ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عشر سنوات على وثائق بنما (3): القصة التي هزّت العالم

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في الذكرى العاشرة لوثائق بنما، يستعيد الصحافيون واقتصادي حاصل على جائزة نوبل ذكرياتهم حول كيف كُشفَت القصة، وكيف لا يزال صداها يتردد حتى اليوم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تريسي موريلو، الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)

قبل عقد من الزمن، انطلق أكبر تحالف صحافي في التاريخ للتحقيق في نظام بُني ليبقى في الظل.

ما كشفوه أصبح يُعرف بـ«وثائق بنما» — تحقيق واسع النطاق كشف العالم السري للمال، وفضح كيف يستخدم الأثرياء وأصحاب النفوذ الهياكل الخارجية لحماية ثرواتهم والإفلات من التدقيق.

هذا هو الجزء الأخير من سلسلة تستعرض كيف نشأ هذا التحقيق الضخم، مستندةً إلى شهادات الصحافيين الذين فجّر عملهم مواجهة عالمية حول سرّية المال وتداعياتها. اقرأ الجزأين الأول والثاني.

النظرة من الأعلى

مارينا ووكر غيفارا (الولايات المتحدة)

آنذاك: نائبة المدير، الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) | الآن: المديرة التنفيذية للتحرير، مركز بوليتزر

في تمام الثانية من بعد ظهر يوم 3 أبريل 2016، حين بدأت القصص الأولى لوثائق بنما تُنشر في أنحاء العالم، كانت مارينا ووكر غيفارا في مكان ما فوق الولايات المتحدة، معلّقة بين المناطق الزمنية، ومعزولة عن الزلازل السياسية التي كانت قد بدأت بالفعل.

كانت عائدة من حفل زفاف عائلي في سان فرانسيسكو، تتساءل في ذهنها كيف سيتلقى العالم القصص، وهل سيكترث أحد حقًا.

جاءت الإجابات بسرعة مذهلة.

فما إن حطّت الطائرة في واشنطن، حتى فعّلت ووكر غيفارا هاتفها. انهمرت الرسائل بوتيرة لا تستطيع مجاراتها.

«اضطررت لالتقاط أنفاسي»، تتذكر ووكر غيفارا، الصحافية الأرجنتينية التي تشغل اليوم منصب المديرة التنفيذية للتحرير في مركز بوليتزر.

كان العالم يتلقّى الأسرار التي احتفظت بها لأكثر من عام — تفاصيل كانت ستشعل احتجاجات، وتسقط زعماء دول، وتفتح ملفات جنائية.

خلال الساعات والأيام الأولى، امتلأت شوارع ريكيافيك ولندن بالمحتجين الغاضبين، وتسابقت الحكومات من بنما إلى باكستان على إصدار بيانات النفي، بينما كانت المطابع حول العالم لا تزال تدور، تنشر قصة تلو الأخرى تكشف شبكة عالمية من السياسيين والممولين والمشاهير الذين امتدت تعاملاتهم عبر الحدود.

من مقعدها فوق الغيوم، بدأت ووكر غيفارا تدرك ضخامة ما أنجزه هذا الفريق العالمي.

«هذا أكبر بكثير مما كنا نظن»، تذكّرت قولها. «هذه حقًا قصة عن اللا مساواة البنيوية في العالم».

مساءلة غير القابلين للمساءلة

موسى أكسار (النيجر)

المؤسس ورئيس التحرير، ليڤينِمون (L’Evenement)

عندما نشرت صحيفة ليڤينِمون تحقيق وثائق بنما، كان مؤسسها ورئيس تحريرها موسى أكسار يعرف أن للعواقب وجودًا حتميًا. فقد ذكرت التغطية اسم ممول نافذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنخبة الحاكمة — أو كما قال أكسار مؤخرًا بالفرنسية: «un intouchable»، أي «شخص لا يمكن المساس به».

جاءت الصدمة بسرعة. نفدت أعداد الصحيفة من الأكشاك خلال ساعات. واضطر الفريق إلى طباعة دفعة ثانية. شعر أكسار ببعض الرضا — إلى أن خطر في باله أولاده الثلاثة، فحلّ مكانه القلق.

كان قد كشف للعالم أن محمد ريسه علي، أحد أكبر المانحين السياسيين في البلاد، استخدم شركة خارجية لتحويل إيرادات شركته للنقل إلى ملاذات ضريبية.

بدأت الاتصالات في صباح يوم النشر. أولها من صديق أبدى إعجابه بشجاعته وناشده أن يتوخّى الحذر.

ثم جاءت مكالمات من أشخاص لا يعرفهم: تهديدات. ومع كل رنين للهاتف، أصبح الخطر أكثر واقعية. ففي النيجر، نادرًا ما تقتصر الانتقاميات على الصحافي وحده.

هاجمت صحف أخرى عمله. شُكّكت دوافعه. واتُهم بأنه يخدم مصالح غربية — تهمة خطيرة في ديمقراطية هشة.

تساءل أولاده — مراهقان وطفل في التاسعة — عمّا إذا كان الأمر يستحق. يتذكّر أكسار محاولتهم فهم لماذا كان، كما قال هو، «يضحّي بنفسه من أجل مجتمع لا يقدّر».

بعد مرور عقد من الزمن، يقول أكسار إنهم لم يعودوا يسألون لماذا خاطَر. بل يشعرون بالفخر اليوم لأن أباهم هو الصحافي الذي أثبت أن حتى «غير القابلين للمساءلة» ليسوا بعيدين عن أعين الحقيقة والمساءلة.

الدفاع عن الوثائق

مينا كنوس-غالان (فنلندا)

صحافية استقصائية، هيئة الإذاعة الفنلندية Yle

بينما كانت وثائق بنما تهزّ حكومات العالم، دارت واحدة من أعنف المواجهات الصحافية ليس في دولة استبدادية، بل في بلد يتصدر بانتظام مؤشرات حرية الصحافة العالمية: فنلندا.

وجدت مينا كنوس-غالان، عضو الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، وزملاؤها في هيئة الإذاعة العامة الفنلندية (Yle) أنفسهم في مواجهة تهديد مباشر من مصلحة الضرائب الفنلندية باقتحام منازلهم وغرفتهم الإخبارية إذا لم يسلّموا الوثائق المسرَّبة.

كانت كنوس-غالان قد كشفت للتو عن بعض أكثر النتائج إثارة في التسريب الفنلندي: أن شركة المحاماة موساك فونسيكا، محور فضيحة وثائق بنما، تعاونت مع بنك نورديا — أكبر بنك في الدول الإسكندنافية — لإنشاء مئات الشركات الخارجية، وتاريخ وثائق بأثر رجعي، وحتى تسجيل أشخاص متوفين كمديرين للشركات لإخفاء هوية المالكين الحقيقيين.

جادلت الحكومة بأنها بحاجة إلى الاطلاع على مواد وثائق بنما للتحقيق في حالات تهرّب ضريبي يُشتبه بضلوع مواطنين فنلنديين فيها.

لكن Yle ردّت بأن الامتثال لذلك سيكون انتهاكًا لحماية المصادر، وسيقوّض الثقة التي جعلت التعاون عبر الحدود ممكنًا. قالت كنوس-غالان: «إذا أُجبر فريق صحافي واحد على تسليم المواد المسرَّبة، فقد يصمت المبلّغون عن المخالفات، وقد تتعرّض التحقيقات المستقبلية للخطر».

وأضافت: «لا أعتقد أننا كنّا سنستطيع تنفيذ مشاريع جديدة مع ICIJ بعدها إذا استمر هذا الخطر».

امتدّ التوتر إلى حياتها الشخصية أيضًا. حين وصل إنذار رسمي من مصلحة الضرائب إلى منزلها، شعرت أنه تهديد يقتحم مساحتها الخاصة. على العشاء، أخبرت أبناءها المراهقين أن هناك احتمالًا — وإن كان ضئيلًا — أن تقتحم الشرطة المنزل وتصادر أجهزة الكمبيوتر. قلق ابنها، الخبير الصغير في التكنولوجيا، وسألها: هل سيأخذون جهازي أيضًا؟

رغم كل الضغوط، لم تكن هناك أي وثائق في بيتها أو في غرفة الأخبار يمكن مصادرتها. كانت الملفات محفوظة على منصة آمنة تابعة للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

قالت كنوس-غالان مازحة بعد ذلك: «لا أدري ما الذي ظنته مصلحة الضرائب — أننا نحتفظ بوثائق بنما مكدّسة على مكاتبنا؟».

في الواقع، لم يمتلك الصحافيون الشركاء البيانات بأنفسهم. كانت محفوظة في السحابة الإلكترونية. يمكنهم تسجيل الدخول للبحث فيها، فيما يحتفظ الاتحاد بالقدرة على قطع الوصول في أي لحظة. وبفضل هذا التصميم، لم تمتلك أي غرفة أخبار الملفات بشكل مباشر — وهو إجراء أمني لحماية كل من المواد نفسها وسلامة التحقيق.

ومع ذلك، أعطى التهديد وحده إشارة مقلقة حول حرية الصحافة. فلو أصبح بإمكان السلطات إجبار الصحافيين على تسليم المواد السرية، فسيتعرّض استقلالهم للخطر، وسيتقوّض المبدأ الذي يحمي المصادر ويضمن استمرار التحقيقات المستقبلية.

وصفت كنوس-غالان الرسالة بأنها «مرهقة جدًا وغريبة للغاية» — من النوع الذي كانت تتوقع أن يتلقاه زملاؤها في روسيا، لا الصحافيون في هلسنكي، التي كانت آنذاك تستعد لاستضافة اليوم العالمي لحرية الصحافة. «كنت أفكر: لا يعقل أن يحدث هذا في فنلندا».

المحاسبة

جيرارد رايل (الولايات المتحدة / أستراليا)

المدير التنفيذي، الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)

لا يتذكر جيرارد رايل ما إذا كان ذلك في اليوم الأول بعد النشر أم الثاني.

ما يتذكره بوضوح هو عودته إلى مكتبه في واشنطن ورؤيته شيئًا غير مألوف على شاشته. فقد غُيّر الخلفية على شاشة جهازه السوداء الكبيرة: ظهرت صورة واحدة تملأ الشاشة — مبنى البرلمان في آيسلندا، محاطًا بحشود من الناس الغاضبين.

كان المتظاهرون يرمون المبنى بالبيض ويحملون لافتات تطالب — بالإيسلندية والإنكليزية — باستقالة رئيس الوزراء سيغموندور دافيد غونلوغسون.

كانت المطالبة بالمحاسبة قد بدأت بالفعل. خلال 48 ساعة فقط، أعلن غونلوغسون تنحّيه عن منصبه. وعندها أدرك رايل أن ما يحدث في آيسلندا ليس سوى البداية.

«في تلك اللحظة قلت لنفسي: هذا ضخم فعلاً»، قال رايل.

كانت تلك أول مرة يسمح فيها لثقل الحدث بأن يستقر في وعيه.

أما يوم النشر نفسه فقد حمل شعورًا مختلفًا.

«الارتياح الكبير — كان ذلك أقوى إحساسي. أخيرًا أخرجنا القصة إلى العلن»، قال.

على مدى 13 شهرًا، جرى إعداد التحقيق بسرّية تامة — داخل أنظمة مؤمّنة، ومن خلال مراسلات مشفّرة، وعبر عشرات الدول.

وعندما رُفع الحظر عن النشر، انفجرت القصة عبر المناطق الزمنية كقنبلة إعلامية.

«اضطررت إلى إبعاد نفسي عن الشاشات لأن القصص كانت تتدفّق بالعشرات من كل مكان»، قال رايل.

لم يكن الصدمـة في وجود نظام مالي خارجي سريّ بحد ذاته، بل في كون أشخاص مكلفين بالمصلحة العامة — وبعضهم ممن نددوا به علنًا — كانوا يستخدمونه هم أيضًا.

«رؤية تلك الصور من آيسلندا، ومتابعة وسم وثائق بنما وهو يشتعل على تويتر، واستلام اتصالات لا تتوقف من وسائل إعلام حول العالم تطلب مقابلات — عندها أدركنا أننا في قلب أكبر قصة يمكن أن نحلم بها يومًا»، قال رايل. «ولم تستمر ليوم أو يومين، بل لأسابيع وأشهر».

وحتى بعد عقد كامل، لا تزال أصداء تلك اللحظة مستمرة. فما زالت الحكومات في أنحاء العالم تتابع قضايا جنائية، من بينها قضية ضد محامٍ سويسري يتجه للمحاكمة في ألمانيا بتهم تتعلق بالتهرب الضريبي.

التداعيات

جوزيف ستيغليتز (الولايات المتحدة)

الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل وأستاذ في جامعة كولومبيا

في عواصم العالم كافة، جاءت التداعيات فورية: استقالات، وتحقيقات، واحتجاجات، وغضب اجتاح من لندن إلى إسلام آباد.

لكن في بنما، كانت القضية شخصية. فقد تركت التسريبات البلاد مثخنة بالجراح. بين ليلة وضحاها، تحولت إلى رمز عالمي للفساد وغسل الأموال والأنظمة المنحازة للأقوياء.

سرعان ما تحوّل موقف الرئيس خوان كارلوس فاريلا من الدفاع إلى المواجهة. وقال متحديًا: «ليس لدينا ما نخفيه»، وأعلن على الفور إنشاء لجنة مستقلة لدراسة ما حدث وكيفية إصلاحه.

كانت بنما تبحث عن الخلاص.

وافق الاقتصادي الحائز على نوبل جوزيف ستيغليتز والمحامي السويسري مارك بيث على قيادة اللجنة — إلى أن أدركا أن البلاد لا تسعى إلى التغيير الحقيقي، بل إلى التغطية.

اجتمعت اللجنة عدة مرات، افتراضيًا وفي بنما نفسها. لكن عندما تبيّن أن فاريلا سيكون له القرار النهائي بشأن ما إذا كانت نتائجها ستنشر أم لا، استقال ستيغليتز وبيث احتجاجًا.

قال ستيغليتز في مقابلة حديثة مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ): «كيف يمكن للجنة تدّعي التزامها بالشفافية ألا تكون شفافة؟».

تحوّلت استقالتهما إلى عناوين رئيسية في العالم، وعمّقت إحراج بنما أمام المجتمع الدولي.

«لقد أظهرت أن بنما متمسكة بسلوكها السيّئ»، قال ستيغليتز. «بدلًا من أن تعيد اللجنة إحياء سمعة بنما، زادت من تدهورها».

ومع انهيار مصداقيتها، اختفت اللجنة عن الأنظار. لكن ستيغليتز وبيث لم يختفيا.

يقول ستيغليتز إنهما شعرا بمسؤولية إتمام ما بدآه، فنشرا النتائج بأنفسهما لاحقًا.

في نوفمبر من ذلك العام، أصدرا تقريرًا مشتركًا بعنوان «التغلّب على الاقتصاد الموازي»، قدّم توصيات بشأن إنشاء سجلاتٍ للمالكين الفعليين، وتبادل تلقائي للمعلومات الضريبية، وتعزيز الرقابة على الوسطاء الماليين. في نهاية المطاف، ساهمت هذه الأفكار في دفع جهود تشريعية كبرى حول العالم — من بينها المناقشات التي أدت إلى صدور «قانون الشفافية المؤسسية الأميركي» لعام 2021.

بالنسبة لستيغليتز، كانت وثائق بنما قد حققت بالفعل إنجازًا استثنائيًا. فقد حوّلت ما كان يُعتبر شائعات إلى أدلة ملموسة — خريطة تفصيلية تُظهر كيف يغذّي نظام السرّية عدم المساواة والفساد.

«لقد غيّرت الجدل من التكهنات إلى الأدلة»، قال. «إن النور الذي سلطته وثائق بنما على تلك الممارسات أطلق نقاشًا عالميًا بالغ الأهمية».

وبعد عقد من الزمن، لم ينتهِ ذلك النقاش بعد.

«لقد غذّت وثائق بنما المطالب بمزيد من الشفافية في الأسواق المالية»، قال ستيغليتز، «لكن المؤسف أن المشكلات لم تُحل بعد. لا تزال أمامنا — بل أصبحت في بعض النواحي أكثر عمقًا».

06.04.2026
زمن القراءة: 8 minutes

في الذكرى العاشرة لوثائق بنما، يستعيد الصحافيون واقتصادي حاصل على جائزة نوبل ذكرياتهم حول كيف كُشفَت القصة، وكيف لا يزال صداها يتردد حتى اليوم.

تريسي موريلو، الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)

قبل عقد من الزمن، انطلق أكبر تحالف صحافي في التاريخ للتحقيق في نظام بُني ليبقى في الظل.

ما كشفوه أصبح يُعرف بـ«وثائق بنما» — تحقيق واسع النطاق كشف العالم السري للمال، وفضح كيف يستخدم الأثرياء وأصحاب النفوذ الهياكل الخارجية لحماية ثرواتهم والإفلات من التدقيق.

هذا هو الجزء الأخير من سلسلة تستعرض كيف نشأ هذا التحقيق الضخم، مستندةً إلى شهادات الصحافيين الذين فجّر عملهم مواجهة عالمية حول سرّية المال وتداعياتها. اقرأ الجزأين الأول والثاني.

النظرة من الأعلى

مارينا ووكر غيفارا (الولايات المتحدة)

آنذاك: نائبة المدير، الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) | الآن: المديرة التنفيذية للتحرير، مركز بوليتزر

في تمام الثانية من بعد ظهر يوم 3 أبريل 2016، حين بدأت القصص الأولى لوثائق بنما تُنشر في أنحاء العالم، كانت مارينا ووكر غيفارا في مكان ما فوق الولايات المتحدة، معلّقة بين المناطق الزمنية، ومعزولة عن الزلازل السياسية التي كانت قد بدأت بالفعل.

كانت عائدة من حفل زفاف عائلي في سان فرانسيسكو، تتساءل في ذهنها كيف سيتلقى العالم القصص، وهل سيكترث أحد حقًا.

جاءت الإجابات بسرعة مذهلة.

فما إن حطّت الطائرة في واشنطن، حتى فعّلت ووكر غيفارا هاتفها. انهمرت الرسائل بوتيرة لا تستطيع مجاراتها.

«اضطررت لالتقاط أنفاسي»، تتذكر ووكر غيفارا، الصحافية الأرجنتينية التي تشغل اليوم منصب المديرة التنفيذية للتحرير في مركز بوليتزر.

كان العالم يتلقّى الأسرار التي احتفظت بها لأكثر من عام — تفاصيل كانت ستشعل احتجاجات، وتسقط زعماء دول، وتفتح ملفات جنائية.

خلال الساعات والأيام الأولى، امتلأت شوارع ريكيافيك ولندن بالمحتجين الغاضبين، وتسابقت الحكومات من بنما إلى باكستان على إصدار بيانات النفي، بينما كانت المطابع حول العالم لا تزال تدور، تنشر قصة تلو الأخرى تكشف شبكة عالمية من السياسيين والممولين والمشاهير الذين امتدت تعاملاتهم عبر الحدود.

من مقعدها فوق الغيوم، بدأت ووكر غيفارا تدرك ضخامة ما أنجزه هذا الفريق العالمي.

«هذا أكبر بكثير مما كنا نظن»، تذكّرت قولها. «هذه حقًا قصة عن اللا مساواة البنيوية في العالم».

مساءلة غير القابلين للمساءلة

موسى أكسار (النيجر)

المؤسس ورئيس التحرير، ليڤينِمون (L’Evenement)

عندما نشرت صحيفة ليڤينِمون تحقيق وثائق بنما، كان مؤسسها ورئيس تحريرها موسى أكسار يعرف أن للعواقب وجودًا حتميًا. فقد ذكرت التغطية اسم ممول نافذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنخبة الحاكمة — أو كما قال أكسار مؤخرًا بالفرنسية: «un intouchable»، أي «شخص لا يمكن المساس به».

جاءت الصدمة بسرعة. نفدت أعداد الصحيفة من الأكشاك خلال ساعات. واضطر الفريق إلى طباعة دفعة ثانية. شعر أكسار ببعض الرضا — إلى أن خطر في باله أولاده الثلاثة، فحلّ مكانه القلق.

كان قد كشف للعالم أن محمد ريسه علي، أحد أكبر المانحين السياسيين في البلاد، استخدم شركة خارجية لتحويل إيرادات شركته للنقل إلى ملاذات ضريبية.

بدأت الاتصالات في صباح يوم النشر. أولها من صديق أبدى إعجابه بشجاعته وناشده أن يتوخّى الحذر.

ثم جاءت مكالمات من أشخاص لا يعرفهم: تهديدات. ومع كل رنين للهاتف، أصبح الخطر أكثر واقعية. ففي النيجر، نادرًا ما تقتصر الانتقاميات على الصحافي وحده.

هاجمت صحف أخرى عمله. شُكّكت دوافعه. واتُهم بأنه يخدم مصالح غربية — تهمة خطيرة في ديمقراطية هشة.

تساءل أولاده — مراهقان وطفل في التاسعة — عمّا إذا كان الأمر يستحق. يتذكّر أكسار محاولتهم فهم لماذا كان، كما قال هو، «يضحّي بنفسه من أجل مجتمع لا يقدّر».

بعد مرور عقد من الزمن، يقول أكسار إنهم لم يعودوا يسألون لماذا خاطَر. بل يشعرون بالفخر اليوم لأن أباهم هو الصحافي الذي أثبت أن حتى «غير القابلين للمساءلة» ليسوا بعيدين عن أعين الحقيقة والمساءلة.

الدفاع عن الوثائق

مينا كنوس-غالان (فنلندا)

صحافية استقصائية، هيئة الإذاعة الفنلندية Yle

بينما كانت وثائق بنما تهزّ حكومات العالم، دارت واحدة من أعنف المواجهات الصحافية ليس في دولة استبدادية، بل في بلد يتصدر بانتظام مؤشرات حرية الصحافة العالمية: فنلندا.

وجدت مينا كنوس-غالان، عضو الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، وزملاؤها في هيئة الإذاعة العامة الفنلندية (Yle) أنفسهم في مواجهة تهديد مباشر من مصلحة الضرائب الفنلندية باقتحام منازلهم وغرفتهم الإخبارية إذا لم يسلّموا الوثائق المسرَّبة.

كانت كنوس-غالان قد كشفت للتو عن بعض أكثر النتائج إثارة في التسريب الفنلندي: أن شركة المحاماة موساك فونسيكا، محور فضيحة وثائق بنما، تعاونت مع بنك نورديا — أكبر بنك في الدول الإسكندنافية — لإنشاء مئات الشركات الخارجية، وتاريخ وثائق بأثر رجعي، وحتى تسجيل أشخاص متوفين كمديرين للشركات لإخفاء هوية المالكين الحقيقيين.

جادلت الحكومة بأنها بحاجة إلى الاطلاع على مواد وثائق بنما للتحقيق في حالات تهرّب ضريبي يُشتبه بضلوع مواطنين فنلنديين فيها.

لكن Yle ردّت بأن الامتثال لذلك سيكون انتهاكًا لحماية المصادر، وسيقوّض الثقة التي جعلت التعاون عبر الحدود ممكنًا. قالت كنوس-غالان: «إذا أُجبر فريق صحافي واحد على تسليم المواد المسرَّبة، فقد يصمت المبلّغون عن المخالفات، وقد تتعرّض التحقيقات المستقبلية للخطر».

وأضافت: «لا أعتقد أننا كنّا سنستطيع تنفيذ مشاريع جديدة مع ICIJ بعدها إذا استمر هذا الخطر».

امتدّ التوتر إلى حياتها الشخصية أيضًا. حين وصل إنذار رسمي من مصلحة الضرائب إلى منزلها، شعرت أنه تهديد يقتحم مساحتها الخاصة. على العشاء، أخبرت أبناءها المراهقين أن هناك احتمالًا — وإن كان ضئيلًا — أن تقتحم الشرطة المنزل وتصادر أجهزة الكمبيوتر. قلق ابنها، الخبير الصغير في التكنولوجيا، وسألها: هل سيأخذون جهازي أيضًا؟

رغم كل الضغوط، لم تكن هناك أي وثائق في بيتها أو في غرفة الأخبار يمكن مصادرتها. كانت الملفات محفوظة على منصة آمنة تابعة للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

قالت كنوس-غالان مازحة بعد ذلك: «لا أدري ما الذي ظنته مصلحة الضرائب — أننا نحتفظ بوثائق بنما مكدّسة على مكاتبنا؟».

في الواقع، لم يمتلك الصحافيون الشركاء البيانات بأنفسهم. كانت محفوظة في السحابة الإلكترونية. يمكنهم تسجيل الدخول للبحث فيها، فيما يحتفظ الاتحاد بالقدرة على قطع الوصول في أي لحظة. وبفضل هذا التصميم، لم تمتلك أي غرفة أخبار الملفات بشكل مباشر — وهو إجراء أمني لحماية كل من المواد نفسها وسلامة التحقيق.

ومع ذلك، أعطى التهديد وحده إشارة مقلقة حول حرية الصحافة. فلو أصبح بإمكان السلطات إجبار الصحافيين على تسليم المواد السرية، فسيتعرّض استقلالهم للخطر، وسيتقوّض المبدأ الذي يحمي المصادر ويضمن استمرار التحقيقات المستقبلية.

وصفت كنوس-غالان الرسالة بأنها «مرهقة جدًا وغريبة للغاية» — من النوع الذي كانت تتوقع أن يتلقاه زملاؤها في روسيا، لا الصحافيون في هلسنكي، التي كانت آنذاك تستعد لاستضافة اليوم العالمي لحرية الصحافة. «كنت أفكر: لا يعقل أن يحدث هذا في فنلندا».

المحاسبة

جيرارد رايل (الولايات المتحدة / أستراليا)

المدير التنفيذي، الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)

لا يتذكر جيرارد رايل ما إذا كان ذلك في اليوم الأول بعد النشر أم الثاني.

ما يتذكره بوضوح هو عودته إلى مكتبه في واشنطن ورؤيته شيئًا غير مألوف على شاشته. فقد غُيّر الخلفية على شاشة جهازه السوداء الكبيرة: ظهرت صورة واحدة تملأ الشاشة — مبنى البرلمان في آيسلندا، محاطًا بحشود من الناس الغاضبين.

كان المتظاهرون يرمون المبنى بالبيض ويحملون لافتات تطالب — بالإيسلندية والإنكليزية — باستقالة رئيس الوزراء سيغموندور دافيد غونلوغسون.

كانت المطالبة بالمحاسبة قد بدأت بالفعل. خلال 48 ساعة فقط، أعلن غونلوغسون تنحّيه عن منصبه. وعندها أدرك رايل أن ما يحدث في آيسلندا ليس سوى البداية.

«في تلك اللحظة قلت لنفسي: هذا ضخم فعلاً»، قال رايل.

كانت تلك أول مرة يسمح فيها لثقل الحدث بأن يستقر في وعيه.

أما يوم النشر نفسه فقد حمل شعورًا مختلفًا.

«الارتياح الكبير — كان ذلك أقوى إحساسي. أخيرًا أخرجنا القصة إلى العلن»، قال.

على مدى 13 شهرًا، جرى إعداد التحقيق بسرّية تامة — داخل أنظمة مؤمّنة، ومن خلال مراسلات مشفّرة، وعبر عشرات الدول.

وعندما رُفع الحظر عن النشر، انفجرت القصة عبر المناطق الزمنية كقنبلة إعلامية.

«اضطررت إلى إبعاد نفسي عن الشاشات لأن القصص كانت تتدفّق بالعشرات من كل مكان»، قال رايل.

لم يكن الصدمـة في وجود نظام مالي خارجي سريّ بحد ذاته، بل في كون أشخاص مكلفين بالمصلحة العامة — وبعضهم ممن نددوا به علنًا — كانوا يستخدمونه هم أيضًا.

«رؤية تلك الصور من آيسلندا، ومتابعة وسم وثائق بنما وهو يشتعل على تويتر، واستلام اتصالات لا تتوقف من وسائل إعلام حول العالم تطلب مقابلات — عندها أدركنا أننا في قلب أكبر قصة يمكن أن نحلم بها يومًا»، قال رايل. «ولم تستمر ليوم أو يومين، بل لأسابيع وأشهر».

وحتى بعد عقد كامل، لا تزال أصداء تلك اللحظة مستمرة. فما زالت الحكومات في أنحاء العالم تتابع قضايا جنائية، من بينها قضية ضد محامٍ سويسري يتجه للمحاكمة في ألمانيا بتهم تتعلق بالتهرب الضريبي.

التداعيات

جوزيف ستيغليتز (الولايات المتحدة)

الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل وأستاذ في جامعة كولومبيا

في عواصم العالم كافة، جاءت التداعيات فورية: استقالات، وتحقيقات، واحتجاجات، وغضب اجتاح من لندن إلى إسلام آباد.

لكن في بنما، كانت القضية شخصية. فقد تركت التسريبات البلاد مثخنة بالجراح. بين ليلة وضحاها، تحولت إلى رمز عالمي للفساد وغسل الأموال والأنظمة المنحازة للأقوياء.

سرعان ما تحوّل موقف الرئيس خوان كارلوس فاريلا من الدفاع إلى المواجهة. وقال متحديًا: «ليس لدينا ما نخفيه»، وأعلن على الفور إنشاء لجنة مستقلة لدراسة ما حدث وكيفية إصلاحه.

كانت بنما تبحث عن الخلاص.

وافق الاقتصادي الحائز على نوبل جوزيف ستيغليتز والمحامي السويسري مارك بيث على قيادة اللجنة — إلى أن أدركا أن البلاد لا تسعى إلى التغيير الحقيقي، بل إلى التغطية.

اجتمعت اللجنة عدة مرات، افتراضيًا وفي بنما نفسها. لكن عندما تبيّن أن فاريلا سيكون له القرار النهائي بشأن ما إذا كانت نتائجها ستنشر أم لا، استقال ستيغليتز وبيث احتجاجًا.

قال ستيغليتز في مقابلة حديثة مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ): «كيف يمكن للجنة تدّعي التزامها بالشفافية ألا تكون شفافة؟».

تحوّلت استقالتهما إلى عناوين رئيسية في العالم، وعمّقت إحراج بنما أمام المجتمع الدولي.

«لقد أظهرت أن بنما متمسكة بسلوكها السيّئ»، قال ستيغليتز. «بدلًا من أن تعيد اللجنة إحياء سمعة بنما، زادت من تدهورها».

ومع انهيار مصداقيتها، اختفت اللجنة عن الأنظار. لكن ستيغليتز وبيث لم يختفيا.

يقول ستيغليتز إنهما شعرا بمسؤولية إتمام ما بدآه، فنشرا النتائج بأنفسهما لاحقًا.

في نوفمبر من ذلك العام، أصدرا تقريرًا مشتركًا بعنوان «التغلّب على الاقتصاد الموازي»، قدّم توصيات بشأن إنشاء سجلاتٍ للمالكين الفعليين، وتبادل تلقائي للمعلومات الضريبية، وتعزيز الرقابة على الوسطاء الماليين. في نهاية المطاف، ساهمت هذه الأفكار في دفع جهود تشريعية كبرى حول العالم — من بينها المناقشات التي أدت إلى صدور «قانون الشفافية المؤسسية الأميركي» لعام 2021.

بالنسبة لستيغليتز، كانت وثائق بنما قد حققت بالفعل إنجازًا استثنائيًا. فقد حوّلت ما كان يُعتبر شائعات إلى أدلة ملموسة — خريطة تفصيلية تُظهر كيف يغذّي نظام السرّية عدم المساواة والفساد.

«لقد غيّرت الجدل من التكهنات إلى الأدلة»، قال. «إن النور الذي سلطته وثائق بنما على تلك الممارسات أطلق نقاشًا عالميًا بالغ الأهمية».

وبعد عقد من الزمن، لم ينتهِ ذلك النقاش بعد.

«لقد غذّت وثائق بنما المطالب بمزيد من الشفافية في الأسواق المالية»، قال ستيغليتز، «لكن المؤسف أن المشكلات لم تُحل بعد. لا تزال أمامنا — بل أصبحت في بعض النواحي أكثر عمقًا».