ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

علويو سوريا بعد الأسد: حين تتحوّل المحاسبة إلى عقاب جماعي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يحاول هذا التحقيق قراءة نمط من العنف أخذ يتشكّل في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة كـ”حكومة انتقالية”، عنف ضحيته الأولى كانت الطائفة العلوية (لاحقاً الطائفة الدرزية)، التي استُهدفت بمجازر ذات طابع إبادي بوصفها “البيئة الحاضنة” لنظام الأسد، ما جعلهم أيضاً، محط حملات تحريض متكررة وعنف يتمثل بالقتل والخطف ومصادرة الأراضي والأملاك.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد هروب بشار الأسد، تعرض علويو الساحل لمجزرة كبرى، وتكرّس توتر أهلي وسياسي وطائفي تجاه العلويين باعتبارهم “الطائفة التي احتضنت نظام الأسد المخلوع”، سبقت ذلك تحركات مسلحة لبعض رجال الأسد واستهداف الأمن العام.

وبالتالي، موقع العلويين في السلطة الجديدة وآليات التعامل معهم يصعب ضبطهما في سياق واحد، لكنهما حتماً أخذا مظاهر بارزة، فقد تكررت حالات القتل خارج القانون والاعتقال التعسفي والخطف والإهانات والطرد من الوظائف الرسمية ومصادرة المساكن.

ومن خلال تتبّع هذه الوقائع في أكثر من منطقة، يمكن صياغة سياق لكيفية تبدل الحياة اليومية لهذه المجموعة داخل سوريا، خصوصاً أن بعضهم، فئة مختارة جداً أصبحت ضمن “لجنة السلم الأهلي”، على رأسهم خالد الأحمد، المقرب من بشار الأسد سابقاً، وأحمد الشرع حالياً، والبعض الآخر أصبح في موقع العداء كالشيخ غزال غزال، كلاهما، لا يمثل العلويين، لكن السلطة الجديدة، تحاول ضبط الأقليات الدينية والعرقية عبر نظام تمثيل عشائري-طائفي لضبط الجماعات بوصفها كتلة واحدة، لا أفراد مستقلين.

النزول من الجبل

العلويون في سوريا أقلية دينية شكّلت تاريخياً نحو 9 في المئة من السكان، أي قرابة 1.7 مليون شخص، مع تمركز أساسي في الساحل وأجزاء من حمص وحماة. لكن عهدَي حافظ وبشار الأسد جعلا هذه الأقلية تبدو، في نظر كثيرين، كأنها “الطائفة التي حكمت”، لا لأن جميع العلويين امتلكوا السلطة فعلاً، بل لأن النظام ربط جزءاً مهماً من أجهزة الجيش والأمن وشبكات الامتياز والولاء باسمها ورموزها، ثم حكم البلاد عبر هذا التماهي الممنهج بين بقاء السلطة وبقاء الجماعة.

المأساة اليوم أن هذا الإرث تعاد ترجمته بصيغة عقاب جماعي، فبدلاً من حصر المسؤولية في بنية الاستبداد وأجهزته ومرتكبي الجرائم، يتم التعامل أحياناً مع العلويين ككتلة متهمة سلفاً، تُحمَّل وزر ما ارتكبه نظام ادّعى أنه يحكم باسمها.
ووثّقت منظمات حقوقية ووكالات دولية في المرحلة الانتقالية عمليات قتل على الهوية وانتهاكات طاولت علويين مدنيين، بينهم من لا صلة لهم بأي جهاز قمعي .هكذا،يجد كثر من العلويين أنفسهم اليوم بين حقيقتين قاسيتين: أنهم لم يكونوا جميعاً شركاء متساوين في السلطة، لكنهم يُعامَلون أحياناً كما لو أنهم شركاء متساوون في الجريمة. وهذا بالضبط ما يجعل الانتقال من محاسبة النظام إلى الانتقام من جماعة كاملة انزلاقاً خطيراً يهدد أي عدالة فعلية في سوريا.

يعتمد التحقيق على مقابلات مع ثلاث عشرة شخصية علوية في سوريا ولبنان، من عائلات ومتضررين في اللاذقية وطرطوس وحمص، كما يعتمد على سبع مقابلات أُجريت في لبنان مع عائلات علوية غادرت سوريا بعد سقوط النظام، إضافة إلى تسجيلات صوتية تضمنت مفاوضات مالية خارج إطار القانون بهدف الضغط لمصادرة ملكية عقارات أو مركبات.

موتورات الموت

في ريف حمص وطرطوس وريف اللاذقية تتكرر الحكاية بصيغ متقاربة. دراجة نارية مسرعة عليها مسلحان تطلق النار وتختفي. سيارة تعبر طريقاً فرعياً أو شارعاً واسعاً في قرية تطلق النار وتلوذ بالفرار، أو قتل خلسة في منزل أو متجر.

قصص تتكرر لقتل معلمة أو شقيقين أو عائلة أو طبيب، وتكبر لائحة الضحايا التي لا حصيلة نهائية واضحة لها.

