ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

علاء عبد الفتّاح…هل تكفي البراءة من تهمة “الإرهاب”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إحدى المفارقات الصارخة التي تجسّد التجاوز القانوني في التعامل مع النشطاء السياسيين في مصر، أن يُدرج اسم علاء عبد الفتّاح على قوائم الإرهاب وهو خلف قضبان السجن، محروم من حرّيته، ومن أبسط حقوقه في التعبير أو الحركة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كتبت الدكتورة ليلى سويف والدة علاء عبد الفتّاح: “كل شوية اقفش نفسي بخطط لحاجات هاعملها لما علاء يخرج من السجن، وطبعا كلها خطط غرضها تحقيق أهداف صغيرة جدا، منها لما علاء يخرج انزل مصر وأروح لدكتور السنان بتاعي يضبط لي طقم السنان”.

ارتفعت التوقّعات وأصبح هناك أمل لدى أسرة الناشط والمدوّن المصري علاء عبد الفتاح باحتمالية الإفراج عنه بقرار عفو رئاسي، بعدما قرّرت محكمة جنايات القاهرة ببدر الدائرة الأولى، رفع اسمه من “قائمة الكيانات الإرهابية”، واستندت المحكمة في قرارها إلى أن التحرّيات أفادت بعدم استمرار عبد الفتّاح في أي نشاط لصالح “جماعة إرهابية”!

هذا القرار قضى بإلغاء القيود القانونية التي فرضها الإدراج، مثل المنع من السفر، وتجميد الأصول، ومنع الترشّح أو التعيين في الوظائف، لكنّه لا يعني بالضرورة الإفراج الفوري عنه.

قرار بعث الأمل وأثار اعتقاداً بأنه خطوة إيجابية في سبيل الإفراج عنه وخطوة لرفع أسماء آخرين تمّ إدراجهم على قائمة الإرهاب، لمجرّد التعبير السلمي و النشر السياسي  الرقمي على صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن قبل الأمل لا يمكن إفلات خيط المهزلة، وهذا ما يتّضح في ما كتبته الدكتورة سويف: “اللي عارفيني عارفين إني عمري ما صدقت أي وعود بالإفراج أو العفو أو أي حاجة شبيهة، غير لما يتم بالفعل”.

مهزلة تهم “الإرهاب”

تم إدراج اسم علاء عبد الفتّاح على قائمة الإرهاب في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 بقرار من محكمة جنايات القاهرة، وذلك ضمن القضيّة رقم 1781 لسنة 2019. وتمّ نشر هذا القرار رسمياً في الجريدة الرسمية في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وأيّدت القرار محكمة النقض في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وهي الفترة نفسها التي كان عبد الفتّاح معتقلاً فيها بالفعل، على خلفيّة قضيّة “بوست” أعاد نشره للمطالبة بحقّ معتقل.

التحرّيات التي قيّدت عبد الفتّاح في “قوائم الإرهاب”، تفيد الآن بعدم استمراره في أي نشاط سياسي ” إرهابي” مؤخّراً، ومؤخّراً هنا تعني فترة حبسه! 

هذه إحدى المفارقات الصارخة التي تجسّد التجاوز القانوني في التعامل مع النشطاء السياسيين في مصر، أن يُدرج اسم علاء عبد الفتّاح على قوائم الإرهاب وهو خلف قضبان السجن، محروم من حرّيته، ومن أبسط حقوقه في التعبير أو الحركة. والأكثر إثارة للسخرية، أن يتمّ لاحقاً رفع اسمه من تلك القوائم، بحجّة “عدم استمراره في ممارسة نشاط محظور”! كيف يُعقل أن يُحاسب معتقل على ممارسة نشاط سياسي أو عدمه بينما هو محتجز منذ سنوات؟ 

هذا المنطق المعكوس المعتمد على الشدّ والإرخاء لا يعكس فقط التناقض القضائي، بل يكشف بجلاء عن استخدام قوائم الإرهاب كسلاح سياسي، في وجه المعارضين السلميين الذين يطالبون بالحرّية والديمقراطية، ويُعاقَبون لمجرّد آرائهم السياسية السلمية.

من الحالات المعروفة في الوسط الحقوقي الناشط الحقوقي محمّد الباقر، الذي حُكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهمة “نشر أخبار كاذبة”، وأُدرج اسمه ضمن قوائم الإرهاب، رغم أن نشاطه الحقوقي لم يشمل أعمال عنف، ثم حصل على عفو رئاسي في تمّوز/ يوليو 2023، كذلك محمّد رضوان (محمّد أكسجين) المحكوم بالتهم نفسها، ولا يزال معتقلاً رغم المطالبات الدولية بإطلاق سراحه.

“الإرهاب” والتجريد من الحقوق

الاستخدام الفضفاض لقوانين مكافحة الإرهاب يترتّب عليه تبعات خطيرة، منها إصدار مذكّرة للقبض على المتّهمين ومنعهم الفوري من السفر خارج مصر، إذا كانوا في الداخل، أما إذا كانوا خارج مصر فيتمّ وضعهم على قوائم ترقّب الوصول، للقبض عليهم فور دخولهم مصر بأي طريقة، كما يتمّ سحب جوازات سفرهم إذا توجّهوا إلى أي سفارة أو قنصلية لمصر في الخارج، ولا يُسمح بتجديد جوازات سفرهم مرّة أخرى.

تشمل العقوبات تجميد الأصول والأموال، والحرمان من الحقوق السياسية، دون وجود آلية شفّافة للطعن الفعّال أو مراجعة موضوعية لهذه القرارات، وقبل كلّ ذلك حالة الوصم وتعميمها على من يشارك في نشاط سياسي معارض في مصر.

الشارع المصري نفسه لا يفهم الآن، وهو الذي تمّ إقناعه وتربيته أن عبد الفتّاح وغيره من النشطاء السياسيين إرهابيون، الآن هو يعترض بعد أن تمّ تهيئته كعقل جمعي على أن رموز ثورة يناير هم “مخرّبو البلد”، ويتساءل كيف يتمّ إعفاؤهم من التهمة الآن، والتعديل في السيناريو الذي اعتاده الجميع.

عدد المدرجين على قائمة “الكيانات الإرهابية” و”الإرهابيين” في مصر، والمحدّثة في 12 آب/ أغسطس 2024، بلغ  4408 أشخاص، منهم من هو موجود في مصر وهناك من هو في الخارج، من بينهم حقوقيون ومعارضون.

 مدّة إدراج الأشخاص على قوائم الإرهاب في مصر خمس سنوات، بعدها تقوم محكمة الجنايات بمراجعة القوائم والموافقة على التمديد أو الرفع، وذلك بناء على التحرّيات والتحقيقات التي تحصل عليها من النائب العامّ.

منذ أيلول/ سبتمبر 2019، وبعد إطلاق سراح عبد الفتّاح من حكم سابق بالسجن لخمس سنوات. لم تمرّ سوى ستّة أشهر على تحرّره حتى تمّ القبض عليه مرّة أخرى أثناء أدائه إجراءات المراقبة الشرطية اليومية في قسم شرطة الدقّي. حينها، اختفى قسرياً لعدّة أيّام، قبل أن يظهر في نيابة أمن الدولة العليا، التي قرّرت حبسه احتياطاً على ذمّة القضيّة رقم 1356 لسنة 2019، بتهم: الانتماء إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وهي التهم نفسها التي وُجّهت لعشرات النشطاء والصحافيين والمحامين في تلك الفترة، مما يؤكّد أن الأمر لم يكن قانونياً بقدر ما كان سياسياً.

