره العالم شعباً شبحياً، تضاف إليه  كل حين رزمة الأشباح  في الأوطان المجاورة ونحن منها. هل يقتلوننا  كي يتأكدوا من وجودنا مثلاً؟ هل نتوقع أن يصل العالم للاعتراف بوجودنا بعد إبادتنا جميعاً؟؟؟ 

نحن أشباح لا ترقص الدبكة فحسب كما شاهد العالم على وسائل التواصل الافتراضي، وتأكل التبولة، بل تتكلم أيضاً بلغة  سامية هي العربية، وهي من أقدم لغات العالم، ولعلّها واحدة من أجملها غير أنه لا داعيَ فعلاً للحديث عن حضارتنا أو عن مدننا وتاريخها وما مر عليها من حيوات وحضارات كصور وبعلبك وصيدا وغيرها، لعالم يدعي قتلنا بإسم  الحضارة  باستثناء أنه لا يخبرنا ما هي سمة تلك الحضارة التي يدافع عنها؟ بخلاف أنها تقوم طبعاً على إلغاء الحضارات الأخرى أو انتحال صفتها في أحوال بديلة. أي كيان هذا الذي يتطلب الدفاع عن وجوده إبادة كل الشعوب والبلدان التي سبقت وجوده بآلاف السنين في المنطقة، ألا يلتفت أحد إلى أن طبيعة وجوده  تخرج عن كل ما هو طبيعي؟ 

ما هو عنوان المعركة فعلاً؟ أهو انتقام العالم الحديث من العالم القديم، ألذلك يمحي جيش الاحتلال مدننا وقرانا وأمكنتنا التاريخية والأثرية  ضمن حرب آلية روبوتية، تبرز كاستعراض مدهش ومرعب لأحدث أشكال العنف  بكل ما وفرته التكنولوجيا المتطورة. بشكل أساسي، هذه هي طبيعة هذه الحرب فعلاً، وعلّ تلك غايتها الأساسية، استعراض العنف والانتشاء به تجاه شعوب لا تملك فعلياً أي منظومة دفاعية. مهرجان هائل وسوريالي للعنف كمثال كل الأفلام الهوليوودية التي شاهدناها عن أبطال من العالم الحديث يتبرعون بتحرير بلدان العالم الثالثة البائسة من عذابها عبر قتل شعوبها. مع صعوبة ما سأكتبه، إلا أنه مفهوم وكأنه يوازي الموت الرحيم الذي تمارسه بعض مؤسسات العناية بالحيوانات الأليفة في بعض دول العالم الحديث، فتعتقل قطط الشوارع وكلابها لتضعها في الملاجئ لعرضها للتبني، ولما تفيض أعدادها، يباشرون بقتل عدد منها. إنها مقارنة رهيبة، لكنها لا تعكس سوى ما يراد به عبر قتلنا على هذا النحو. طبعا كل قتل هو لا إنساني لكنْ هنالك طرق في القتل يراد منها تجريد القتيل من إنسانيته قبل قتله حتى وهذا أحدها!  

لا أظن فعلاً أنه من المجدي بعد اليوم أن نخبر هذا العالم أننا لسنا أعداداً، أو أن نسعى الى أن نثبت إنسانيتنا تجاه ما يخرج عن الطبيعة أو عن الإنسانية.  نعرف ما نعرفه وذلك يكفي كي لا نتساءل بعد اليوم.  

تحضرني في هذه اللحظات شمس صور عند الشاطئ وقت  الظهيرة، في مشهد لا يبدو أن له زمناً وكأنه كان هنا وكنت فيه منذ البدء. يتوسط قرص الشمس السماء حينها فيغمرك بضوئه المهول الذي لا يحتمل، رغم ذلك  كان يحلو لي أن أقف في مواجهته وأن أتقلص أكثر فأكثر في حضرته حتى تصيبني ما هو أشبه بسكرة الضوء، فلا أرى سوى ومضات من ألوان ونقاط ملونة تطوف في بحر العين، حتى أتحول أنا أيضاً إلى نقطة  ضئيلة تدور في فلك الضوء .هو ذلك الضوء الذي يعرف جلدنا نحن أهل المدينة، ويدفئها الآن في وحشتها، وأشلاء قتلاها تحت الردم. إلى ذلك الضوء سنعود مهما كان…

"درج" و "سراج" | 13.02.2026

وثائق تكشف كيف رسم علي مملوك خطة لتضليل التحقيق الدولي باغتيال الحريري

وُجِهت أصابع الاتهام باغتيال رفيق الحريري إلى النظام السوري وحلفائه، وتكشف وثائق من المخابرات السورية أطلع على نسخ رقمية منها "درج" و"الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - سراج" و"زمان الوصل"، عن الخطة الإعلامية التي وضعت لمواجهة الاتهامات، التي أشرف عليها علي مملوك الذي وصف وسائل الإعلام السورية حينها بأنها "في حالة غيبوبة حيال الحدث" الذي يتمثل…
25.11.2024
زمن القراءة: 5 minutes

لا أظن فعلاً أنه من المجدي بعد اليوم أن نخبر هذا العالم أننا لسنا أعداداً، أو أن نسعى الى أن نثبت إنسانيتنا تجاه ما يخرج عن الطبيعة أو عن الإنسانية.  نعرف ما نعرفه وذلك يكفي كي لا نتساءل بعد اليوم.  

منذ بداية الحرب على غزة، تابعت كغيري الحملة الافتراضية التي قام بها شبان وشابات من غزة، وعنوانها “لسنا أرقاما”، في محاولة ما لإقناع هذا العالم بأن حياة الفلسطيني قد يكون لها وزن ما أو ثقل أو معنى بالنسبة الى هذا الأخير. بطبيعة الحال، فإن منظمي هذه الحملة قتلوا في غالبيتهم تباعاً، ومنهم صاحب المبادرة نفسها “لسنا أرقاماً”،  الشاعر والأستاذ الجامعي رفعت العرعير. 

ظلّ أهل غزة يرددون هذه الجملة فيما هم يقتلون يوماً بعد الآخر بالمئات والآلاف حتى قارب رقم القتلى الـ44 ألفاً، بينهم حوالى 18 ألف طفل وطفلة. 

الفكرة الأكثر إيلاما التي  كانت تدور في ذهني لأشهر وليال، تلك التي لم أجرؤ على الكتابة عنها قبل ذلك لفداحة ما تقترحه، هي أننا في لبنان لسنا حتى أرقاماً، ويا ليتنا كنا أرقاماً بالفعل! 

 فللأرقام وزنها في الحروب عموماً ولا بد للقتل أن يتوقف عند رقم معين يفوق حد سفك الدماء السنوي المسموح به في العالم الحديث. للأرقام وزنها ومعناها، وتقترح آلية معينة للقتل المشروع بنظر البعض وحدوداً مرئية له. الأرقام تقترح علينا مثلاً، أن نتوقف عن القتل عند الألف أو الألفين أو الثلاثة آلاف أو الأربعة، طبعاً بحسب سعر صرف ذلك الإنسان المقتول بنظر من يتحكم بآليات القتل، وقد يتأثر ذلك بعرقه وجنسيته وهويته إلخ…. مبادرة ” لسنا أرقاماً” التي قام بها أهل غزة وهم يُقتلون في إبادة، عرضت بأدق تفاصيلها بالبث المباشر، مع أقصى ما تحمله من شعور باليأس والتهميش، هي مبادرة اتضحت في النهاية أنها كانت ضرباً من التفاؤل والإيمان الأعمى بعالم لا يراهم  حتى أرقاماً. من غزة إلى لبنان حيث ناهز عدد الضحايا منذ بدء الحرب الإسرائيلية، الـ 3500 قتيل و قتيلة في آخر تحديث لوزارة الصحة، يمكن القول إننا إزاء آلية القتل الأعمى ذاتها التي تتجه نحو الإبادة الحرة المنهاج ذاتها، المفتوحة على كل سبل سفك الدماء والخراب، بلا أي رقم رادع قد نأمل بأن تتوقف عنده. 

إنها إبادة حتى تجريبية في منحاها، فكما حدث في غزة، نقتل بشتى أنواع الأسلحة الحديثة والمتطورة من الخرق الإلكتروني إلى الفوسفور الأبيض المحرم دولياً إلى قنابل البانكر باستر الخارقة للتحصينات والمنضبة باليورانيوم. وفي خضم ذلك كله، يتسلى في ما يبدو جنود الاحتلال في الجنوب في تفخيخ قرى بكاملها ونسفها. قد يسأل المرء ما الهدف من ذلك كله، وقد تكون الإجابة ببساطة لما لا؟ فإن ما سلمت جيشاً ما مخزوناً من الأسلحة لا ينضب  بلا أي شروط  ولا روادع وبلا تحديد أي رقم قد يتوقف عنده قتلنا المشروع بنظر هؤلاء، فلما لا يتسلى هذا الجيش بتفجير قرانا وبيوتنا ومدننا وحيواتنا، من يحصي أرقاماً ليست موجودة أساساً؟ 

لسنا أفراداً، لسنا أرقاماً، لسنا ضحايا، إذا لم نكن موجودين حتى في نظر هذا العالم البائس فكيف نقتل إذاً من غير أن نوجد؟ دعونا نتذكر أن دولة الاحتلال الإسرائيلي  ومنذ 75 عاماً تقود حرباً ضد شعب شبحي بنظر العالم وهو الفلسطيني. وهي أيضاً مذاك مشغولة ومعها العالم في الدفاع عن نفسها ضد ما تعتبره ويعتبره العالم شعباً شبحياً، تضاف إليه  كل حين رزمة الأشباح  في الأوطان المجاورة ونحن منها. هل يقتلوننا  كي يتأكدوا من وجودنا مثلاً؟ هل نتوقع أن يصل العالم للاعتراف بوجودنا بعد إبادتنا جميعاً؟؟؟ 

نحن أشباح لا ترقص الدبكة فحسب كما شاهد العالم على وسائل التواصل الافتراضي، وتأكل التبولة، بل تتكلم أيضاً بلغة  سامية هي العربية، وهي من أقدم لغات العالم، ولعلّها واحدة من أجملها غير أنه لا داعيَ فعلاً للحديث عن حضارتنا أو عن مدننا وتاريخها وما مر عليها من حيوات وحضارات كصور وبعلبك وصيدا وغيرها، لعالم يدعي قتلنا بإسم  الحضارة  باستثناء أنه لا يخبرنا ما هي سمة تلك الحضارة التي يدافع عنها؟ بخلاف أنها تقوم طبعاً على إلغاء الحضارات الأخرى أو انتحال صفتها في أحوال بديلة. أي كيان هذا الذي يتطلب الدفاع عن وجوده إبادة كل الشعوب والبلدان التي سبقت وجوده بآلاف السنين في المنطقة، ألا يلتفت أحد إلى أن طبيعة وجوده  تخرج عن كل ما هو طبيعي؟ 

ما هو عنوان المعركة فعلاً؟ أهو انتقام العالم الحديث من العالم القديم، ألذلك يمحي جيش الاحتلال مدننا وقرانا وأمكنتنا التاريخية والأثرية  ضمن حرب آلية روبوتية، تبرز كاستعراض مدهش ومرعب لأحدث أشكال العنف  بكل ما وفرته التكنولوجيا المتطورة. بشكل أساسي، هذه هي طبيعة هذه الحرب فعلاً، وعلّ تلك غايتها الأساسية، استعراض العنف والانتشاء به تجاه شعوب لا تملك فعلياً أي منظومة دفاعية. مهرجان هائل وسوريالي للعنف كمثال كل الأفلام الهوليوودية التي شاهدناها عن أبطال من العالم الحديث يتبرعون بتحرير بلدان العالم الثالثة البائسة من عذابها عبر قتل شعوبها. مع صعوبة ما سأكتبه، إلا أنه مفهوم وكأنه يوازي الموت الرحيم الذي تمارسه بعض مؤسسات العناية بالحيوانات الأليفة في بعض دول العالم الحديث، فتعتقل قطط الشوارع وكلابها لتضعها في الملاجئ لعرضها للتبني، ولما تفيض أعدادها، يباشرون بقتل عدد منها. إنها مقارنة رهيبة، لكنها لا تعكس سوى ما يراد به عبر قتلنا على هذا النحو. طبعا كل قتل هو لا إنساني لكنْ هنالك طرق في القتل يراد منها تجريد القتيل من إنسانيته قبل قتله حتى وهذا أحدها!  

لا أظن فعلاً أنه من المجدي بعد اليوم أن نخبر هذا العالم أننا لسنا أعداداً، أو أن نسعى الى أن نثبت إنسانيتنا تجاه ما يخرج عن الطبيعة أو عن الإنسانية.  نعرف ما نعرفه وذلك يكفي كي لا نتساءل بعد اليوم.  

تحضرني في هذه اللحظات شمس صور عند الشاطئ وقت  الظهيرة، في مشهد لا يبدو أن له زمناً وكأنه كان هنا وكنت فيه منذ البدء. يتوسط قرص الشمس السماء حينها فيغمرك بضوئه المهول الذي لا يحتمل، رغم ذلك  كان يحلو لي أن أقف في مواجهته وأن أتقلص أكثر فأكثر في حضرته حتى تصيبني ما هو أشبه بسكرة الضوء، فلا أرى سوى ومضات من ألوان ونقاط ملونة تطوف في بحر العين، حتى أتحول أنا أيضاً إلى نقطة  ضئيلة تدور في فلك الضوء .هو ذلك الضوء الذي يعرف جلدنا نحن أهل المدينة، ويدفئها الآن في وحشتها، وأشلاء قتلاها تحت الردم. إلى ذلك الضوء سنعود مهما كان…

25.11.2024
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية