ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عشائر مسلحة وترسل مقاتلين إلى السويداء: وادي خالد تعيد فتح ملف قتال اللبنانيين في سوريا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يحدث في وادي خالد ليس مجرد قصة شبّان فقراء انجرفوا إلى القتال في بلد مجاور بدوافع عشائرية وطائفية فقط، بل هو مرآة عاكسة لهشاشة البنية اللبنانية بكل مستوياتها: الأمنية، الاقتصادية، والسيادية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في حي الصوالحة وسط بلدة وادي خالد العكارية، على الحدود الشمالية للبنان مع سوريا، ترتفع صورة عملاقة للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع. ليست هذه الصورة سوى واحدة من عشرات الدلائل البصرية التي تعكس تحوّل البلدة إلى ساحة تأييد علني للنظام السوري الجديد، إذ ترفرف الأعلام السورية الحديثة على شرفات المنازل، وتختلط المشاعر بالاستنفار العشائري، لا سيما بعد تشييع الشاب محمد مليحان (25 عامًا)، الذي عبر الحدود للقتال في السويداء.

يتردد هنا أن محمد مليحان واحد من عشرات الشبان من أبناء العشائر في وادي خالد، ممن لبّوا نداء “النفير العام” الذي أطلقته العشائر العربية في لبنان بعد الاشتباكات بين مسلّحين دروز وآخرين من البدو في محافظة السويداء للقتال مع العشائر السورية.

“نحن رهن إشارة الشرع”

في حي الرامة، وأثناء تشييع مليحان، تكدّس المسلحون بأزيائهم العشائرية، يحمل بعضهم الأسلحة النارية…  وحين يُسأل أحد الشبان المقنّعين عن موقفه من الشرع، يرد قائلاً:
“كلنا هون مع سوريا ومع القائد أحمد الشرع. عالقليلة سني متلنا، والضفر ما بيطلع من اللحم”.
هنا يتدخل شاب آخر بغضب: “بكلمة من الشرع منجمعلو ألوف. والدولة اللبنانية شو قدمت النا؟ مدرسة محترمة؟ شغل؟ خليها تسكت”.

جغرافيا منفلتة وحدود رخوة

على الطريق من طرابلس إلى وادي خالد، تستغرق الرحلة نحو ساعة ونصف الساعة. في الباص، الركاب في غالبيتهم من التابعية السورية، محمّلين بحقائب ضخمة. التهريب، خصوصًا تهريب البشر، بات نشاطًا علنيًا يمرّ أمام أعين نقاط الجيش اللبناني المنتشرة على الحدود، من حاجز شدرا وحتى النهر الفاصل.
في الطريق، يسأل السائق:
“مكمّل ع حمص؟”.
وعندما أجيبه بأنني صحافي، يسأل بتهكّم:
“انت درزي؟”.
في وادي خالد، تتجاور البيوت العشوائية على جانبي الحدود، ويتداخل الجبل اللبناني مع السوري. 

ازدواج جنسيات وهيمنة عشائرية

تتألف وادي خالد من 25 بلدة يقطنها نحو 72 ألف نسمة، 41 ألف لبناني و31 ألف سوري، وفق بيانات 2017، غالبيتهم يحملون الجنسيتين اللبنانية والسورية، وينتمون إلى عشيرتي الغنام والنعيم اللتين تمتدان إلى سوريا والأردن.

يقول أحمد الشيخ، أمين سر مجلس العشائر في وادي خالد:
“العشيرة أكبر من سايكس بيكو. إذا انضرب بدوي بسوريا، نحنا مننفعل بلبنان. الشرع بيحمل نفس فكرنا”.

ما إن أعلنت عشائر لبنانية “النفير العام”، حتى تدفق شبان إلى سوريا. بعضهم عاد، بعضهم قُتل، وآخرون ما زال مصيرهم مجهولاً.

المخاطر المتعدّدة: لبنان كمرآة لهويات متفجّرة

ما يحصل في وادي خالد يعيد إلى الأذهان مشاهد لبنانيين آخرين قاتلوا في سوريا.
فكما سبق لمسلحين شيعة تابعين لحزب الله أن عبروا الحدود للقتال إلى جانب النظام في دمشق، فإن اليوم، شبانًا سُنّة من العشائر يقاتلون إلى جانب الشرع في مواجهة طائفية أخرى.

وإذا كان حزب الله قد برّر مشاركته بـ”دعم محور المقاومة”، فإن بعض العشائر تبرّر تورّطها بـ”الدم والقرابة والانتماء العشائري”.
في الحالتين: انخراط لبنانيين في حروب الغير، وتحويل الهويات الطائفية إلى جبهات عسكرية.

وادي خالد ليست مجرد بلدة حدودية منكوبة بالفقر والنسيان، بل هي مرآة مكبّرة لهشاشة الهوية الوطنية اللبنانية.
وحين يُترك المواطن ليختار بين عشيرته، ودولته، وحدوده، ولقمة عيشه… فغالبًا ما يختار من يطعمه أولًا، ويحميه ثانيًا، ويدعوه إلى القتال ثالثًا.

ما يحدث في وادي خالد ليس مجرد قصة شبّان فقراء انجرفوا إلى القتال في بلد مجاور بدوافع عشائرية وطائفية فقط، بل هو مرآة عاكسة لهشاشة البنية اللبنانية بكل مستوياتها: الأمنية، الاقتصادية، والسيادية.
فنحن أمام بلد عاجز عن ضبط حدوده، عن تأمين فرص العيش الكريم، وعن احتواء الهويات المحلية ضمن هوية وطنية مشتركة.

سلاح خارج الدولة… من كل الجهات

والأخطر أن هذه الظواهر تتزامن مع تصاعد النقاش في لبنان حول مسألة نزع سلاح حزب الله وضرورة حصر السلاح بيد الدولة.
فكيف يمكن إذًا لهذا الخطاب أن يحافظ على جديته ومصداقيته، في ظل وقائع موازية تشير إلى أن مجموعات وعشائر، تنتمي إلى بيئات سياسية وطائفية مختلفة، لا تتردد في حمل السلاح والقتال خارج الحدود، بل وتتباهى بذلك؟

حين يُترك المواطن ليختار بين عشيرته، وطائفته، وحدوده، ودولته، ولقمة عيشه… فغالبًا ما يختار من يطعمه أولًا، ويحميه ثانيًا، ويدعوه إلى القتال ثالثًا.
وإذا لم يُحسم سؤال: من يحتكر العنف في لبنان؟ فكل الحديث عن “بناء الدولة” سيبقى مجرد وهم، معلّق بين نداء عشيرة وراية طائفة.

21.07.2025
زمن القراءة: 3 minutes

ما يحدث في وادي خالد ليس مجرد قصة شبّان فقراء انجرفوا إلى القتال في بلد مجاور بدوافع عشائرية وطائفية فقط، بل هو مرآة عاكسة لهشاشة البنية اللبنانية بكل مستوياتها: الأمنية، الاقتصادية، والسيادية.

في حي الصوالحة وسط بلدة وادي خالد العكارية، على الحدود الشمالية للبنان مع سوريا، ترتفع صورة عملاقة للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع. ليست هذه الصورة سوى واحدة من عشرات الدلائل البصرية التي تعكس تحوّل البلدة إلى ساحة تأييد علني للنظام السوري الجديد، إذ ترفرف الأعلام السورية الحديثة على شرفات المنازل، وتختلط المشاعر بالاستنفار العشائري، لا سيما بعد تشييع الشاب محمد مليحان (25 عامًا)، الذي عبر الحدود للقتال في السويداء.

يتردد هنا أن محمد مليحان واحد من عشرات الشبان من أبناء العشائر في وادي خالد، ممن لبّوا نداء “النفير العام” الذي أطلقته العشائر العربية في لبنان بعد الاشتباكات بين مسلّحين دروز وآخرين من البدو في محافظة السويداء للقتال مع العشائر السورية.

“نحن رهن إشارة الشرع”

في حي الرامة، وأثناء تشييع مليحان، تكدّس المسلحون بأزيائهم العشائرية، يحمل بعضهم الأسلحة النارية…  وحين يُسأل أحد الشبان المقنّعين عن موقفه من الشرع، يرد قائلاً:
“كلنا هون مع سوريا ومع القائد أحمد الشرع. عالقليلة سني متلنا، والضفر ما بيطلع من اللحم”.
هنا يتدخل شاب آخر بغضب: “بكلمة من الشرع منجمعلو ألوف. والدولة اللبنانية شو قدمت النا؟ مدرسة محترمة؟ شغل؟ خليها تسكت”.