في تلك الأيّام كانت سويف والدة عبد الفتّاح، أوّل من دقّ ناقوس الخطر. باعتبارها أكاديمية وناشطة مخضرمة، ولم تتوقّف عن التوجه يومياً إلى النيابة العامّة والسجون والمستشفيات، باحثة عن معلومة تؤكّد أن ابنها بخير، وأنه ما زال حياً، مرّت الليالي الأولى من الاختفاء القسري دون معلومة واحدة مؤكّدة، حتى ظهر علاء مجدداً في النيابة وقد بدت عليه آثار التعذيب، كانت الصدمة كبيرة. أخبر محاميه أنه تعرّض للضرب والإهانة في أثناء احتجازه، وأنه حُرم من النوم والطعام والدواء. ومع ذلك، لم يتمّ التحقيق في هذه الانتهاكات، ولم تُحاسب أي جهة مسؤولة حتى الآن.

المعركة ضدّ “سجون السيسي”

طيلة العام 2020، عاشت عائلة عبد الفتّاح وضعاً نفسياً بالغ القسوة. كلّ زيارة كانت معركة. كلّ خطاب يجب أن يُراجع وتُراقب كلماته. كانت أخته منى سيف الباحثة في علوم الوراثة والناشطة السياسية، تنقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تفاصيل ما يحدث داخل السجون. كما خاضت حملات مستمرّة للضغط على المجتمع الدولي للتدخّل. أما شقيقته الصغرى سناء سيف، فاختارت أن تواجه السلطة وجهاً لوجه عبر الاعتصامات والإضرابات، لتجد نفسها لاحقاً خلف القضبان هي الأخرى، بعدما اتُّهمت بـ”نشر أخبار كاذبة”، في حزيران/ يونيو 2020، إثر توجّهها إلى مكتب النائب العامّ للمطالبة بمعلومات عن أخيها.

صدر حكم قضائي في كانون الأول/ ديسمبر 2021 ضدّ عبد الفتّاح بالسجن خمس سنوات بتهمة “نشر أخبار كاذبة من شأنها تهديد الأمن القومي”، في محاكمة وُصفت بأنها “هزلية” من قِبل منظّمات حقوق الإنسان، حيث تمّ منع المحامين من الحصول على نسخة من ملفّ القضيّة، كما لم يُسمح لهم بالترافع بشكل حقيقي. كانت القضيّة مبنيّة على منشورٍ على “فيسبوك”، ولم يُقدَّم أي دليل على الضرر الأمني المزعوم. استقبلت العائلة الحكم بذهول، لكنّه لم يكن مفاجئاً، فقد بدت كلّ مؤشّرات التصعيد واضحة.

في عام 2022، دخل علاء في إضراب مفتوح عن الطعام استمرّ لأكثر من 200 يوم، احتجاجاً على ظروف حبسه ومنع الزيارات وانتزاع حقّه في التراسل مع أسرته. خلال تلك الفترة، عاشت العائلة رعباً يومياً. لم تكن تصلهم أخبار واضحة، وكانوا يعتمدون على رسائل محدودة تأتي متأخّرة من إدارة السجن. 

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، ومع اقتراب مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، تصاعدت الحملة الدولية للمطالبة بالإفراج عنه، وارتفعت الأصوات في البرلمان البريطاني ووسائل الإعلام الغربية، خاصّة أن عبد الفتّاح يحمل الجنسيّة البريطانية، لكن دون استجابة من الدولة المصرية.

في ظلّ هذه الضغوط، بدأت الدكتورة سويف إضراباً عن الطعام في أيلول/ سبتمبر 2024، كان الأقسى في حياتها، خاصّة أنه استمرّ لعشرة أشهر كاملة، كادت خلالها أن تفقد حياتها، مطالبة بالإفراج عن ابنها بعد أن أنهى مدّة حبسه. 

هذا الإضراب الطويل شكّل عنواناً لصبر عائلة، لم تعد تملك شيئاً سوى الأمل المعلّق على أبواب السياسة والقضاء، في انتظار لحظة قد لا تأتي.

تنصّ المادّة 482 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أن مدّة العقوبة المقيّدة للحرّية تبدأ من يوم القبض على المحكوم عليه بناءً على حكم واجب التنفيذ، مع مراعاة إنقاصها بمقدار مدّة الحبس الاحتياطي ومدة القبض.

منذ العام 2019، والعائلة كلّها أصبحت في حالة كفاح دائم مع وضع بيروقراطي يرفض الشفافية، ويُعاقب حتى بالصمت. عشرات البيانات، مئات الزيارات إلى النيابات، احتجاجات، إضرابات، مقالات، مؤتمرات صحافية، رسائل إلى الأمم المتّحدة، مناشدات في البرلمان البريطاني، كلّها تحرّكات لم تهدف سوى إلى استعادة عبد الفتّاح بعدما أنهى فترة حبسه لكن دون جدوى.

ليلى سويف والصراع على السعرات الحرارية

قرار رفع اسم علاء عبد الفتّاح من قوائم الإرهاب أتى بعد أسبوع من إعلان والدته الدكتورة ليلى سويف، إنهاء إضرابها عن الطعام استجابة للأصوات التي طالبتها بالحفاظ على حياتها.

رفع اسم عبد الفتّاح من على قوائم الإرهاب هو حقّ أصيل وتصحيح لوضع غير قانوني منذ البداية، وفرصة ربما لتسهيل الإفراج عنه وسفره خارج البلاد، لكنّه لا يُعفي من السؤال عن مصير غيره من المقيّدين داخل هذه القائمة العقابية التي باتت تشبه المصيدة الإضافية داخل مصيدة السجن.

شطب اسم عبد الفتّاح من قائمة الإرهاب خطوة مهمّة، لكنّها لم تنهِ الحالة القانونية أو الإنسانية التي يواجهها، والمسألة لا تتوقّف عند اسمه فقط، بل تشمل أسماء آلاف المعتقلين على خلفيّات سياسية سلمية، الذين يطالبون بمراجعة شاملة تتيح لهم حقوقهم الأساسية في المحاكمة العادلة، والحرّية، واللجوء إلى آليات طعن فعّالة داخل القضاء المصري ليس فقط لإلغاء الإدراج بل للإفراج الفعلي عنهم.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
26.07.2025
زمن القراءة: 7 minutes

إحدى المفارقات الصارخة التي تجسّد التجاوز القانوني في التعامل مع النشطاء السياسيين في مصر، أن يُدرج اسم علاء عبد الفتّاح على قوائم الإرهاب وهو خلف قضبان السجن، محروم من حرّيته، ومن أبسط حقوقه في التعبير أو الحركة.

كتبت الدكتورة ليلى سويف والدة علاء عبد الفتّاح: “كل شوية اقفش نفسي بخطط لحاجات هاعملها لما علاء يخرج من السجن، وطبعا كلها خطط غرضها تحقيق أهداف صغيرة جدا، منها لما علاء يخرج انزل مصر وأروح لدكتور السنان بتاعي يضبط لي طقم السنان”.

ارتفعت التوقّعات وأصبح هناك أمل لدى أسرة الناشط والمدوّن المصري علاء عبد الفتاح باحتمالية الإفراج عنه بقرار عفو رئاسي، بعدما قرّرت محكمة جنايات القاهرة ببدر الدائرة الأولى، رفع اسمه من “قائمة الكيانات الإرهابية”، واستندت المحكمة في قرارها إلى أن التحرّيات أفادت بعدم استمرار عبد الفتّاح في أي نشاط لصالح “جماعة إرهابية”!

هذا القرار قضى بإلغاء القيود القانونية التي فرضها الإدراج، مثل المنع من السفر، وتجميد الأصول، ومنع الترشّح أو التعيين في الوظائف، لكنّه لا يعني بالضرورة الإفراج الفوري عنه.

قرار بعث الأمل وأثار اعتقاداً بأنه خطوة إيجابية في سبيل الإفراج عنه وخطوة لرفع أسماء آخرين تمّ إدراجهم على قائمة الإرهاب، لمجرّد التعبير السلمي و النشر السياسي  الرقمي على صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن قبل الأمل لا يمكن إفلات خيط المهزلة، وهذا ما يتّضح في ما كتبته الدكتورة سويف: “اللي عارفيني عارفين إني عمري ما صدقت أي وعود بالإفراج أو العفو أو أي حاجة شبيهة، غير لما يتم بالفعل”.

مهزلة تهم “الإرهاب”

تم إدراج اسم علاء عبد الفتّاح على قائمة الإرهاب في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 بقرار من محكمة جنايات القاهرة، وذلك ضمن القضيّة رقم 1781 لسنة 2019. وتمّ نشر هذا القرار رسمياً في الجريدة الرسمية في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وأيّدت القرار محكمة النقض في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وهي الفترة نفسها التي كان عبد الفتّاح معتقلاً فيها بالفعل، على خلفيّة قضيّة “بوست” أعاد نشره للمطالبة بحقّ معتقل.

التحرّيات التي قيّدت عبد الفتّاح في “قوائم الإرهاب”، تفيد الآن بعدم استمراره في أي نشاط سياسي ” إرهابي” مؤخّراً، ومؤخّراً هنا تعني فترة حبسه! 

هذه إحدى المفارقات الصارخة التي تجسّد التجاوز القانوني في التعامل مع النشطاء السياسيين في مصر، أن يُدرج اسم علاء عبد الفتّاح على قوائم الإرهاب وهو خلف قضبان السجن، محروم من حرّيته، ومن أبسط حقوقه في التعبير أو الحركة. والأكثر إثارة للسخرية، أن يتمّ لاحقاً رفع اسمه من تلك القوائم، بحجّة “عدم استمراره في ممارسة نشاط محظور”! كيف يُعقل أن يُحاسب معتقل على ممارسة نشاط سياسي أو عدمه بينما هو محتجز منذ سنوات؟ 

هذا المنطق المعكوس المعتمد على الشدّ والإرخاء لا يعكس فقط التناقض القضائي، بل يكشف بجلاء عن استخدام قوائم الإرهاب كسلاح سياسي، في وجه المعارضين السلميين الذين يطالبون بالحرّية والديمقراطية، ويُعاقَبون لمجرّد آرائهم السياسية السلمية.

من الحالات المعروفة في الوسط الحقوقي الناشط الحقوقي محمّد الباقر، الذي حُكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهمة “نشر أخبار كاذبة”، وأُدرج اسمه ضمن قوائم الإرهاب، رغم أن نشاطه الحقوقي لم يشمل أعمال عنف، ثم حصل على عفو رئاسي في تمّوز/ يوليو 2023، كذلك محمّد رضوان (محمّد أكسجين) المحكوم بالتهم نفسها، ولا يزال معتقلاً رغم المطالبات الدولية بإطلاق سراحه.

“الإرهاب” والتجريد من الحقوق

الاستخدام الفضفاض لقوانين مكافحة الإرهاب يترتّب عليه تبعات خطيرة، منها إصدار مذكّرة للقبض على المتّهمين ومنعهم الفوري من السفر خارج مصر، إذا كانوا في الداخل، أما إذا كانوا خارج مصر فيتمّ وضعهم على قوائم ترقّب الوصول، للقبض عليهم فور دخولهم مصر بأي طريقة، كما يتمّ سحب جوازات سفرهم إذا توجّهوا إلى أي سفارة أو قنصلية لمصر في الخارج، ولا يُسمح بتجديد جوازات سفرهم مرّة أخرى.

تشمل العقوبات تجميد الأصول والأموال، والحرمان من الحقوق السياسية، دون وجود آلية شفّافة للطعن الفعّال أو مراجعة موضوعية لهذه القرارات، وقبل كلّ ذلك حالة الوصم وتعميمها على من يشارك في نشاط سياسي معارض في مصر.

الشارع المصري نفسه لا يفهم الآن، وهو الذي تمّ إقناعه وتربيته أن عبد الفتّاح وغيره من النشطاء السياسيين إرهابيون، الآن هو يعترض بعد أن تمّ تهيئته كعقل جمعي على أن رموز ثورة يناير هم “مخرّبو البلد”، ويتساءل كيف يتمّ إعفاؤهم من التهمة الآن، والتعديل في السيناريو الذي اعتاده الجميع.

عدد المدرجين على قائمة “الكيانات الإرهابية” و”الإرهابيين” في مصر، والمحدّثة في 12 آب/ أغسطس 2024، بلغ  4408 أشخاص، منهم من هو موجود في مصر وهناك من هو في الخارج، من بينهم حقوقيون ومعارضون.

 مدّة إدراج الأشخاص على قوائم الإرهاب في مصر خمس سنوات، بعدها تقوم محكمة الجنايات بمراجعة القوائم والموافقة على التمديد أو الرفع، وذلك بناء على التحرّيات والتحقيقات التي تحصل عليها من النائب العامّ.

منذ أيلول/ سبتمبر 2019، وبعد إطلاق سراح عبد الفتّاح من حكم سابق بالسجن لخمس سنوات. لم تمرّ سوى ستّة أشهر على تحرّره حتى تمّ القبض عليه مرّة أخرى أثناء أدائه إجراءات المراقبة الشرطية اليومية في قسم شرطة الدقّي. حينها، اختفى قسرياً لعدّة أيّام، قبل أن يظهر في نيابة أمن الدولة العليا، التي قرّرت حبسه احتياطاً على ذمّة القضيّة رقم 1356 لسنة 2019، بتهم: الانتماء إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وهي التهم نفسها التي وُجّهت لعشرات النشطاء والصحافيين والمحامين في تلك الفترة، مما يؤكّد أن الأمر لم يكن قانونياً بقدر ما كان سياسياً.

في تلك الأيّام كانت سويف والدة عبد الفتّاح، أوّل من دقّ ناقوس الخطر. باعتبارها أكاديمية وناشطة مخضرمة، ولم تتوقّف عن التوجه يومياً إلى النيابة العامّة والسجون والمستشفيات، باحثة عن معلومة تؤكّد أن ابنها بخير، وأنه ما زال حياً، مرّت الليالي الأولى من الاختفاء القسري دون معلومة واحدة مؤكّدة، حتى ظهر علاء مجدداً في النيابة وقد بدت عليه آثار التعذيب، كانت الصدمة كبيرة. أخبر محاميه أنه تعرّض للضرب والإهانة في أثناء احتجازه، وأنه حُرم من النوم والطعام والدواء. ومع ذلك، لم يتمّ التحقيق في هذه الانتهاكات، ولم تُحاسب أي جهة مسؤولة حتى الآن.

المعركة ضدّ “سجون السيسي”

طيلة العام 2020، عاشت عائلة عبد الفتّاح وضعاً نفسياً بالغ القسوة. كلّ زيارة كانت معركة. كلّ خطاب يجب أن يُراجع وتُراقب كلماته. كانت أخته منى سيف الباحثة في علوم الوراثة والناشطة السياسية، تنقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تفاصيل ما يحدث داخل السجون. كما خاضت حملات مستمرّة للضغط على المجتمع الدولي للتدخّل. أما شقيقته الصغرى سناء سيف، فاختارت أن تواجه السلطة وجهاً لوجه عبر الاعتصامات والإضرابات، لتجد نفسها لاحقاً خلف القضبان هي الأخرى، بعدما اتُّهمت بـ”نشر أخبار كاذبة”، في حزيران/ يونيو 2020، إثر توجّهها إلى مكتب النائب العامّ للمطالبة بمعلومات عن أخيها.

صدر حكم قضائي في كانون الأول/ ديسمبر 2021 ضدّ عبد الفتّاح بالسجن خمس سنوات بتهمة “نشر أخبار كاذبة من شأنها تهديد الأمن القومي”، في محاكمة وُصفت بأنها “هزلية” من قِبل منظّمات حقوق الإنسان، حيث تمّ منع المحامين من الحصول على نسخة من ملفّ القضيّة، كما لم يُسمح لهم بالترافع بشكل حقيقي. كانت القضيّة مبنيّة على منشورٍ على “فيسبوك”، ولم يُقدَّم أي دليل على الضرر الأمني المزعوم. استقبلت العائلة الحكم بذهول، لكنّه لم يكن مفاجئاً، فقد بدت كلّ مؤشّرات التصعيد واضحة.

في عام 2022، دخل علاء في إضراب مفتوح عن الطعام استمرّ لأكثر من 200 يوم، احتجاجاً على ظروف حبسه ومنع الزيارات وانتزاع حقّه في التراسل مع أسرته. خلال تلك الفترة، عاشت العائلة رعباً يومياً. لم تكن تصلهم أخبار واضحة، وكانوا يعتمدون على رسائل محدودة تأتي متأخّرة من إدارة السجن. 

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، ومع اقتراب مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، تصاعدت الحملة الدولية للمطالبة بالإفراج عنه، وارتفعت الأصوات في البرلمان البريطاني ووسائل الإعلام الغربية، خاصّة أن عبد الفتّاح يحمل الجنسيّة البريطانية، لكن دون استجابة من الدولة المصرية.

في ظلّ هذه الضغوط، بدأت الدكتورة سويف إضراباً عن الطعام في أيلول/ سبتمبر 2024، كان الأقسى في حياتها، خاصّة أنه استمرّ لعشرة أشهر كاملة، كادت خلالها أن تفقد حياتها، مطالبة بالإفراج عن ابنها بعد أن أنهى مدّة حبسه. 

هذا الإضراب الطويل شكّل عنواناً لصبر عائلة، لم تعد تملك شيئاً سوى الأمل المعلّق على أبواب السياسة والقضاء، في انتظار لحظة قد لا تأتي.

تنصّ المادّة 482 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أن مدّة العقوبة المقيّدة للحرّية تبدأ من يوم القبض على المحكوم عليه بناءً على حكم واجب التنفيذ، مع مراعاة إنقاصها بمقدار مدّة الحبس الاحتياطي ومدة القبض.

منذ العام 2019، والعائلة كلّها أصبحت في حالة كفاح دائم مع وضع بيروقراطي يرفض الشفافية، ويُعاقب حتى بالصمت. عشرات البيانات، مئات الزيارات إلى النيابات، احتجاجات، إضرابات، مقالات، مؤتمرات صحافية، رسائل إلى الأمم المتّحدة، مناشدات في البرلمان البريطاني، كلّها تحرّكات لم تهدف سوى إلى استعادة عبد الفتّاح بعدما أنهى فترة حبسه لكن دون جدوى.

ليلى سويف والصراع على السعرات الحرارية

قرار رفع اسم علاء عبد الفتّاح من قوائم الإرهاب أتى بعد أسبوع من إعلان والدته الدكتورة ليلى سويف، إنهاء إضرابها عن الطعام استجابة للأصوات التي طالبتها بالحفاظ على حياتها.

رفع اسم عبد الفتّاح من على قوائم الإرهاب هو حقّ أصيل وتصحيح لوضع غير قانوني منذ البداية، وفرصة ربما لتسهيل الإفراج عنه وسفره خارج البلاد، لكنّه لا يُعفي من السؤال عن مصير غيره من المقيّدين داخل هذه القائمة العقابية التي باتت تشبه المصيدة الإضافية داخل مصيدة السجن.

شطب اسم عبد الفتّاح من قائمة الإرهاب خطوة مهمّة، لكنّها لم تنهِ الحالة القانونية أو الإنسانية التي يواجهها، والمسألة لا تتوقّف عند اسمه فقط، بل تشمل أسماء آلاف المعتقلين على خلفيّات سياسية سلمية، الذين يطالبون بمراجعة شاملة تتيح لهم حقوقهم الأساسية في المحاكمة العادلة، والحرّية، واللجوء إلى آليات طعن فعّالة داخل القضاء المصري ليس فقط لإلغاء الإدراج بل للإفراج الفعلي عنهم.

26.07.2025
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية