لم تكن مشاركة عشائر بدو السويداء في أحداث تمّوز/ يوليو 2025 عرضاً ثانوياً في مشهد العنف، بل كانت في صلب العمليّات العسكرية والأمنية التي اعتمدتها “الإدارة الانتقالية”، التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام”، لمهاجمة المحافظة ذات الغالبية الدرزية.
عدد أفراد عشائر البدو في السويداء أقلّ من 6 في المئة من سكّان المحافظة البالغ عددهم 650 ألف نسمة، يقطنون في محيط البلدات والقرى والمدن الدرزية، ولديهم شبكة زعامات متداخلة. هذه البنية العشائرية جرى توظيفها في القتال إلى جانب وزارتي الدفاع والداخلية في “الإدارة الانتقالية” ضدّ المناطق الدرزية.
أعمال العنف الممنهجة تلك، حملت طابعاً إبادياً ضدّ الأقلّية الدرزية، وتسبّبت خلال بضعة أيّام، في تدمير 34 قرية، ومقتل قرابة ألفَيين و150 ألف نازح، حسب مصادر محليّة إذ لم تصرح حكومة دمشق عن عدد القتلى إلى الآن، كما حرمت المنطقة من مقوّمات العيش. في قلب هذا المسار، نرى كيف جرت عمليّة دمج العنف العشائري، والنزاعات الأهلية، ضمن أدوات القمع الرسمية لـ”الإدارة الانتقالية”، ضدّ مجتمع ذي خصوصية إثنيّة يعيش في منطقة استقرار حضرية.
عشائر بدو السويداء
في السويداء مجموعة من العشائر البدوية، بعضها يسكن في مناطق حضرية، وبعضها الآخر يعيش حياة الترحال. تعداد عشائر البدو، بحسب آخر إحصاء رسمي صدر عن محافظة السويداء نهاية العام 2023، لا يزيد على 35 ألف نسمة، من أصل نحو 650 ألف من سكّان المحافظة. ما يقارب نصف هؤلاء يقطنون مناطق حضرية، ونصفهم الآخر يعيشون حياة الترحال غير المستقرّة.
معظم المناطق الحضرية التي تسكنها العشائر، هي عبارة عن أحياء عشوائية غير منظّمة، على أطراف المدن والقرى، مثل المقوس، المشورب، الحروبي، رجم الزيتون والشقراوية، التي تحيط بمدينة السويداء. أمر مماثل في قرى المزرعة وعريقة، حيث توجد أحياء للبدو وأخرى للدروز. أيضاً هناك قرى خاصّة بالبدو مثل المنصورة والبستان.
لجهة الانتماء العشائري، تنقسم عشائر السويداء بشكل رئيسي إلى شنابلة يتزعمهم الشيخ سعود نايف النمر، وجوابرة يتزعمهم أبو بشّار غالب الفهيد، وقلّة من المساعيد. في قرى المزرعة وبلداتها، عريقة وريف السويداء الغربي، توجد أيضاً عشائر آخرى مثل الحواسنة التي يتزعّمها صقر الحواسنة. في قرية البستان تقطن عشيرة العمور، وهي وافدة من حمص، ويتزعّمها جامل البلعاس.
كلّ منطقة بدوية في المحافظة، إن كانت عشوائية، حياً أو قرية، مختلطة أو صافية، لها دينامياتها المحلّية الخاصّة وزعاماتها ووجهائها، وعائلاتها، ومجموعاتها المسلّحة، وعصاباتها. بعض هذه المناطق تسكنها عشيرة واحدة، وبعضها مختلط، ما يزيد من تعقيد فهم الديناميات المحلّية.
مثلاً، حي الحروبي في مدينة السويداء تقطنه عشيرة الجوابرة، بينما الشقراوية أغلبها من الجوابرة ونسبة من الشنابلة. في بلدة المزرعة، يخفّ العامل العشائري لصالح العامل العائلي، والبدو هناك يُعرفون بعوائلهم لا بعشائرهم. بالإضافة إلى هذه الخريطة العشائرية المعقّدة داخل السويداء، تقطن عشائر المدالجة، والسلوط، والبياضين والشرّعة في منطقة اللجاة البركانية، الفاصلة بين ريفي السويداء الغربي وريف درعا الشرقي، من جهة الشمال.
نزاع بين البدو والدروز؟
في أيّار/ مايو 2025، نصبت مجموعة من “الأمن العامّ” من عشائر بدو المطلّة، وهم من عشيرة النعيم، التابعة لوزارة الداخلية حاجزاً على طريق دمشق- السويداء بعد حملة “بدنا نبيد الدرزية” التحريضية ضدّ الدروز، التي ترافقت مع هجمات عسكرية مسلّحة ضدّ مجتمعات الدروز في ريف دمشق، وانتهت بتهجير بعض العائلات الدرزية في أشرفية صحنايا، وسيطرة “الأمن العامّ” على جرمانا وصحنايا.
الحاجز استُخدم كأداة سياسية للابتزاز والعقاب الجماعي لدروز السويداء الرافضين للاندماج في مشروع دولة “الإدارة الانتقالية”. هذه الانتهاكات أشعلت دائرة خطف متبادل بين البدو والدروز، ضمن مدينة السويداء، بعد حادثة تعذيب تاجر درزي على حاجز المطلّة، في نهاية الأسبوع الأول من تمّوز/ يوليو الحالي.
بعدها، خطفت مجموعة درزية مسلّحة مجموعة من عشائر بدو قرية المقوس الملاصقة لمدينة السويداء. لتردّ مجموعة من عشائر المقوس بنصب حاجز على طريق السويداء- ظهر الجبل، وتخطف مجموعة من الدروز المارّين وأغلبهم من الفلاحين. المجموعة المسلّحة من المقوس، من الشنابلة، هي عبارة عن عصابة مسلّحة تابعة لـ”تجمّع عشائر الجنوب”، الذي يقوده الشيخ راكان الخضير رجل الأعمال السوري- الأردني، الذي يتردّد اسمه دائماً في قضايا تهريب المخدّرات عبر الحدود.
الشيخ الخضير، تمكّن من تجنيد بضع مئات من مقاتلي عشائر السويداء بعد سقوط النظام، عبر الضابط المنشقّ حسام الكراشي القائد العسكري الفعلي للتجمّع. الكراشي كان من أعضاء “لواء العمري” المتشدّد في درعا خلال الحرب السورية، وحالياً منتسب إلى وزارة الدفاع.
وجهاء عشائر بدو السويداء، خاصّة الشنابلة والجوابرة، رفضوا هيمنة الخضير المستحدثة والعابرة للعشائر، واعتبروه تهديداً لهم، وأصدروا بيانات مندّدة. لكنّ الاغراءات المالية التي قدّمها الخضير لعبت دوراً مهمّاً في استقطاب المقاتلين، خاصّة من ذوي الخلفيّات العصابوية وأصحاب السوابق. حاول التجمّع ضمّ المجنّدين له ككتلة واحدة إلى وزارة الدفاع، لكنّ ذلك لم ينجح، من دون سبب مفهوم، ويبدو أن التنسيق يقوم حالياً بين التجمّع وجهاز “الاستخبارات” الناشئ في سوريا، ولا يمرّ عبر وزارة الدفاع.
التجمّع نسج علاقات وطيدة مع “الشيخ” الدرزي سليمان عبدالباقي من مدينة السويداء، ومجموعته المسلّحة “تجمّع أحرار الجبل”، وأيضاً مع “الشيخ” الدرزي ليث البلعوس في بلدة المزرعة، ومجموعته المسلّحة المنشقّة عن “قوّات شيخ الكرامة”. مجموعتا عبد الباقي والبلعوس تتبعان لوزارة الداخلية، ولا يتجاوز عدد أعضاء كلّ منهما بضع عشرات. مجموعة ليث البلعوس، تضمّ دروزاً وبدواً من بلدة المزرعة، وغالبيتهم من أصحاب السوابق والمتورّطين في أعمال العصابات، خاصّة الخطف للفدية، وتهريب الأسلّحة، وتجارة المخدّرات.
في ليل 14 تمّوز/ يوليو، ورغم التوصّل إلى اتّفاق على تبادل المخطوفين الدروز والبدو، على خلفيّة أحداث المقوس، شنّت قوّات الوزارتين عمليّة عسكرية مسلّحة، انطلاقاً من ريف درعا الغربي، باتّجاه بلدة المزرعة، ومنها إلى كلّ المناطق التي تقطنها العشائر في ريف السويداء الغربي، حيث لعب تجمّع عشائر الجنوب دوراً بالغ الخطورة، في القتال والإرشاد.
أي أن اختراق ريف السويداء الغربي، تمّ عبر محاور مرّت حصراً في تجمّعات العشائر وقراها. هذا الاختراق خارج خطوط التماس السابقة، لم يكن متوقّعاً لدى الفصائل الدرزية. عمليّة الاختراق سهّل لها ليث البلعوس وجماعته المسلّحة في بلدة المزرعة، عبر تطمين الأهالي بأن خطراً لن يمسّهم، وإرشاد القوّات المهاجمة عبر الطرق الزراعية الفرعية. ومن المزرعة، انتقلت القوّات المهاجمة باتّجاه بضعة محاور، أبرزها إلى قرية المنصورة، ومنها إلى الشقراوية، اللتين تقطنهما عشائر البدو، شمال غرب مدينة السويداء.
ومن هناك، تمكّنت قوّات الوزارتين من اقتحام بعض أحياء المدينة، وارتكاب مجازر جماعية بحقّ المدنيين، بينما قوّات العشائر المسلّحة التابعة لتجمّع عشائر الجنوب، ساهمت بفتح جبهات إشغال في محيط مدينة السويداء، لتشتيت المقاتلين الدروز.
ولم يشفع لبلدة المزرعة أن ليث البلعوس سلّمها دون قتال، وفتح منها طريقاً للقوّات المهاجمة باتّجاه مدينة السويداء. إذ إن البلدة تعرّضت للاستباحة، وتعرّض كلّ من بقي فيها من السكّان للخطف أو القتل، ونُهبت جميع بيوتها وحُرقت.
في 16 تمّوز/ يوليو 2025، ونتيجة صمود المقاومة الشعبية في السويداء، والقصف الإسرائيلي الذي استهدف مبنى قيادة الأركان وبعض أرتال القوّات المهاجمة، انسحبت قوّات وزارتي الدفاع والداخلية من بعض محاور القتال. مباشرة بعد ذلك، انتقلت الإدارة الانتقالية، إلى تنفيذ الخطّة البديلة، عبر تقديم عرض حيّ ومباشر لسلاحها الجديد: العشائر، لتستكمل الهجمات على الحواضر الدرزية، وترتكب أعمال عنف ممنهجة.
الذريعة هذه المرّة، كانت وجود ما تصفه العشائر أسرى ومخطوفين من عشائر السويداء لدى الدروز، ووقوع انتهاكات بحقّهم. وبالفعل وقعت انتهاكات بحقّ العشائر ارتكبتها بعض الأطراف الدرزية، سقط فيها نحو 20 قتيلاً من المدنيين من عشائر البدو في مدينة شهبا. هذه الانتهاكات هي جرائم عنف مدانة، حتى لو وقعت بشكل غير ممنهج، وحتى لو تمّ تطويقها محلّياً. وقد صدر في هذا الخصوص بيان من الرئاسة الروحية للدروز، بتحريم التعدّي على المدنيين والأبرياء من العشائر، خاصّة ممن لم يتورّط في القتال ضدّ الدروز.
بينما عشائر بدو المقوس، الذين شاركوا بفعّالية في المعارك، والقنص، والإشغال، وممّن وصلت إليهم قوّات وزارة الداخلية، فقد نزحوا مباشرة من المنطقة بعد انسحاب قوّات الوزارتين، باتّجاه شرق السويداء. أمر مماثل وقع في حيّ المشورب في مدينة السويداء، الذي شاركت فيه عصابة مشهورة بالقتال إلى جانب قوّات الإدارة الانتقالية. نظرة مقرّبة على حيّ المشورب، قد توضح ديناميات معقّدة محلّية في البنية العشائرية. إذ تسيطر على الحيّ الذي يسكنه بضع مئات، عصابة أبرز أعضائها صافي أبو ثليث وأحمد الشيخة. هذه العصابة نقلت ولاءها خلال سنوات الحرب السورية، من “حزب الله”، إلى المخابرات السورية، إلى داعش، لينتهي بها الأمر أخيراً مع “تجمّع عشائر الجنوب”.
هذه العصابة تُعتبر المسؤول الأهم عن تخزين المخدّرات والأسلّحة وتهريبهما عبر الحدود السورية الأردنية. قُبيل سقوط نظام الأسد، كانت المخابرات الجوّية، قد ألقت القبض على أحمد الشيخة، بعدما نَقَلَ خليّة من “تنظيم الدولة الإسلامية” إلى مدينة السويداء بغرض تنفيذ عمليّات انتحارية. الشيخة خرج من الاعتقال مع سقوط نظام الأسد.
من جانب آخر، تصرّ عشائر الفزعة العربية، على عدم مغادرة محافظة السويداء قبل “تحرير” كامل العشائر “المخطوفة” لدى الدروز، على حدّ وصفها. وظهر كثير من قادة عشائر الفزعة، يتحدّون فيها رئيس “الإدارة الانتقالية” بأن عدم “تحرير العشائر”، يعني أنهم سيواصلون القتال. وذلك، يحقّق رغبة لدى غالبية الدروز، بتحييد المشاحنات الدورية بين الطرفين، التي لطالما تفجّرت خلال السنوات الماضية على شكل أعمال خطف متبادلة طالما هدّدت السلم الأهلي، خاصّة بعد مشاركة العشائر في القتال ضمن “تجمّع عشائر الجنوب”.
ومن اللافت، أن الاتّفاق الذي توصّل إليه المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس برّاك، سفير الولايات المتّحدة في أنقرة يوم 16 تمّوز/ يوليو الحالي، برعاية سعودية تركية أردنية، نصّ في أحد بنوده، على “إخلاء” عشائر بدو السويداء من معبرين بين السويداء ودرعا.
وبالفعل، بدأت الأعمال القتالية بالتراجع، مع بدء تطبيق عمليّة الإخلاء، بخروج عشائر مدينة شهبا في البداية، ثم 400 شخص من عشائر بلدة الكفر في 24 تمّوز/ يوليو الحالي، رغم أنهم لم يشاركوا في القتال.
تكشف أحداث تمّوز/ يوليو 2025 عن معادلة قسرية اعتمدتها “الإدارة الانتقالية”: الجمع بين قوّاتها الرسمية، والعلاقات العشائرية لتطويع السويداء. فبعد فشل قوّات الوزارتين في التوغّل، أُطلقت خطّة بديلة باستدعاء عشائر لا صلة نسب لها بالمحافظة، واستُخدمت لتحريضهم وحشدهم ما تصفه بـ”مظالم” وقعت على عشائر السويداء.
في الخلفيّة، يَظهر تشابك مصالح بين أجهزة “الإدارة الانتقالية” وزعامات عشائرية على امتداد سوريا، و”تجمّع عشائر الجنوب”، لاستغلال العصبية العشائرية وتحويلها إلى وسائل عسكرية وأمنية: من حاجز المطلّة، عصابة المقوس، وعشائر ريف السويداء الغربي، وعشائر مدينة السويداء، التي سهّلت تنفيذ الهجوم، وتمرير الأرتال، وإرباك خطوط الدفاع الدرزية. غلبة العصابات المموّلة والسلاح المنفلت قوّضا أي رصيد للتعايش، ورسّخا نمطاً من الحملات العشائرية على مبدأ الغزوة، واستباحة مناطق الاستقرار الحضرية، بغرض الإخضاع السياسي.