جغرافيا منفلتة وحدود رخوة

على الطريق من طرابلس إلى وادي خالد، تستغرق الرحلة نحو ساعة ونصف الساعة. في الباص، الركاب في غالبيتهم من التابعية السورية، محمّلين بحقائب ضخمة. التهريب، خصوصًا تهريب البشر، بات نشاطًا علنيًا يمرّ أمام أعين نقاط الجيش اللبناني المنتشرة على الحدود، من حاجز شدرا وحتى النهر الفاصل.
في الطريق، يسأل السائق:
“مكمّل ع حمص؟”.
وعندما أجيبه بأنني صحافي، يسأل بتهكّم:
“انت درزي؟”.
في وادي خالد، تتجاور البيوت العشوائية على جانبي الحدود، ويتداخل الجبل اللبناني مع السوري. 

ازدواج جنسيات وهيمنة عشائرية

تتألف وادي خالد من 25 بلدة يقطنها نحو 72 ألف نسمة، 41 ألف لبناني و31 ألف سوري، وفق بيانات 2017، غالبيتهم يحملون الجنسيتين اللبنانية والسورية، وينتمون إلى عشيرتي الغنام والنعيم اللتين تمتدان إلى سوريا والأردن.

يقول أحمد الشيخ، أمين سر مجلس العشائر في وادي خالد:
“العشيرة أكبر من سايكس بيكو. إذا انضرب بدوي بسوريا، نحنا مننفعل بلبنان. الشرع بيحمل نفس فكرنا”.

ما إن أعلنت عشائر لبنانية “النفير العام”، حتى تدفق شبان إلى سوريا. بعضهم عاد، بعضهم قُتل، وآخرون ما زال مصيرهم مجهولاً.

المخاطر المتعدّدة: لبنان كمرآة لهويات متفجّرة

ما يحصل في وادي خالد يعيد إلى الأذهان مشاهد لبنانيين آخرين قاتلوا في سوريا.
فكما سبق لمسلحين شيعة تابعين لحزب الله أن عبروا الحدود للقتال إلى جانب النظام في دمشق، فإن اليوم، شبانًا سُنّة من العشائر يقاتلون إلى جانب الشرع في مواجهة طائفية أخرى.

وإذا كان حزب الله قد برّر مشاركته بـ”دعم محور المقاومة”، فإن بعض العشائر تبرّر تورّطها بـ”الدم والقرابة والانتماء العشائري”.
في الحالتين: انخراط لبنانيين في حروب الغير، وتحويل الهويات الطائفية إلى جبهات عسكرية.

وادي خالد ليست مجرد بلدة حدودية منكوبة بالفقر والنسيان، بل هي مرآة مكبّرة لهشاشة الهوية الوطنية اللبنانية.
وحين يُترك المواطن ليختار بين عشيرته، ودولته، وحدوده، ولقمة عيشه… فغالبًا ما يختار من يطعمه أولًا، ويحميه ثانيًا، ويدعوه إلى القتال ثالثًا.

ما يحدث في وادي خالد ليس مجرد قصة شبّان فقراء انجرفوا إلى القتال في بلد مجاور بدوافع عشائرية وطائفية فقط، بل هو مرآة عاكسة لهشاشة البنية اللبنانية بكل مستوياتها: الأمنية، الاقتصادية، والسيادية.
فنحن أمام بلد عاجز عن ضبط حدوده، عن تأمين فرص العيش الكريم، وعن احتواء الهويات المحلية ضمن هوية وطنية مشتركة.

سلاح خارج الدولة… من كل الجهات

والأخطر أن هذه الظواهر تتزامن مع تصاعد النقاش في لبنان حول مسألة نزع سلاح حزب الله وضرورة حصر السلاح بيد الدولة.
فكيف يمكن إذًا لهذا الخطاب أن يحافظ على جديته ومصداقيته، في ظل وقائع موازية تشير إلى أن مجموعات وعشائر، تنتمي إلى بيئات سياسية وطائفية مختلفة، لا تتردد في حمل السلاح والقتال خارج الحدود، بل وتتباهى بذلك؟

حين يُترك المواطن ليختار بين عشيرته، وطائفته، وحدوده، ودولته، ولقمة عيشه… فغالبًا ما يختار من يطعمه أولًا، ويحميه ثانيًا، ويدعوه إلى القتال ثالثًا.
وإذا لم يُحسم سؤال: من يحتكر العنف في لبنان؟ فكل الحديث عن “بناء الدولة” سيبقى مجرد وهم، معلّق بين نداء عشيرة وراية طائفة.

21.07.2025
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية