تريسي موريلو
قبل عقد من الزمن، انطلق أكبر تجمّع للصحافيين في التاريخ للتحقيق في نظام بُني ليبقى في الخفاء. ما كشفوه أصبح يُعرف بـ”وثائق بنما”، تحقيق واسع كشف العالم السرّي للمال، وفضح كيف يستخدم الأثرياء وأصحاب النفوذ الهياكل الخارجية لحماية ثرواتهم والتملّص من الرقابة.
هذا هو الجزء الثاني من سلسلة من ثلاثة أجزاء تستعرض كيف تكوّن هذا المشروع الضخم، مستندةً إلى شهادات الصحافيين الذين فجّر عملهم مواجهة عالمية مع سرّية المال وتداعياتها. يمكنك قراءة الجزء الأول هنا.
جحر الأرنب
أنوشكا ديليتش (سلوفينيا)
آنذاك: صحافية استقصائية في “ديِلو”
الآن: المؤسسة ورئيسة التحرير في “أوشترو”
في مكتبها العامل بنظام المساحات المفتوحة في صحيفة “ديِلو”، كانت أنوشكا ديليتش تجلس وظهرها نحو النافذة، منهمكة في عملها بصمت.
كانت من المدرسة القديمة في الصحافة: تطبع الوثائق، وتقرأها بقلم في يد وملصقات ملاحظات في اليد الأخرى. لكنّ “وثائق بنما” لم تكن شيئاً يُطبع؛ ليس لمن أراد الالتزام بقواعد السرّية التي جمعت هذا التعاون الصحافي الضخم.
عندما فتحت ديليتش قاعدة البيانات للمرّة الأولى، فعلت ما فعله كلّ صحافي في المشروع: بدأت من الوطن.
كتبت كلمة “Slovenia”.
أظهرت النتائج نحو 4000 تطابق. رقم يمكن التعامل معه مقارنة بالآلاف التي أغرقت مراسلين من دول أكبر. أدركت سريعاً أنها قد تتمكّن من دراسة كلّ إشارة واحدة تلو الأخرى.
لكنّها لم تكن تعلم بعد أنها حامل. كانت قد دُعيت للانضمام إلى المشروع في أوائل صيف 2015، وبعد أسبوعين فقط علمت بأنها تنتظر مولوداً. وُلِد ابنها في آذار/ مارس التالي، قبل أسبوعين من النشر.
“كانت مرحلة مجنونة”، تتذكّر ديليتش، التي أصبحت اليوم رئيسة مركز “أوشترو” للصحافة الاستقصائية في منطقة الأدرياتيك، الذي أسّسته بعد مغادرتها “ديِلو”.
على جانب من حياتها كان أكبر تحقيق صحافي تعمل عليه في مسيرتها، وعلى الجانب الآخر واقع الحمل، الإرهاق، والفحوص الطبّية، والشعور الدائم بأن حياة جديدة تنمو بداخلها.
في البداية، كان البحث في قاعدة البيانات تجربة مفعمة بالإثارة. “كان الأمر أشبه بأليس في بلاد العجائب… النزول في جحر الأرنب”، قالت.
كانت الملفّات فوضوية. أحياناً تكون المرفقات ذات أهمّية، وأحياناً لا. في البداية، كانت تفتح كلّ شيء، محاولةً فهم كيفية عمل هذا النظام.
“كلّ ما كنت أراه كان يدفعني إلى التساؤل: أوه، ما هذا؟ ماذا يمكن أن يكون؟”، قالت مبتسمة.
ثم في أحد الأيّام، انحرف مسار المشروع نحو منطقة جديدة وغير متوقّعة، برز اسم أمامها: ديان زافيتش، الملاكم الشهير المعروف أيضاً باسم يان زافيك و”مستر سيمباتيكوس”. نشأ فقيراً وأصبح أحد أكثر الرياضيين شعبية في سلوفينيا، والآن، تكتشف ديليتش أنه أسّس شركة خارجية في أنغويلا. لم تكن القصة عن أوليغارشيين بعيدين أو رجال أعمال مجهولين.
قالت ديليتش: “من بين جميع الناس، كان عليّ أن أجد محبوب الجماهير! عندها انتهت مرحلة شهر العسل بالنسبة لي”.
بدأت العمل البطيء لفهم ما الذي كانت تفعله شركة زافيتش ولماذا وُجدت أصلاً. “مجرد العثور على اسم شخص في الوثائق لا يكفي”، أوضحت. “مجرّد أن الناس سيهتمّون لا يعني بالضرورة أن في الأمر مصلحة عامّة”.
اكتشفت أن زافيتش أنشأ شركة باسم ABC Agency في أنغويلا، وقد استحوذت هذه الشركة على شركته السلوفينية Boksing، التي كانت تمتلك العقار الذي يضمّ صالته الرياضية، ما أتاح نقل الأصول عبر ملاذ ضريبي قبل تحويلها في النهاية إلى شركة أخرى يملكها هو نفسه.
في البداية، نفى زافيتش امتلاكه لشركة ABC، لكنه لاحقاً أقرّ بأنه أسّسها ولم يُبلّغ السلطات الضريبية عنها.
بحلول ذلك الوقت، كان حجم المشروع قد اتّضح تماماً. مئات الصحافيين حول العالم كانوا يغوصون في الخزينة ذاتها من الوثائق، يتتبّعون الخيوط عبر الحدود والمناطق الزمنية واللغات.
في الليل، كان الجنين يصاب بنوبات فواق طويلة، تمتدّ أحياناً لأكثر من ساعة، تُبقي ديليتش مستيقظة في أوقات غير معتادة. النوم أصبح مستحيلاً.
“أتدري ماذا كنت أفعل؟”، سألت. “كنت أتصفّح وثائق بنما”.
الرجل الأكثر عزلة
يُوهانس كرِسْتْيَانْسُون (آيسلندا)
المؤسّس ورئيس التحرير في “ريفيافيك ميديا”
في آيسلندا — بلد صغير لدرجة أن الجميع يعرفون بعضهم تقريباً — قد يكون الحفاظ على سرّ أصعب من كشفه. أدرك يُوهانس كريستيانسون أن ما ينتظره سيكون أحد أصعب التحدّيات في مسيرته المهنية منذ اللحظة التي رأى فيها اسم رئيس وزرائه بين “وثائق بنما”.
كان فريق الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) قد عثر على اسم سيغموندور دافيد غونلوغسون في البيانات في مرحلة مبكرة؛ لكن مجرّد العثور على اسم رئيس بلد لا يكفي، احتاج الاتّحاد إلى صحافي يفهم السياسة والثقافة الآيسلندية ليساعد في كشف الصورة الكاملة.
لم يكن قادة الاتّحاد قد سمعوا باسم كريستيانسون من قبل، لكن بين الصحافيين الإسكندنافيين كان معروفاً بكونه من الأفضل في مجاله. أوصى به شركاء سويديون لـ ICIJ، إذ عرّفوه كصحافي تلفزيوني في هيئة البثّ العامّ الآيسلندية RÚV، وكاتباً تولّى من قبل ملفّات عن الهياكل المالية والمساءلة السياسية.
بدأ كريستيانسون عمله فوراً.
قال مدير ICIJ، جيرارد رايل: “مرّ بدقّة على آلاف سجلّات الإفلاس في آيسلندا، وسجلّات البرلمان، والبيانات التجارية. كان يوهانس يملك المعرفة المحلّية التي تدلّه على أين يبحث، والمهارة الفردية والعزيمة التي تمكّنه من البحث بعمق”.
أضافت السجلّات التي وجدها سياقاً مهماً لاكتشاف “وثائق بنما”: فقد تبيّن أن غونلوغسون كان شريكاً في ملكية شركة مقرّها جزر العذراء البريطانية تدعى Wintris Inc.، ولم يُفصح عن هذا في بياناته المالية عندما أصبح نائباً في البرلمان في عام 2009. وفي وقت لاحق من ذلك العام، باع حصّته البالغة 50% في الشركة لزوجته آنا سيغورلوغ بالسدوتير مقابل دولار واحد فقط.
كانت الشركات الخارجية قد لعبت دوراً كبيراً في انهيار النظام المصرفي الآيسلندي في عام 2008، الذي دمّر الاقتصاد وأطلق سلسلة من التحقيقات الجنائية، وقد خاض غونلوغسون حملته الانتخابية في ظلّ تلك الأزمة.
والآن، أظهرت الوثائق أن منزله نفسه مرتبط سرّاً بشركة خارجية ضمن النظام المالي ذاته الذي كان وراء انهيار البلاد.
كانت القصّة ضخمة، وعرف كريستيانسون أنه يحتاج إلى وقت لسردها، وإلى مساحة للحفاظ على سرّيتها، فاستقال من عمله في RÚV ليتفرّغ لها كلّياً.
قالت مارينا ووكر غيفارا، التي كانت حينها نائبة مدير الاتّحاد الدولي: “هذا النوع من التضحيات يكشف الكثير عن جودة الأشخاص الذين شاركوا في العمل، ومدى استعدادهم للتضحية من أجل القصّة”.
بالنسبة إلى كريستيانسون، كانت تلك التضحية تعني العزلة. غطّى نوافذ منزله بالبلاستيك الأسود السميك ليتجنّب أعين المتطفّلين. قضى ليالي طويلة خلال شتاء آيسلندا القاسي، جالساً وحده أمام كمّ من المعلومات سيؤدّي في النهاية إلى سقوط زعيم بلاده.
وصفه رايل لاحقاً بأنه “أكثر رجل وحدةً في العالم”.
لكنّ عزلته لم تكن انفصالاً تامّاً. فمع تقدّم التحقيق، وجد كريستيانسون الدعم والعزاء في غرفة الأخبار الافتراضية للاتّحاد. تواصل مع زملائه حول العالم، تبادل معهم الاستراتيجيات السردية، واحتفظ بخفّة ظلّ سوداء تساعده على التعايش مع العزلة.
كتب لهم ذات مرّة: “وينتريس قادمة”. وكانت فعلاً كذلك.
من الداخل
فريدريك أوبرماير (ألمانيا)
آنذاك: صحافي استقصائي في “زود دويتشه تسايتونغ”
الآن: المؤسّس المشارك والمدير في “بيبر تريل ميديا”
كان ذهن فريدريك أوبرماير مثقلاً بسلاسل الرسائل الإلكترونية والمذكّرات الداخلية لشركة موساك فونسيكا، كانت الملفّات قد رسمت صورة حميمة لمكتب المحاماة البنمي، قوائم الموظّفين، النكات الداخلية، ساعات العمل، وحتى من كان يمارس الرياضة بعد الدوام.
الآن حان الوقت لزيارة المكان شخصياً.
كان عمر أوبرماير آنذاك 31 عاماً فقط، أي أصغر قليلاً من زميله في التحقيق باستيان أوبرماير (لا قرابة بينهما) وفق المعايير الصحافية الألمانية. لكن فريدريك كان يتحدّث الإسبانية، ولهذا اتّجه إلى بنما بمفرده.
في ألمانيا، كان باستيان يتساءل إن كان زميله سيُحتجز أو إن كانت المصادر التي سافر للقائها — بعد رحلة طولها ستّة آلاف ميل — ستتراجع في اللحظة الأخيرة خوفاً من الحديث. أمّا فريدريك، فيعترف الآن أنه كان خائفاً هو أيضاً.
عند وصوله، ساعده شركاء الاتّحاد الدولي في بنما على التنقل في البلاد. ريتا فاسكيس من صحيفة “لا برينسا” أصرّت على أن يستخدم سائقاً شخصياً، ولم يعلم إلا لاحقاً أن “السائق” كان أيضاً حارساً شخصياً صامتاً.
إقرأوا أيضاً:
“لو كنت عرفت ذلك منذ البداية، لكنت أكثر توتّراً”، يقول أوبرماير اليوم بابتسامة مريرة.
كان هناك لقاءان حاسمان سيحدّدان مغزى الرحلة، الأوّل في مكتب أنيق لمحامٍ يتفاخر بطاهيه الخاصّ وبمجموعة قصاصاته الصحافية المعلّقة على الجدار، والثاني مع امرأة تعيش في قرية فقيرة على أطراف مدينة بنما.
كان مكتب المحامي رامسيس أوينز يقع على بُعد خطوات من مقرّ عمله السابق في موساك فونسيكا. عرف أوبرماير أنه أحد المعماريين الرئيسيين لإمبراطورية السرّية التابعة للشركة — المحامي الذي ساعد على إنشاء نظام “المالكين الاسميين”، الذي سمح للعملاء بإخفاء هويّاتهم وراء طبقات من الأوراق الرسمية.
بدا أوينز كأنه يظنّ أن أوبرماير مجرّد صحافي أجنبي ساذج يحتاج إلى درس تعريفي في عالم الملاذات الخارجية. رحّب به بكرم أمام الكاميرا، مقدِّماً نفسه كخبير فخور، وواصفاً موساك فونسيكا بأنها نموذج للهيبة والنزاهة.
لكن عندما حوّل أوبرماير الحديث إلى موضوع “المالكين الفعليين”، قال أوينز بثقة إن هذه الممارسات تشكّل غسل أموال.
“قال لي ذلك مباشرة في وجهي — إن مثل هذا السلوك غير قانوني تماماً”، يتذكّر أوبرماير. “وبالنسبة لي، لم أكن ممثّلاً جيّداً، فكان من الصعب جدّاً ألّا أقول له: “أعلم أنك أنت نفسك من فعل هذا بالضبط”.
كانت لحظة صاعقة، النظام نفسه يصف ممارساته بأنها غير قانونية.
اللقاء الثاني كان على النقيض منه تماماً، في المكان وفي المعنى.
كان أوبرماير قد رأى اسم ليتيسيا مونتويا مئات المرّات في الوثائق، كانت مدرَجة كمديرة لآلاف الشركات التي ظهرت في التسريبات، فتتبّع الخيوط حتى وصل إلى منزل صغير في حيّ فقير، القمامة تشتعل في طرقاته، لم تكن مونتويا في المنزل حين زارها، لكنّه تحدّث معها لاحقًا عبر الهاتف لبضع دقائق… لا، لم تكن تعرف ما الذي تفعله تلك الشركات، ولا من يملكها، قالت له ببساطة أن يوجّه أسئلته إلى الوكيل المسجِّل، موساك فونسيكا، ثم أغلقت الخطّ. في تلك اللحظة، شعر أوبرماير أن “أثر الورق” أصبح بشرياً بوضوح لا لبس فيه.
رسائل في الليل
ريتو سارين (الهند)
المديرة التنفيذية للأخبار والتحقيقات في “ذي إنديان أكسبريس”
كان الليل قد تأخّر أخيراً وذهبت ريتو سارين إلى السرير.
بعد ثمانية أشهر من تصفّح الوثائق ومراجعة الملفّات جنباً إلى جنب مع زميلين، كانت كبيرة محرّري “ذي إنديان أكسبريس” مرهقة تماماً. “لم يكن هناك سبت ولا أحد”، تتذكّر. “من الصباح حتى المساء في المكتب، نعمل على وثائق بنما طوال شهور”.
أمّا اللحظات القليلة الفاصلة فكانت تمتلئ برسائل نصية متبادلة مع زميليها بي. فايدياناثان آيير وجاي مازومدار، اللذين كانا يتابعان خيوطاً أخرى داخل البيانات.
في تلك الليلة، قبل أيّام قليلة من موعد النشر المتّفق عليه، تبعتها الوثائق إلى المنزل؛ كما كانت تفعل دائماً. تذكّرت شيئاً رأته في وقت سابق من ذلك اليوم على “آي-هب” (I-Hub)، غرفة الأخبار الرقمية التي أنشأها الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) لتمكين الصحافيين من مشاركة المعلومات بشكل آمن.
“كانت الأمور تتسارع بشكل مذهل والزخم في تصاعد”، تقول سارين.
ومع وجود 370 متعاوناً موزّعين على مناطق زمنية مختلفة واقتراب يوم النشر، كانت الرسائل تتدفّق على مدار 24 ساعة أسرع مما يستطيع الصحافيون قراءتها. حاولت سارين مواكبة وتيرتها، دون جدوى.
قبل ساعات فقط، كان عمر شيما، عضو الاتّحاد الدولي في باكستان على بُعد ألف ميل، قد أشار إلى اسم آيشواريا راي. “كنت قد نمت بالفعل”، تتذكّر سارين. “وفجأة خطر ببالي: مهلاً، كانت هناك رسالة عن ممثّلة هندية”.
كانت هيئة تحرير “ذي إنديان أكسبريس” لديها بالفعل قصص أكثر مما يمكن نشره في اليوم الأوّل من المشروع، بل إن تلك القصص كانت مهدّدة بالانكماش إذا تأهّل المنتخب الهندي إلى نهائي كأس العالم للكريكيت («T20»). فسواء فاز أو خسر، في بلد تُعتبر فيه الكريكيت ديانة ثانية، كان من المؤكّد أن المباراة ستتصدّر الصفحة الأولى.
عادت سارين فوراً إلى منصّة “آي- هب”، وفتحت قاعدة البيانات وبدأت تتبّع الخيط.
وبأسلوبها الكلاسيكي الذي يفضّل العمل الورقي، بدأت بالطباعة. أخذت الأوراق تتكدّس على رفوفها، تتجاوز المجلّدات البلاستيكية التي حاولت عبثاً إبقاءها مرتّبة، كانت الوثائق تتكاثر كأنها كائنات حيّة.
“الوثيقة الواحدة كانت بمثابة كنز، بداخلها مرفقات، وداخل المرفقات مرفقات أخرى”، تقول سارين، ومع تراكم الصفحات، بدأت تربط بين النقاط. كانت السجلّات تشير إلى دور آيشواريا راي كمديرة لشركة “أميك بارتنرز”، وهي شركة خارجية أنشأتها موساك فونسيكا في جزر العذراء البريطانية.
(وقد نفى مستشار راي الإعلامي حينها صحّة المعلومات واعتبرها خاطئة تماماً، لكنّ السلطات الهندية فتحت لاحقاً تحقيقاً مدنياً في شؤونها المالية).
كان التقويم لا يرحم: أيّام قليلة فقط تفصلهم عن موعد النشر، وفريق سارين لا يزال يجمع التعليقات من شخصيّات أخرى وردت أسماؤها في التقرير، من بينهم رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف وبعض من أكبر رجال الأعمال في الهند.
“كانت هناك قصّة أخرى بالغة الأهمّية”، تقول سارين. “كان واضحاً أنها ستتصدّر الصفحة الأولى في اليوم الأوّل، وقد فعلت بالفعل”.
عزيزي السيّد بوتين
جيرارد رايل (الولايات المتّحدة / أستراليا)
المدير التنفيذي في الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)
لعدّة أشهر، عاشت “وثائق بنما” داخل قاعدة بيانات آمنة قابلة للبحث والترتيب، لكنّها صامتة، ومع اقتراب موعد النشر، كان يتّضح أكثر فأكثر أن الأسرار التي تحتويها الملفّات ستزلزل النظام المالي العالمي، وربما تهزّ حكومات بأكملها.
حان وقت التواصل مع الأشخاص الذين وردت أسماؤهم.
في غرف الأخبار الغربية، تُعدّ هذه الخطوة إجراءً روتينياً: قبل النشر، يعرض الصحافيون ما توصّلوا إليه ويمنحون أصحاب العلاقة فرصة للردّ.
كانت المسوّدة الموجّهة إلى الكرملين، وعنوانها “عزيزي السيّد بوتين”، تمتدّ على عدّة صفحات، وقد سردت تفاصيل عن شركات خارجية وروابط مالية تربط الدائرة المقرّبة من الرئيس الروسي.
في واشنطن أو لندن، تُعتبر مثل هذه الرسائل أمراً عادياً، لكن في موسكو، الأمر مختلف تماماً.
فروسيا بلد قد يخسر فيه الصحافيون الذين يتحدّون أصحاب النفوذ أكثر من مجرّد الوصول إلى المعلومة، لذلك شعر الشركاء هناك بالقلق، ولأسباب تتعلّق بالسلامة، أرادوا مغادرة البلاد قبل أن تصل الرسالة إلى بوتين وقبل يوم النشر، واحتاجوا بعض الوقت لترتيب ذلك.
عادةً، يمنح الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين مهلة عدّة أسابيع للحصول على الردود، لكن في ظلّ المخاوف الأمنية الكبيرة، جرى تقليص الجدول الزمني، فأُرسلت رسالة بوتين قبل أسبوع فقط من النشر.
وجاء الردّ سريعاً، وبشكل علني غير متوقع.
إذ عقد الكرملين مؤتمراً صحافياً اتّهم فيه الاتّحاد الدولي بالتحضير لـ”هجوم معلوماتي” يستهدف التأثير على الانتخابات المقبلة. كانت تلك المرّة الأولى التي يُذكر فيها التحقيق علناً، ما يعني أن السرّية التي جمعت 376 صحافياً قد اختُرقت.
“أثار ذلك الذعر لدى الجميع”، قال رايل، لكن مع مرور اليوم، أصبح شيء آخر واضحاً. فقد كان الكرملين يسعى إلى توجيه ضربة استباقية: تشويه سمعة المشروع قبل أن يرى النور. لكنّ الفعل ذاته، الذي كان يُراد به نزع المصداقيّة، أصبح دليلاً على أهمّية المشروع، والآن، أصبح العالم بأسره ينتظر ما سيُنشر.
“لقد بدأ الاهتمام بما نحن بصدد كشفه يتضاعف فعلاً”، قال رايل.
حاول الكرملين تصوير المشروع كحملة سياسية موجّهة، لكن النتيجة كانت العكس، إذ أكّد أن القصّة كانت كبيرة بما يكفي لتهزّ أركان السلطة.
لكنّ “وثائق بنما” لم تكن يوماً قصّة روسية فقط، ولم يكن بوتين الزعيم الوحيد الذي سيجد نفسه قريباً في مرمى التدقيق العالمي.
إقرأوا أيضاً:














