تريسي موريلو
قبل عقد من الزمن، انطلق أكبر تجمع للصحافيين في العالم للتحقيق في نظام بُني ليبقى في الخفاء.
ما كشفوه أصبح يُعرف بـ”وثائق بنما” — تحقيق واسع النطاق فضح العالم السري للمال، وكشف كيف يستخدم الأثرياء وأصحاب النفوذ الهياكل الخارجية لحماية ثرواتهم والإفلات من التدقيق العام.
ذلك المشروع العالمي غيّر نمط الصحافة الاستقصائية بالكامل. فقد بُني على سنوات من المشاريع التعاونية الرائدة التي قادها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، وانفجر لاحقًا إلى الواجهة كأفضل نموذج جديد لتمكين الصحافيين من التصدي لأنظمة لا يستطيع أيّ فريق إعلامي واحد تفكيكها بمفرده.
تستعرض هذه السلسلة كيف بدأ ذلك كله، مستندةً إلى شهادات الصحافيين الذين أدى عملهم إلى هزّة عالمية حول سرّية المال وتبعاتها.
البداية
باستيان أوبرماير (ألمانيا)
آنذاك: صحافي استقصائي في زود دويتشه تسايتونغ | الآن: المؤسّس المشارك ومدير بيبر تريل ميديا
قبل أن يكتشف العالم كيف باعت شركة محاماة في بنما السرّية لرؤساء وزراء ومليارديرات ومجرمين، تلقّى صحافي ألماني رسالة ستشعل شرارة غضب عالمي:
“مرحباً، أنا جون دو. هل تهتم بالبيانات؟”.
“فكرت، هذا مثير جدًا للاهتمام”، يتذكّر أوبرماير بعد عقد من الزمن. “ثم عدتُ لتبديل الملاءات لأن ابني كان قد تقيّأ مجددًا”.
كانت عائلة أوبرماير — جميع أفرادها سواه — مريضة، وكان يحاول الموازنة بين عمله في زود دويتشه تسايتونغ وزيارات متكررة إلى الصيدلية.
المرسل كان حذرًا ومباشرًا. أصرّ على استخدام قنوات تواصل مشفّرة، ورفض أي لقاء وجهاً لوجه، وحذّر من أنّ الكشف عن هويته سيعرّض حياته للخطر.
وافق أوبرماير على الشروط، وسرعان ما حصل على مجموعة من السجلات الداخلية تخصّ شركة موساك فونسيكا، وهي شركة محاماة بنمية معروفة بإنشاء شركات وهمية.
تلك المواد أصبحت لاحقًا ما عُرف عالميًا بـ”وثائق بنما” — 11.5 مليون وثيقة سرّية تكشف تعاملات مالية خارجية لسياسيين ومليارديرات وزعماء عالميين.
تضمنت الوثائق رسائل إلكترونية ومذكرات وعقوداً وجداول بيانات وغيرها — بما يكفي لرسم خريطة مفصلة لعمل نظام مالي بقي في الظِّل لسنوات، لطالما اشتبه الصحافيون والجهات التنظيمية بوجوده، لكن لم يسبق أن وُثِّق بهذا الحجم وهذه الدقة.
كانت الوثائق داخلية المصدر بوضوح، وأكّد “جون دو” أنه يمتلك المزيد — “أكثر مما رأيت يومًا”، وعدَ أوبرماير.
الخطوة التالية التي قام بها أوبرماير كانت مراسلة صديقه وزميله في زود دويتشه تسايتونغ، فريدريك أوبرماير (لا قرابة بينهما). كان فريدريك في إجازة أبوة، لكنه وافق على اللقاء فورًا.
“سمعت الحماسة في صوته منذ الجملة الأولى”، قال أوبرماير الثاني. ولم يحتج إلى مزيد من الإقناع.
“كنت منذ اللحظة الأولى منخرطًا في الأمر”، أضاف. “وسرعان ما أدركنا أن ما بين أيدينا أكبر من أي شيء قمنا به من قبل”.
كما أدركا أيضًا أن الأمر أضخم من أن يحتفظا به لأنفسهما.
كان كلاهما قد عملا في تحقيقات سابقة للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، وكانا يعرفان ما يتيحه هذا النموذج — تقارير عابرة للحدود على نطاق لا تستطيع أي مؤسسة إعلامية واحدة تنفيذها بمفردها. وأدركا أن القصة ليست ألمانية فحسب، بل عالمية.
“العمل الدولي هو أروع ما يمكن أن تفعله بالصحافة”، قال أوبرماير. “عندما حصلنا على الوثائق، فكّرنا فورًا بأن هذه فرصتنا لإشراك الاتحاد الدولي في مشروع بدأناه بأنفسنا”.لكنّ المهمة لم تكن سهلة.
أولاً، كان عليهما إقناع مؤسستهما الإعلامية، بما في ذلك زملاء أرادوا أن تحتفظ زود دويتشه تسايتونغ بالسبق لنفسها. لكن سرعان ما انضمّ رئيس تحريرهم، ولفغانغ كراخ، إلى الفريق بحماسة. ثم كان عليهما طرح المشروع على الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، الذي كان قد اكتسب سمعة عالمية بفضل تحقيقاته حول التمويلات الخارجية. غير أنّ المعيار المطلوب لبدء مشروع جديد حول الملاذات الضريبية كان مرتفعًا، كما كانت موارده محدودة بعد تحقيقات متتالية عن التهرّب الضريبي والمصارف الخاصة.
المهندس جيرارد رايل (الولايات المتحدة / أستراليا)
المدير التنفيذي، الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)
كان فريق الاتحاد الدولي يعمل بأقصى طاقته منذ أشهر. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، كشف تحقيق “تسريبات لوكسمبورغ” (LuxLeaks) عن ممارسات واسعة للشركات متعددة الجنسيات في التهرّب الضريبي من قلب أوروبا. آنذاك، كان الاتحاد منغمساً في تحقيقين جديدين – أحدهما حول النظام المصرفي الخاص في سويسرا، والآخر حول البنك الدولي.
قال المدير جيرارد رايل لنائبته، مارينا ووكر غيفارا، إن الفريق بحاجة إلى استراحة. لكن جزءًا آخر منه كان يتوق إلى شيء أكبر. “أنا مؤمن تمامًا بضرورة اغتنام الزخم عندما نحظى به”، قال مؤخرًا.
إقرأوا أيضاً:
ثم وصلت رسالة إلكترونية من ألمانيا. لدى أوبرماير مصدر جديد يعرض ملفات داخلية من شركة المحاماة البنمية موساك فونسيكا، التي كانت تُنشئ شركات خارجية لعملاء حول العالم. كان رايل يعرف هذه الشركة جيدًا. فإذا كان التسريب حقيقيًا، لن يكون مدخلًا جانبيًا إلى عالم المال الخارجي — بل بابه الرئيسي.
كان رايل وأوبرماير يمتلكان أصلًا مجموعة سابقة من وثائق موساك فونسيكا وصلتهم من مصدر آخر، تضم نحو مليون وثيقة يمكن أن تُستخدم للتحقق من صحة التسريب الجديد. وقد كتب أوبرماير في 4آذار/ مارس 2015، أي قبل 13 شهرًا تمامًا من تصدّر «وثائق بنما» عناوين الصحف حول العالم: «مصدر جديد، بل أفضل بكثير».
سافر رايل إلى ميونخ للقاء أوبرماير، وأوبرماير الآخر، وكراخ. جلسوا معًا لساعات يتفحّصون البيانات، ويقارنون الوثائق من التسريبين ليضمنوا تطابقها. وعندما تأكّدوا من صدقيتها، عاد رايل إلى فندقه ليستمر في اختبار فرضياته، مدخلًا أسماء مختلفة في قاعدة البيانات الجديدة.
“ليكون الأمر مثيرًا حقًا، كان يجب أن يكون أكبر وأعمق من أيّ تحقيق أجريناه من قبل”، قال رايل.
كشفت عمليات البحث الأولية عن شخصيات واعدة للتحقيق، من بينها زعيم مافيا روسي وحتى رئيس دولة أوروبية صغيرة. لكن في تلك المرحلة، لم تكن سوى شذرات — أسماء في رسائل إلكترونية ومعاملات في جداول بيانات — خيوط توحي بشيء ضخم يختبئ في العمق.
بدأ جون دو بإرسال مزيد من الوثائق، واحدة تلو الأخرى. وبحلول النهاية، أرسل 11.5 مليون وثيقة — كمية كافية لتخطيط البنية الخفية لعالم المال الخارجي. لكن امتلاك البيانات لا يعني امتلاك المشروع. ولتحقيق ذلك، كان رايل بحاجة إلى فريق.
تواصل أولًا مع ذا غارديان وبي بي سي. فتأمين دعم مؤسسات إعلامية كبرى في المراحل الأولى سيسهّل جذب مؤسسات أخرى — وكان يعلم أنه سيحتاج الى العشرات، وربما المئات.
واجه رايل اعتراضًا من بعض محرري ذا غارديان، الذين رأوا أن الاتحاد سبق أن أنجز قصصًا حاسمة حول الملاذات الضريبية، وأن هذا المشروع لن يقدّم جديدًا. لكن رايل كان واثقًا بأن الأمر مختلف — من حيث الحجم ومن حيث الأسماء. فذلك التحقيق كان سيصل إلى أعلى مستويات السلطة. وبحلول نهاية غدائهم في نادي “فرونتلاين” بلندن، وافق كل من ذا غارديان وبي بي سي على الانضمام.
بقي أن يجد رايل شريكًا أميركيًا – مؤسسة ذات انتشار واسع وقدرات استقصائية راسخة. لم يكن يقدّم مجرد قصة صحافية؛ بل طريقة جديدة تمامًا للعمل. فقد تطلّب منه ذلك أن يقنع الشركاء بالتخلي عن غريزتهم التنافسية الطبيعية، وأن يضعوا أفضل قصصهم في “وعاء مشترك” ويثقوا بأن الجميع سينشر في وقت واحد.
توجه أولًا إلى محطة بثّ وطنية كانت قد تعاونت مع ICIJ في تحقيقات سابقة. وعلى مدى اجتماعات عدة امتدت الى أشهر، حاول رايل و ووكر غيفارا إقناعهم. وبحلول الاجتماع الأول، كان التسريب قد تجاوز كل ما شاهداه من قبل، فيما كان “جون دو” يرسل المزيد – سلاسل من التحويلات المالية تربط سياسيين ورؤساء دول ومشاهير.
وبحلول آخر اجتماع، أي قبل نحو شهرين من النشر، كان الفريق قد تعقّب ملياري دولار في حسابات خارجية مرتبطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيما كانت أسماء جديدة تظهر يومًا بعد يوم.
لكن المنتجين ظلّوا غير مقتنعين. “جيرارد، ماذا لديك أيضًا؟”، يتذكر رايل أن أحدهم سأله أثناء الاجتماع. وقد تركه السؤال في حيرة. “فكّرت: يا إلهي، إذا كانوا لا يرون أنها قصة، فهل حكمنا نحن صحيح، أم أننا مخطئون؟” قال لاحقًا. لكنه أبعد الشك جانبًا. الوثائق استمرت بالوصول، التعاون استمر في التوسّع، وسرعان ما زال كل شك.
توسيع الفريق
مارينا ووكر غيفارا (الولايات المتحدة)
آنذاك: نائبة المدير، ICIJ | الآن: المديرة التنفيذية للتحرير، مركز بوليتزر
رأت ووكر غيفارا في وثائق موساك فونسيكا الاختبار الأسمى لما كان الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين يبنيه منذ سنوات. فمنذ أول دخول كبير له إلى عالم الملاذات الضريبية عام 2013 من خلال تحقيق “تسريبات الأوفشور” (Offshore Leaks)، كان الفريق التحريري لـ ICIJ يطوّر نموذجًا تعاونيًا يستفيد من قوة فرق ضخمة عابرة للحدود لكشف قواعد بيانات أكبر وأكثر تعقيدًا.
والآن، أصبح هذا النموذج أمام اختبار حقيقي لقدرته على التوسّع. فقد كانت بيانات موساك فونسيكا تمتد في كل الاتجاهات. ولكي يفكّ الاتحاد ألغازها، كان بحاجة إلى صحافيين في القارات كافة — أكثر من أي مشروع صحافي عرفه العالم من قبل.
وللعثور عليهم، أدركت ووكر غيفارا أنها تحتاج إلى النظر إلى ما هو أبعد من السّير الذاتية المبهرة والأسماء اللامعة. كانت تبحث عن عنصر أصعب رصدًا: القدرة على التعاون الحقيقي. لا توجد وسيلة دقيقة لاختبار ذلك، تقول ووكر: “لكن المراسل المتعاون — تعرفه عندما تلتقيه”.
لم تكن تبحث عن أشهر الصحافيين في كل بلد، بل عن أولئك الذين يمتلكون سجلًا قويًا وانضباطًا مهنيًا كافيًا لتحمل ما سيتطلّبه هذا المشروع منهم.
كان على الصحافيين أن يتشاركوا كل شيء: الملاحظات، المقابلات، الوثائق، وأحيانًا متابعة خيوط ستُنشَر لاحقًا بأسماء غيرهم. كان عليهم أن يثقوا بأشخاص لم يلتقوهم يومًا وجهًا لوجه. لم يسبق للمهنة أن جرّبت تعاونًا بهذا الحجم من قبل.
“ليس طبيعيًا أن نعمل بهذه الطريقة”، قالت لاحقًا. “إنها منظومة جديدة تمامًا في الصحافة الاستقصائية، لا تشبه ما في حمضنا المهني إطلاقًا”.
دفعت وثائق بنما بهذا النموذج الجديد إلى أقصى حدوده. صحيح أن الاتحاد اختبره في تحقيقات أصغر، لكن حجم هذا المشروع كان غير مسبوق. ولو نجح، فسيعيد تعريف الصحافة الاستقصائية نفسها. لم تكن الأساليب وحدها جديدة بالنسبة الى الفريق الذي كان يتنامى سريعًا، بل أضيفت طبقة معقّدة أخرى إلى المشهد: الحاجة إلى سرّية مطلقة بسبب حساسية المواد.
كانت ووكر غيفارا تكرر التحذير ذاته في كل مرة انضمّ فيها شريك جديد: “ليس لكم أن تتحدثوا عن هذا العمل مع أزواجكم، أو أصدقائكم، أو والديكم”، تتذكّر قولها. “عيشوا حياتكم. تحدّثوا عن أشياء أخرى. فالأمر غاية في الأهمية”.
كان المشروع هشًّا منذ البداية. لو أن أحدنا فقط خرق السرّية، لانهار كل شيء – التعاون بكامله كان سيتفكك»، أضافت غيفارا.
إقرأوا أيضاً:














