أثار خبر تخرّج الدورة الثانية لأئمة وزارة الأوقاف من الأكاديمية العسكرية جدلًا واسعًا في الأوساط الدينية والسياسية بمصر، وفتح الباب أمام موجة من الاتهامات بعسكرة الأزهر، وتديين المؤسسات المدنية، وتجييش الشيوخ. ففيما احتفت السلطة بالمبادرة باعتبارها نقلة نوعية في “تدريب الأئمة لمواجهة الفكر المتطرف وتجديد الخطاب الديني”، عبّر عدد من الأزهريين والباحثين في الشأن الديني عن قلقهم مما وصفوه بـ”تداخل غير مبرر” بين الدور الدعوي والنهج الأمني، ما يهدد استقلالية المنابر الدينية ويفرض وصاية جديدة على الخطاب الإسلامي.
تطرح هذه الخطوة إشكالية الوصاية الأمنية على الخطاب الديني بوصفها الحل الوحيد لردع الخطاب المتطرف، فهل يحتاج الإمام إلى الانضباط العسكري كي يُجدد خطابه الديني؟ وهل يصبح أكثر قدرة على مواجهة الفكر المتطرف إذا ما خضع لتدريبات في الأكاديمية العسكرية؟ أم أن تجديد الخطاب الديني يبدأ أولاً من فتح باب الاجتهاد، واستقلال المؤسسة الدينية عن السلطة، ومنح الأئمة حرية التفكير لا تلقينهم أدوات السيطرة والانضباط؟ وهل بإمكان الإمام أن يكون ناطقاً باسم الدولة والمجتمع في آنٍ، أم أن أحد الصوتين سيعلو على الآخر؟
ما تفاصيل الدورة التدريبية؟
في إطار المبادرة التأهيلية للموظفين بالدولة، خضع 550 إماماً من وزارة الأوقاف لتدريب مكثف دام 6 أشهر بالأكاديمية العسكرية، ضمن برنامج يستهدف تعزيز كفاءاتهم الدعوية والعلمية والسلوكية.
داخل الأكاديمية، تلقى الأئمة تدريبات عسكرية مشابهة لروتين الجنود، الذين يصطفون في طابور صباحي في الرابعة فجراً، وتمارين رياضية صارمة، ومحاضرات تمتد حتى الثانية ظهراً. تضمن التدريب حمل السلاح والتدريب على التصويب باستخدام طلقات غير حيّة، مع نظام صارم يحظر الإجازات والاتصالات في الشهر الأول.
بحسب تصريحات اللواء سمير فرج، القائد العسكري السابق والخبير الاستراتيجي، في حديثه مع “درج”، فإن مبادرة تأهيل الموظفين في الأكاديمية العسكرية بدأت قبل أربع سنوات، وكانت البداية مع الموظفين الجدد الملتحقين بوزارة الخارجية، حيث خضعوا لتدريب يشمل كتابة الخطابات الرسمية والمذكرات، إلى جانب تعريفهم بقضايا الأمن القومي المصري.
وأشار الخبير العسكري إلى شطب حوالى 5 في المئة من المعينين بالنيابة أثناء الاختبارات، بعد ثبوت عدم لياقتهم الطبية.
انتقادات طاولت المبادرة واتهامات بالعسكرة
لاقت احتفالية تخريج دفعة الأئمة المتدربين بالأكاديمية العسكرية، انتقادات عدة. فالإعلامي المعروف حافظ الميرازي، اعتبر أنها خطوة غير مسبوقة نحو عسكرة الوظائف المدنية، بما في ذلك المؤسسة الدينية. وأشار الميرازي إلى أنه حتى في فترات التعبئة العامة بعد نكسة 1967، لم تُفرض تدريبات عسكرية على خريجي الكليات المدنية كشرط لتولي وظائف مدنية مثل التدريس أو الوعظ.
ويرى الميرازي أن هذا التوجه يشبه أنماط التعبئة في “ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية”، والمفارقة أن النشاط العسكري في مصر يُحوَّل بالتوازي إلى مشروعات تجارية مدنية. وذكر أن “التداخل بين العسكري والمدني لا تفسير عقلاني له، إلا إذا كان تمويهاً داخلياً خطيراً يستنزف المجتمع بدلاً من حماية الدولة من أعدائها”.
بدوره علق علي أحمد سلمان، المحامي والباحث بمركز النيل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية (قسم الحركات الإسلامية سابقًا)، بأن إخضاع الأئمة لتدريبات داخل مؤسسة عسكرية لا يمكن فصله عن تجارب إقليمية سابقة، أبرزها تجربة السودان خلال حقبة حكم عمر البشير، والتي انتهت بما يسميه بـ”التماهى العضوي” بين السلطتين الدينية والعسكرية. يقول سلمان: “في السودان، لم تكن عسكرة المدنيين مجرد أداة للضبط الأمني، بل كانت مدخلاً لتأسيس دولة ثيوقراطية عسكرية، تماهى فيها الإسلامي مع العسكري، حتى غدت المؤسسات الأمنية والدينية وجهين لسلطة واحدة”.
ويتابع حديثه لـ “درج” قائلاً : “هذا التداخل ساهم مباشرةً في انقسام السودان إلى شمال وجنوب عام 2011، وفق ما توثقه الأمم المتحدة، ثم تصاعدت الميليشيات مثل قوات الدعم السريع، لتقود لاحقًا إلى انقسام داخلي أعمق في شمال السودان نفسه بين شرق وغرب، وسط هشاشة الدولة المركزية وتآكل سلطتها”.
ويحذر الباحث من أن الخطوة المصرية الحالية قد تُعيد إنتاج النموذج السوداني، عبر عسكرة رمزية أو فعلية للمجال الديني، بما يشكل ما يسميه بـ”تديين مؤسسات الدولة”، وهو تحول خطير إذا تم من دون رؤية استراتيجية شاملة لإصلاح المجتمع من جذوره.
كما يطرح سلمان معضلة جوهرية: “هل نحن بصدد تدريب الأئمة على قواعد الأمن القومي؟ أم بصدد إعادة تشكيل وعيهم الديني وفقًا لمحددات عسكرية؟”، مشيرًا إلى غياب الوضوح في الجهات المنوط بها تقديم هذه التدريبات: “هل المدرّبون هم رجال من هيئة الشؤون المعنوية أم من مشايخ الأزهر؟ وعلى أي أساس سيتم التقييم؟”.
ويعزز شكوكه قائلاً: “طالما أن وظيفة الإمام مدنية، فما الداعي لإخضاعه لبرنامج ذي طابع عسكري؟”، مستشهدًا بأن كل تعيين جديد في وزارة الأوقاف يخضع لفحص أمني دقيق عبر جهاز الأمن الوطني، وهو ما يضمن الرقابة من الأساس.
ويشير أيضًا إلى أن البيئة التعليمية الدينية في مصر نفسها شهدت تحولات لافتة: “في عام 2018، كنت أدرّس في كلية دار العلوم كخبير خارجي. كانت الدفعة تضم 4,000 طالب، مقابل هيئة تدريس محدودة، بينما بعد 7 سنوات، انخفض العدد إلى 63 فقط. وهذا يعكس تحوّلاً رقابيًا قويًا، خصوصًا بعدما وُصفت هذه الكليات بأنها كانت حاضنًا لأفكار سلفية متطرفة”.
ويختم مداخلته لـ”درج” محذرًا: “الذي يتلقى تدريبات متضاربة مع ما تعلمه في الأزهر، ويُطلب منه اعتناق خطاب ديني مختلف، من دون نقاش علمي، سيشعر حتمًا بالاغتراب الفكري وربما السخط. نحن بحاجة إلى خطة شاملة لتغيير المجتمع ثقافيًا ومعرفيًا، لا إلى حلول فوقية ذات طابع أمني”.
السياسي المعارض وأستاذ الجيولوجيا يحيى القزاز اتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي بدفع مؤسسات الدولة نحو العسكرة، في تعليقه على مبادرة تدريب أئمة وزارة الأوقاف داخل الأكاديمية العسكرية. وأشار القزاز إلى تصاعد ظاهرة تعيين قيادات عسكرية في مواقع مدنية، ساخراً مما وصفه بـ”اللواء الطبيب، واللواء المهندس، واللواء الإمام”، معتبراً أن هذا التوجه قد يمتد لاحقاً ليشمل مناصب دينية وتعليمية كشيخ الأزهر ووزير الأوقاف ورئيس الجامعة. ورأى أن عسكرة الوظائف المدنية باتت من أبرز ملامح المرحلة الحالية، قائلاً إن “ما يحصل لم يتبقّ له سوى الإعلان الرسمي”.
إقرأوا أيضاً:
لماذا يرفض مدنيون تدريبات الأكاديمية العسكرية؟
يرى أحمد سامر، مؤسس حركة علمانيون، أن إدخال المدنيين إلى منظومة تدريبية ذات طابع عسكري يشكّل اضطرابًا واضحًا في الهيكل الإداري للدولة، إذ من المفترض أن يظل الموظف المدني خاضعًا لآليات مدنية في التأهيل والتعيين، بعيدًا عن الانضباطات العسكرية. ويضيف أن قسم الولاء الذي يُفرض ضمن هذه التدريبات يترك انطباعًا سلبيًا لدى المواطنين، ويعكس – برأيه – حالة من التخبط في القرارات السياسية الراهنة.
ويحذر سامر من أن النظرة الشمولية التي تتبنّاها الإدارة السياسية في التعامل مع مفاصل الدولة، أدت إلى حالة من الجمود امتدت إلى قطاعات السياسة والاقتصاد وحتى الفكر والفن، معتبرًا ذلك انعكاسًا لفشل تنظيمي أوسع.
ويتابع أثناء حديثه مع “درج” بالقول: “إنّ نقل المدنيين إلى ساحة التدريب العسكري يُفضي إلى ترسيخ النزعة الأمنية في الإدارة، ما قد يفتح الباب لتعيين عناصر غير مؤهلة على أسس الولاء بدلاً من الكفاءة”.
ويعرب عن خشيته من أن يكون هذا التوجه خطوة نحو ترسيخ “عصر الولاء”، على حساب مبادئ الجدارة والاستحقاق، مشدداً: “صحيح أن الجيش مؤسسة وطنية قوية، لكن لا بد أن تكون كل مؤسسات الدولة على القدر نفسه من الكفاءة والانضباط. اختزال مفهوم الوطنية والانضباط في المؤسسة العسكرية فقط يخلّ بتوازن الدولة ومتانتها”.
يرفض مؤسس “حركة علمانيون”، ما أسماه “الزج بالمؤسسة العسكرية في الإدارة المدنية”، مؤكدًا أن وظيفة الجيش يجب أن تظل محصورة في الدفاع عن حدود البلاد، وأن إشراكه في تدريب المدنيين لا ينسجم مع أساليب الإدارة الحديثة، بل يُعد – في تقديره – إهدارًا للمال العام. ويضيف: “نحن أمام تكاليف باهظة تشمل الإعاشة، الملابس، أماكن الإقامة، الكوادر التدريبية، والاحتفالات، وذلك كله من دون أن نعرف على وجه الدقة العائد الحقيقي من هذه البرامج. كما أنّ زرع مفاهيم الأمن والانضباط العسكري في عقول المتدربين المدنيين يعكس توجهًا شموليًا خطيرًا يُكرّس الولاء بديلاً عن الكفاءة”.
الدولة المصرية تسيطر على الأزهر: من عبد الناصر إلى الآن
تشير دراسة صادرة عن مركز الحضارة للدراسات والبحوث إلى أن جمال عبد الناصر سيطر على الأزهر باعتباره أداة لاحتكار المشروعية الدينية، بعد إقصاء الجماعات والتنظيمات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، من الحياة السياسية. أدى ذلك إلى تحويل دور الأزهر لدعم النظام الحاكم، وأعقبته قرارات مهمة مثل تأميم الأوقاف عام 1953 وإلغاء المحاكم الشرعية واستبدالها بالنظام القضائي المدني.
وفي كتابه “الأزهر.. الشيخ والمشيخة”، يؤكد حلمي النمنم، وزير الثقافة المصري الأسبق، أن الرؤساء عبد الناصر والسادات ومبارك وظّفوا الأزهر لخدمة أجنداتهم السياسية داخليًا وخارجيًا، ما أضعف مكانته وصورته أمام الرأي العام. ولفت إلى أن السادات دفع بالأزهر الى إصدار فتاوى ضد الشيوعية، ما أسفر عن نشر كتب ودراسات تكفّر الاشتراكية وتدين الاشتراكيين.
أما في عهد مبارك، فيشير النمنم إلى أن الشيخ محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق، انخرط في دعم الحزب الوطني وهاجم معارضيه، كما كتب مقالات تنتقد الصحافة والصحافيين وتدينهم دينيًا، معتبرًا إياهم مروجين لشائعات توريث الحكم لعائلة مبارك.
ومع ظهور مبادرات مثل تدريب وتأهيل الأئمة في الأكاديمية العسكرية، يظهر أن الدولة لا تزال ترى الأزهر ورجاله، كجزء من بنيتها المؤسسية التي يجب أن تكون متماشية مع تصوراتها للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.