تقول السلطات السورية إنها حاولت الحدّ من هذا النمط بأكثر من طريقة، عبر تقييد حركة الدراجات النارية في حمص ومنع تجوالها ليلاً، أو وضع حواجز بعد عملية قتل معينة في اللاذقية، لكن عمليات القتل لم تتوقف، ما يشي بمحدودية الإجراء الإداري وعجز السلطة عن تحويله إلى أداة ردع فعلية من دون سياق سياسي ومن دون مسار عدالة انتقالية واضح في البلاد.

ما مصير المعتقلين؟

في حيّ الدعتور في اللاذقية، أعادت وفاء زوجة (ع.ن) تعليق صورة زوجها بلباسه العسكري على الجدار. في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام لم تكن الصورة موجودة. تقول وفاء إن الخوف دفعهم يومها إلى التخلص من كل ما يدل على عمله العسكري، “في البداية أحرقنا صوره. هو نفسه أحرقها بيده خوفاً من أن تسبب لنا مشكلة”. لكن بعد أكثر من عام على اختفائه، عادت العائلة وطبعت صورة له وعلّقتها مجدداً في المنزل.

الزوج ضابط خريج الكلية الجوية، وكان يعمل في قسم الإشارة ضمن الدفاع الجوي في الجيش السوري. بعد أيام قليلة من سقوط النظام، جاء مسلحون إلى المنزل واعتقلوه. تقول زوجته “لم يقدموا أي مذكرة اعتقال، قالوا فقط إنهم سيأخذونه الى التحقيق”.

منذ ذلك اليوم بدأت العائلة رحلة بحث طويلة، “راجعنا الأمن العام وذهبنا إلى المحكمة، لكن لم يعطنا أحد إجابة واضحة. كل جهة تقول إنها لا تملك معلومات”.

تقول الزوجة إنها شاركت في أكثر من وقفة احتجاجية في اللاذقية للمطالبة بالكشف عن مصير المعتقلين، وكانت تحمل صورة زوجها بين المتظاهرين. وقد شهدت اللاذقية وجبلة بالفعل وقفات احتجاجية متكررة منذ كانون الثاني/ يناير 2025 للمطالبة بالموقوفين، كما عادت المطالب نفسها للظهور في احتجاجات الساحل في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بينها مطالب بإطلاق سراح المعتقلين وكشف مصيرهم.

تضيف الزوجة أنها حاولت بصعوبة الوصول إلى مكتب المحافظ للحصول على أي معلومة عن مصير زوجها، “لم أكن أطلب شيئاً سوى أن أعرف أين هو”. لكن أشخاصاً قريبين من مكتب المحافظ نصحوها بالتوقف عن السؤال كما تقول، وتضيف أن مسؤولاً قال لها :”انسَي الموضوع… لا تسألي عن زوجك. يمكن يكون بإدلب”. زاد هذا الكلام من خوف العائلة، خصوصاً مع انتشار روايات عن وجود سجون تديرها مجموعات مسلحة في إدلب.

لفهم مصير هذا الضابط وغيره من معتقلين لم يتوضح مصيرهم، تواصل معد التحقيق مع موظفين في وزارة العدل الذين قدموا روايتين متوازيتين: الأولى تقول إن هناك لجنة متخصصة بملف معتقلي النظام السابق والمتورطين في انتهاكات، وإن هذه اللجنة حققت مع عدد منهم وأفرجت عن جزء من المعتقلين.

أما الرواية الثانية، فتشير إلى أن عصابات ومجموعات مسلحة نشطت في الفترة الأولى التي أعقبت سقوط النظام، واعتقلت بعض الضباط بشكل انتقائي، كما استولت على سياراتهم وممتلكاتهم.

بحسب المصادر نفسها، فإن هذه الحوادث وقعت خلال الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام، قبل أن تتمكن السلطات الجديدة من السيطرة وضبط الوضع الأمني.

بالنسبة إلى عائلة (ع.ن)، لم يتغير شيء. حتى اليوم لا تعرف العائلة مكانه، ولا الجهة التي تحتجزه. وقد ترك مصير الأب المجهول آثاراً مباشرة على الأسرة. ولم يكن اختفاء الزوج المعضلة الوحيدة، فقد فُصلت الزوجة وفاء التي تحمل شهادة تمريض، و تعمل ممرضة في المستشفى الوطني في اللاذقية، لاحقاً من عملها ضمن إجراءات فصل جماعية طاولت موظفين بعد سقوط النظام. قيل لها لتبرير فصلها من العمل، إن السبب أنها كانت “موظفة بالواسطة”.

أما ابنتها أميرة، وهي طالبة هندسة عمارة في سنتها الخامسة، فاضطرت إلى العمل في محل لبيع الألبسة للمساعدة في إعالة الأسرة، ولم تعد تذهب إلى الجامعة بعد تعرضها لتنمّر طائفي من زملائها على خلفية عمل والدها في الجيش خلال حقبة النظام السابق. تقول والدتها وفاء: “كل ما نريده أن نعرف أين هو. إذا كان هناك تحقيق فليكن واضحاً. لكن أن يختفي الإنسان هكذا… هذا أصعب شيء”.

الاستثناء المُمدَّد: حين يصبح القتل مفسَّراً مسبقاً

منذ الشهر الأول لسقوط النظام، بدأت تظهر عمليات اغتيال لشخصيات علوية، وسرعان ما تم تأطير كثير من هذه الجرائم ضمن روايتين جاهزتين: “أعمال انتقام أهلي”، أو قتل انتقامي من شخصيات محسوبة على النظام السابق .

هذا التبرير ترافق مع تصاعد في انتشار خطاب الكراهية ضد العلويين سواء عبر خطب دينية أو عبر مقاطع تنتشر عبر السوشيال ميديا. هذا الاحتقان سبق مجزرة الساحل في 8 آذار/ مارس 2025 واستمر بعدها، ولم تكن المعالجات الأمنية والقضائية جدية كفاية للحدّ من مزاج عنفي انتقامي بدأ بالتشكل ضد المجموعات العلوية. بدا العنف امتداداً لصراع سابق أكثر من كونه جريمة جديدة تحتاج إلى تحقيق مستقل.

وهكذا تراجع الاهتمام بالمسار القضائي لصالح تفسيرات سياسية واجتماعية جاهزة، وصار القتل يُقرأ بوصفه فعلاً مفسَّراً سلفاً أكثر من كونه جريمة تستوجب المساءلة. هذا ما أبرزته مواقف متكررة لشخصيات محسوبة على السلطة كانت تميل لتخفيف من أهمية تلك الجرائم وتفسيرها بوصفها حوادث فردية انتقامية معزولة وليست سياقاً عاماً بدأ بالتصاعد.

الخوف بوصفه تنظيماً للحياة اليومية

تتكرر حالات قتل الشبان العلويين في أكثر من منطقة، لكنها تبدو أكثر وضوحاً وكثافة في مدينة حمص. فالمدينة، كما مدن بانياس وبعض مناطق ريف حماة واللاذقية، تحمل انقساماً عمودياً ذا طابع طائفي، لا يمكن فهمه بوصفه مجرد توزع اجتماعي تشكّل تاريخياً بشكل فطري. فقد ساهمت سياسات نظام حافظ الأسد في الثمانينات، عبر إعادة توطين فيها وخلق جيوب وقرى وتجمعات علوية حول مدن رئيسية، في إنتاج هذا التجاور المشحون بوصفه جزءاً من هندسة سياسية وأمنية للمجال، لا مجرد تطور عمراني اعتباطي.

فمع توسّع التوظيف العسكري والإداري، تشجعت عائلات علوية للانتقال من الريف والساحل إلى أحياء داخل المدينة وحولها، ورُبط جزء من هذا الحضور الجديد بشبكات الولاء والحماية التابعة للنظام. ومع الوقت، نشأت أحياء متجاورة جغرافياً لكنها منفصلة نفسياً وأمنياً، وتحولت بعض المناطق العلوية إلى ما يشبه الجيوب المحصّنة داخل مدينة مختلطة.

لذلك تبدو الأحياء متجاورة جغرافياً، لكنها مفصولة نفسياً وأمنياً، ولكل منها حدودها غير المعلنة، وهي حدود عادت إلى الظهور والتنازع مع بداية الثورة عام 2011. حينها لم يحاول نظام بشار الأسد تفكيك هذا الانقسام، بل عسْكرته: عبّأ شباناً علويين، خصوصاً العاطلين عن العمل، ضمن الشبيحة والدفاع الوطني، واستخدم الحصار والقصف ثم التهجير في أحياء المعارضة بحمص، بحيث صار الفرز السكاني أداة حكم لا مجرد نتيجة للحرب. لذلك، فالعنف الذي يظهر اليوم في حمص ليس ابن اللحظة فقط، بل ارتداد متأخر لهندسة سياسية وأمنية طويلة جعلت التماس الطائفي قابلاً للاشتعال عند كل انهيار.

لهذا لا تُقرأ الجرائم المتكررة في حمص بوصفها فعلاً منفصلاً فقط، بل ضمن مناخ يتيحها ويعيد تفسيرها أيضاً. فإلى جانب ضعف الردع، تنشط بروباغندا تبريرية تحاول إلحاق كثير من الاغتيالات بروايات جاهزة: ثأر قديم، أو انتقام من “تشبيح” سابق، أو نتيجة طبيعية لتركيبة المدينة وتاريخها. وهكذا لا يُمحى أثر الجريمة فحسب، بل يُعاد فهمها داخل خطاب يفسرها مسبقاً ويخفف وقع مساءلتها أو حتى التوقف عندها.

ولا يظهر أثر العنف فقط في لحظة القتل، بل في الطريقة التي يعيد بها تنظيم حياة السكان اليومية. تعاني الفتيات في حمص بشكل خاص من تبعات مناخ الرعب والاغتيالات الطائفية. بعد كل عملية اغتيال تميل العائلات إلى تقليص حركة بناتها خارج المنزل، ويصبح الخروج اليومي محكوماً بالحذر والخوف. لا يظهر الضغط دائماً في شكل قرارات علنية أو قواعد عامة، بل عبر شبكات غير مرئية من الخوف والمعايرة والوصم الاجتماعي. يتحول المجتمع تدريجياً إلى مجتمع حذر منكفئ، ويغدو البحث عن ملاذ خارج المدينة خياراً متكرراً.

في حمص، تشرح لنا سيدة فضلت عدم ذكر اسمها، وهي أم لفتاة في السابعة والعشرين من عمرها، كيف أن الخوف لم يعد مرتبطاً بحادثة بعينها، بل صار جزءاً من يوميات العيش. “تخرج ابنتي كل يوم من البيت. لكن قُتل ابن خالتها في محل موبايلات في الشهر الأول من السنة. من وقتها ما عاد في يوم عادي”. وتضيف أنها أرسلت ابنها إلى لبنان لتفادي مخاطر الاحتقان في حمص، لكنها لم تتمكن من إقناع ابنتها بالمغادرة، “بتقلي بدي اشتغل، بدي عيش”.

تحاول العائلة أخذ بعض الاحتياطات لجهة تغيير الطريق التي تسلكها لدى الخروج والعودة أو مواعيد الخروج وحصر الأماكن التي يتم التنقل فيها.
ومع انتشار حالات خطف فتيات ونساء علويات في أكثر من منطقة، حاولت الأم إقناع ابنتها بارتداء الحجاب، لكن الابنة ترفض. “غير المحجبات، أو يلي بيمشوا بطرق معيّنة، صار معروف إنهم علويات”. تختصر الأم يومها بجملة واحدة، “أنا كل يوم بنطرها ترجع… وبصلّي حتى ترجع”.

متتبع حكايات العائلات وكيف تغيرت يومياتها مع الوضع الأمني المستجد، يلاحظ أن أثر العنف لا يقتصر على الضحايا المباشرين. فعمليات القتل والانتقام والخطف تعيد تشكيل خيارات العمل والدراسة والسكن، وتحوّل الحركة داخل المدينة إلى مسألة محسوبة بعناية، إذ تتداخل الحسابات الأمنية مع الانقسامات الاجتماعية والطائفية التي تعمّقت خلال سنوات الحرب وبعدها.

السكن وإعادة رسم الأحياء

لا يقتصر أثر العنف والاعتقالات على الأمن الشخصي أو الحركة اليومية، بل يمتد أيضاً إلى السكن وتركيبة الأحياء. ففي حمص، كما في بعض مناطق الساحل، بدأت تظهر تحولات واضحة في ملكية البيوت وتوزع السكان داخل الأحياء.

تُعدّ “النزهة” و”كرم اللوز” و”وادي الذهب” و”عكرمة الجديدة” و”الزهرة” من أبرز أحياء السكن العلوي في حمص. وقد شكّلت هذه المناطق لسنوات ما يشبه طوقاً عمرانياً يحيط بأحياء سنية كانت قد ثارت على النظام، وهي أحياء متقاربة جغرافياً وواضحة المعالم من حيث توزعها السكاني.

التقسيم الطائفي للسكن لم يبدأ مع الحرب، لكنه تعمّق منذ ثمانينات القرن الماضي، ثم ازداد وضوحاً بعد عام 2011. ومع السنوات الأخيرة، لم تعد الأحياء مجرد تجمعات سكنية، بل مساحات هوية وحدود انتماء.

في “وادي الذهب” سُجّلت حالات نهب لبيوت تعود الى عائلات علوية. أجرى معد التحقيق مقابلات مع ثلاثة نازحين عادوا من لبنان الى حمص خلال الأشهر الماضية. أحدهم شاب في أواخر الثلاثينات من عمره، وقال إنه عاد إلى حمص لكن لم تكن لديه قدرة على استئجار منزل في منطقة السوق، فاقترح عليه البعض استئجار منزل ضابط علوي غادر المدينة. وفعلاً استأجر المنزل من دون عقد رسمي، فقد استلمه عبر وسيط محلي، ويدفع إيجاراً شهرياً لـ”شيخ” يُقدَّم بوصفه مسؤولاً عن المنطقة. لا عقد رسمي، ولا وضوح في وضع المنزل القانوني. يقول الشاب، “نحن نسكن وندفع، ولا نريد مشاكل”.

في حي “عكرمة الجديدة”، تحدث (ح.م)، 42 عاماً، وهو مسيحي نزح سابقاً من أطراف حي الحميدية في حمص، عن تجربته في منزل استأجره في الحي منذ سنوات من نزوحه. كان مالك المنزل، وهو علوي عمل سابقاً في “سرايا الدفاع الوطني”، يملك البيت منذ سنوات، أي أن الملكية لم تكن طارئة ولا ناتجة من استيلاء حديث. لكن وضعه تغير فجأة بعد توقيف المالك، فأُخرج المُستأجر من المنزل، وأصبحت مسألة بقائه أو مغادرته مرتبطة بقرارات أمنية لا يملك أي قدرة على التأثير فيها.

في الحي نفسه، تتكرر روايات وأخبار عن بيوت أُخليت بعد اعتقالات، وأخرى تُركت خوفاً، لتُشغل لاحقاً من عائلات عائدة أو وافدة من مناطق أخرى. هناك مئات البيوت التي غادرها أصحابها العلويون، أو أُخرجوا منها، ويسكنها اليوم غرباء عن الحي أو عائدون لا يملكون خيارات أخرى. والتحول لا يظهر فقط في ملكية العقار، بل أيضاً في تركيبة الأحياء نفسها: وجوه جديدة، وشعور متبادل بعدم اليقين.

في قبضة “الأمير”

تواصلنا مع طبيب سوري(ع،ق) 66 عاماً وهو علوي مقيم حالياً في كندا، أخبرنا أن منزله في اللاذقية استولى عليه أحد “الأمراء”، وصيغة “الأمير” باتت شائعة في سوريا بعد سقوط النظام مع انتشار سطوة شخصيات دينية مسلحة محسوبة على “جبهة النصرة” سابقاً، والتي أصبحت الحكومة حالياً. وحين حاول (ع.ق) إبلاغ الشرطة عبر أقربائه، اضطر إلى الانتظار طويلاً والدخول في مفاوضات مع الجهة التي استولت على المنزل، ومع مخفر الشرطة وبعض قيادات الأمن العام، قبل أن يتمكن من استعادته. وعندما عاد المنزل إليه كان قد أُفرغ بالكامل.

يشعر الطبيب بالقلق من احتمال أن يتكرر الاستيلاء على المنزل مرة أخرى، ويقول أن كثراً من العلويين في هذه المناطق لا يستطيعون ترك بيوتهم حتى لفترات قصيرة، خوفاً من أن تُشغل أو أن يحتلها آخرون ويصادروها.

أمنياً، وعلى رغم إعادة انتشار القوى التقليدية إدارياً، إلا أنه حسب شهادات سكان محليين، فإن هرمية السلطة تستند بشكل أساسي أو بجزء كبير منها إلى فاعلين محليين لا يمكن مراقبتهم أو مساءلتهم. ومع توسع هذا الدور الأمني الموازي، تتشكل شبكة ضبط غير رسمية لكنها مؤثرة، تتداخل فيها السلطة الأمنية مع النفوذ المحلي والديني.

بعد سقوط النظام، تولّت قوات “هيئة تحرير الشام” في المرحلة الأولى إدارة بعض المدن الساحلية، وأعلنت تشكيل لجان وصفتها بالمستقلة، مهمتها إدارة ملف مصادرة الأملاك المنقولة وغير المنقولة العائدة الى مسؤولين وضباط في النظام السابق. وبحسب الرواية الرسمية، كان الهدف من هذه اللجان التعامل مع ممتلكات الشخصيات المرتبطة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية للنظام، في إطار إجراءات تهدف إلى إدارة إرث النظام السابق ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات.

لكن، تشير مقابلات أجريناها مع سكان من الساحل السوري، إلى صورة أكثر تعقيداً. ففي مدينة اللاذقية، قال لنا أكثر من شاهد إن بعض عناصر قوات الدفاع الوطني الموالية للنظام السابق كانوا قد استولوا، خلال سنوات الحرب، على منازل تعود إلى مقاتلين تركمان أو إلى معارضين للنظام. وبعد سقوط النظام، دخل قادة مجموعات مسلحة مرتبطة بالسلطة الجديدة إلى بعض هذه الأحياء، وأعادوا عدداً من تلك المنازل إلى أصحابها السابقين، لكنهم استولوا في المقابل على منازل تعود إلى عناصر في الدفاع الوطني، بينها بيوت كانت ضمن ملكية عائلاتهم منذ عقود. وفي حالات عدة، أُخليت هذه البيوت بالقوة، وطُردت منها عائلات المقاتلين، بمن فيهم زوجات عناصر قُتلوا خلال الحرب. ولم تقتصر المصادرات على العقارات السكنية، بل شملت أيضاً سيارات تعود إلى ضباط في الجيش أو إلى أفراد من عائلاتهم.

الوقائع التي وثقناها تشير إلى مسار أكثر تعقيداً في إدارة هذا الملف. ففي حالات اطلع عليها معد التحقيق، لم تكن عمليات الاستيلاء نتيجة قرارات مصادرة رسمية صادرة عن السلطات أو عن لجان قانونية متخصصة، بل تمت بمبادرات من قادة مجموعات مسلحة أو عناصر محليين استغلوا حالة الفراغ الأمني في المرحلة الأولى بعد سقوط النظام. وبحسب شهادات جمعناها من سكان ومالكين متضررين، لعب الوسطاء المحليون وشبكات النفوذ دوراً أساسياً في تثبيت بعض هذه الاستيلاءات أو تسويتها.

وتحدثت عائلات مقربة من شخصيات عسكرية في النظام السابق عن وجود تسويات مالية غير رسمية سمحت لبعض المالكين بالاحتفاظ بجزء من ممتلكاتهم. وخلال مقابلات أجريناها في لبنان مع أفراد من عائلتين، إحداهما من قيادة الجيش والأخرى من الجمارك، إضافة إلى عائلة شخصية أمنية عالية المستوى مقربة من علي مملوك، المسؤول الأمني البارز في عهد بشار الأسد المخلوع، قال هؤلاء إن وسطاء محليين أشاروا إلى إمكانية دفع مبالغ مالية لقادة ميدانيين أو مسؤولين محليين مقابل تجميد بعض قرارات المصادرة.

وبحسب شهادات وتسجيلات صوتية لأحد أفراد عائلة ذات نفوذ في عهد النظام السابق، أقرت شخصية مقربة من نظام الأسد بأنها فاوضت على ممتلكات تعود إلى أحد أقاربها، وهو مسؤول سابق في جهاز أمني سوري، مضيفة أن الأخير تنازل عن فيلا كاملة مقابل السماح لها بالاحتفاظ بعقار آخر وببعض منازل العائلة في ريف القرداحة وجبلة. كما قال أفراد من عائلة (ع، أ)، في مقابلات وتسجيلات اطلعنا عليها، إنهم دفعوا ما يقارب الـ200 ألف دولار مقابل الحفاظ على جزء من ممتلكاتهم العقارية والمنقولة. ولم نتمكن من التحقق بشكل مستقل من جميع هذه الادعاءات، أو الحصول على ردّ رسمي من الجهات المعنية بشأنها.

في المقابل، تكشف أكثر من خمسين شهادة تمكنا من جمعها خلال التحقيق في اللاذقية وحمص وطرطوس، واقعاً مختلفاً بالنسبة إلى العلويين الذين لا يملكون شبكات نفوذ أو علاقات مع وسطاء قادرين على التدخل في هذا الملف. إذ أُخرج كثر منهم من منازلهم، بما في ذلك مساكن عسكرية كانوا يقيمون فيها، أو بيوت مسجلة بأسماء زوجاتهم، أو مملوكة لهم عبر الإرث، من دون أي مسار قانوني واضح، ومن دون تسويات مشابهة لتلك التي ظهرت في حالات أخرى.

وفي حالات عدة، لم تقتصر الإجراءات على العقارات. فقد وثقنا مصادرة أعداد كبيرة من السيارات، وجمعنا إفادات عن الاستيلاء على سيارات في طرطوس واللاذقية وحمص، تعود إلى عناصر سابقين في الجيش، وعقداء وعمداء شرطة سابقين، وقادة عسكريين، بالتوازي مع الاستيلاء على منازل عائلاتهم. وأحياناً فقط الاستيلاء على السيارات، وهذا الأكثر وضوحاً بما يخص العسكريين.

وبناءً على مقابلتين أجريناهما في لبنان مع عقيد وعميد سابقين كانا قد فرا من سوريا، وكانا يعملان في (المؤسسة الاجتماعية العسكرية) المسؤولة عن تسليم السيارات، فإن جزءاً من هذه المصادرات حصل خلال ما عُرف بمرحلة التسوية، حين أُقيمت مراكز لتسلم البطاقات العسكرية والأمنية فور سقوط النظام في ما عرف حينها بأنها مرحلة تسوية أوضاع العسكريين السابقين من الحكومة السورية الجديدة. لكن الواقع كان أن سيارات وممتلكات كثيرة تم الاستيلاء عليها عنوة خلال جولات على الشوارع والبيوت، وكان الاستحواذ عليها يتم أحياناً بعد سؤال مباشر من مقاتلين: “في بيوت لضباط هون؟”.

يكشف هذا التباين عن نمط مزدوج في إدارة ملف المصادرات: إدارة تفاوضية للمصادرة في الحالات التي يمتلك فيها المالك شبكات نفوذ أو قدرة على الوصول إلى وسطاء، ومصادرة قسرية تطاول الفئات الأضعف التي تفتقر إلى هذه الشبكات. هذه التحولات لا تعيد توزيع السكان فحسب، بل تعيد أيضاً رسم خريطة الأحياء الاجتماعية. فالأحياء لم تعد ثابتة، بل دخلت في عملية إعادة تركيب مستمرة، ما يعمّق شعور مجموعات كثيرة بأن وجودها في المكان هش أو قابل للاستبدال.

في هذه البيئة تصبح المسؤولية أكثر غموضاً: من يقرر؟ من يضمن؟ ومن يُحاسِب ويُصادر؟

الأمن الهجين وحدود المدن غير المرئية

بعد مجزرة الساحل التي استهدفت علويين في 8 آذار/ مارس 2025 وأودت بنحو 1700 شخص، تشكّل حاجز نفسي كبير داخل كثير من هذه المناطق. لم يعد الخوف مرتبطاً بحوادث متفرقة، بل صار جزءاً من إدراك يومي لحدود الحركة داخل البلاد.

في ريف اللاذقية وحمص وريف حماة، يواجَه كثيرون بسؤال بسيط بعد المجازر: هل حاولتم تقديم شكوى؟ أكثر من عشرة أشخاص من أقرباء ضحايا مجازر الساحل قالوا لمعد التحقيق إن الشرطة أو اللجان الأمنية تأتي أحياناً إلى موقع الحادث، وتجري تحقيقاً سريعاً، ثم تنصرف من دون نتائج واضحة.

في كثير من المناطق لا توجد كاميرات مراقبة كافية، ولا أدوات تحقيق فعالة، ولا قدرة واضحة على تتبع الفاعلين أو الوصول إلى نتائج حاسمة. لكن ضعف التحقيق لا يبدو مسألة تقنية فقط.

يظهر في هذه المناطق ما يمكن تسميته بالأمن الهجين، إذ تتعدد جهات تحمل السلاح وتشارك في ضبط الأمن. إلى جانب الشرطة الرسمية، توجد فصائل محلية ومجموعات مسلحة وشخصيات دينية أو عسكرية تملك نفوذاً داخل الأحياء.

هذا التعدد لا ينتج وضوحاً في السلطة، بل العكس. فحين تتوزع القوة بين جهات مختلفة، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية: من يحقق؟ من يملك سلطة الاعتقال؟ ومن يقرر مصير الملفات؟

نتيجة ذلك يظهر نوع من الغموض البنيوي في النظام الأمني. لا يوجد تسلسل قيادة واضح، ولا حدود دقيقة بين ما هو مدني وما هو عسكري، ولا بين ما هو رسمي وما هو محلي. يصبح الأمن موجوداً من حيث الانتشار الظاهر، لكنه لا ينتج بالضرورة شعوراً فعلياً بالاستقرار.

وفي المدن المنقسمة طائفياً، تظهر أيضاً حدود غير مرئية. هذه الحدود لا تُرسم على الخرائط، لكنها حاضرة في وعي السكان اليومي. يعرف الناس أي الأحياء يمكن عبورها، وأي الطرق يجب تجنبها، وأي الأماكن قد تصبح خطرة في أوقات معينة. وتسهّل هذه الحدود غير المعلنة استهداف الأفراد داخل مناطق محددة، كما تقلل من التضامن العابر للطوائف. فعندما يُقتل شخص في حي معروف بانتمائه الطائفي، لا يُقرأ الحدث كجريمة فردية فقط، بل كجزء من توازن هش بين أحياء متقابلة.

لا يبقى القلق هنا مجرد رد فعل على حادثة معينة، بل يتحول إلى حالة دائمة. فالانتشار الأمني موجود، لكنه انتشار متغير، خليط من المدني والعسكري، ولا يمنح شعوراً واضحاً بالضمان.

لهذا تبدو الحياة في كثير من المناطق غير مستقرة حتى في الأيام التي لا يحدث فيها شيء. فالعنف لا يظهر فقط في لحظة الجريمة، بل في المناخ الذي يجعلها ممكنة وقابلة للتكرار. وفي النهاية، لا يبدو الأمن في هذه المرحلة مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء المجتمع بعد الصراع، بقدر ما يظهر كإدارة ظرفية للتوتر. فهو يعلن وجوده في لحظات الأزمة، لكنه لا يعالج الشروط الاجتماعية والقانونية التي تسمح بعودة العنف أو تمنع تكراره.

ما يحدث في سوريا اليوم لا يُقاس فقط بما يتعرض له العلويون، بل بما صار ممكناً أن يقع مرة بعد مرة، وفي أي لحظة، من دون صدمة عامة كافية تغيّر شيئاً في الوضع القائم. هنا تكمن الخطورة: فالمسألة لم تعد أمنية فقط، بل سياسية وأخلاقية في العمق. والخطر لا يقتصر على عجز السلطة عن منع القتل، بل يمتد إلى قابلية المجال العام نفسه لإعادة تعريف فئات من الناس بوصفهم قابلين للقتل.

وهذا ليس طارئاً تماماً، بل هو امتداد لاعتياد ترسخ منذ عام 2011، حين أُعيد تنظيم المجال العام على نحو جعل قبول القتل ممكناً، ثم عاد هذا القبول ليتخذ أشكالاً جديدة. عند هذه النقطة لا يعود السؤال فقط: من يقتل؟ بل: أي دولة تتشكل حين يُترك كل هذا ليتحول إلى اعتياد نكتب عنه؟

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
07.05.2026
زمن القراءة: 16 minutes

يحاول هذا التحقيق قراءة نمط من العنف أخذ يتشكّل في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة كـ”حكومة انتقالية”، عنف ضحيته الأولى كانت الطائفة العلوية (لاحقاً الطائفة الدرزية)، التي استُهدفت بمجازر ذات طابع إبادي بوصفها “البيئة الحاضنة” لنظام الأسد، ما جعلهم أيضاً، محط حملات تحريض متكررة وعنف يتمثل بالقتل والخطف ومصادرة الأراضي والأملاك.

بعد هروب بشار الأسد، تعرض علويو الساحل لمجزرة كبرى، وتكرّس توتر أهلي وسياسي وطائفي تجاه العلويين باعتبارهم “الطائفة التي احتضنت نظام الأسد المخلوع”، سبقت ذلك تحركات مسلحة لبعض رجال الأسد واستهداف الأمن العام.

وبالتالي، موقع العلويين في السلطة الجديدة وآليات التعامل معهم يصعب ضبطهما في سياق واحد، لكنهما حتماً أخذا مظاهر بارزة، فقد تكررت حالات القتل خارج القانون والاعتقال التعسفي والخطف والإهانات والطرد من الوظائف الرسمية ومصادرة المساكن.

ومن خلال تتبّع هذه الوقائع في أكثر من منطقة، يمكن صياغة سياق لكيفية تبدل الحياة اليومية لهذه المجموعة داخل سوريا، خصوصاً أن بعضهم، فئة مختارة جداً أصبحت ضمن “لجنة السلم الأهلي”، على رأسهم خالد الأحمد، المقرب من بشار الأسد سابقاً، وأحمد الشرع حالياً، والبعض الآخر أصبح في موقع العداء كالشيخ غزال غزال، كلاهما، لا يمثل العلويين، لكن السلطة الجديدة، تحاول ضبط الأقليات الدينية والعرقية عبر نظام تمثيل عشائري-طائفي لضبط الجماعات بوصفها كتلة واحدة، لا أفراد مستقلين.

النزول من الجبل

العلويون في سوريا أقلية دينية شكّلت تاريخياً نحو 9 في المئة من السكان، أي قرابة 1.7 مليون شخص، مع تمركز أساسي في الساحل وأجزاء من حمص وحماة. لكن عهدَي حافظ وبشار الأسد جعلا هذه الأقلية تبدو، في نظر كثيرين، كأنها “الطائفة التي حكمت”، لا لأن جميع العلويين امتلكوا السلطة فعلاً، بل لأن النظام ربط جزءاً مهماً من أجهزة الجيش والأمن وشبكات الامتياز والولاء باسمها ورموزها، ثم حكم البلاد عبر هذا التماهي الممنهج بين بقاء السلطة وبقاء الجماعة.

المأساة اليوم أن هذا الإرث تعاد ترجمته بصيغة عقاب جماعي، فبدلاً من حصر المسؤولية في بنية الاستبداد وأجهزته ومرتكبي الجرائم، يتم التعامل أحياناً مع العلويين ككتلة متهمة سلفاً، تُحمَّل وزر ما ارتكبه نظام ادّعى أنه يحكم باسمها.
ووثّقت منظمات حقوقية ووكالات دولية في المرحلة الانتقالية عمليات قتل على الهوية وانتهاكات طاولت علويين مدنيين، بينهم من لا صلة لهم بأي جهاز قمعي .هكذا،يجد كثر من العلويين أنفسهم اليوم بين حقيقتين قاسيتين: أنهم لم يكونوا جميعاً شركاء متساوين في السلطة، لكنهم يُعامَلون أحياناً كما لو أنهم شركاء متساوون في الجريمة. وهذا بالضبط ما يجعل الانتقال من محاسبة النظام إلى الانتقام من جماعة كاملة انزلاقاً خطيراً يهدد أي عدالة فعلية في سوريا.

يعتمد التحقيق على مقابلات مع ثلاث عشرة شخصية علوية في سوريا ولبنان، من عائلات ومتضررين في اللاذقية وطرطوس وحمص، كما يعتمد على سبع مقابلات أُجريت في لبنان مع عائلات علوية غادرت سوريا بعد سقوط النظام، إضافة إلى تسجيلات صوتية تضمنت مفاوضات مالية خارج إطار القانون بهدف الضغط لمصادرة ملكية عقارات أو مركبات.

موتورات الموت

في ريف حمص وطرطوس وريف اللاذقية تتكرر الحكاية بصيغ متقاربة. دراجة نارية مسرعة عليها مسلحان تطلق النار وتختفي. سيارة تعبر طريقاً فرعياً أو شارعاً واسعاً في قرية تطلق النار وتلوذ بالفرار، أو قتل خلسة في منزل أو متجر.

قصص تتكرر لقتل معلمة أو شقيقين أو عائلة أو طبيب، وتكبر لائحة الضحايا التي لا حصيلة نهائية واضحة لها.

تقول السلطات السورية إنها حاولت الحدّ من هذا النمط بأكثر من طريقة، عبر تقييد حركة الدراجات النارية في حمص ومنع تجوالها ليلاً، أو وضع حواجز بعد عملية قتل معينة في اللاذقية، لكن عمليات القتل لم تتوقف، ما يشي بمحدودية الإجراء الإداري وعجز السلطة عن تحويله إلى أداة ردع فعلية من دون سياق سياسي ومن دون مسار عدالة انتقالية واضح في البلاد.

ما مصير المعتقلين؟

في حيّ الدعتور في اللاذقية، أعادت وفاء زوجة (ع.ن) تعليق صورة زوجها بلباسه العسكري على الجدار. في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام لم تكن الصورة موجودة. تقول وفاء إن الخوف دفعهم يومها إلى التخلص من كل ما يدل على عمله العسكري، “في البداية أحرقنا صوره. هو نفسه أحرقها بيده خوفاً من أن تسبب لنا مشكلة”. لكن بعد أكثر من عام على اختفائه، عادت العائلة وطبعت صورة له وعلّقتها مجدداً في المنزل.

الزوج ضابط خريج الكلية الجوية، وكان يعمل في قسم الإشارة ضمن الدفاع الجوي في الجيش السوري. بعد أيام قليلة من سقوط النظام، جاء مسلحون إلى المنزل واعتقلوه. تقول زوجته “لم يقدموا أي مذكرة اعتقال، قالوا فقط إنهم سيأخذونه الى التحقيق”.

منذ ذلك اليوم بدأت العائلة رحلة بحث طويلة، “راجعنا الأمن العام وذهبنا إلى المحكمة، لكن لم يعطنا أحد إجابة واضحة. كل جهة تقول إنها لا تملك معلومات”.

تقول الزوجة إنها شاركت في أكثر من وقفة احتجاجية في اللاذقية للمطالبة بالكشف عن مصير المعتقلين، وكانت تحمل صورة زوجها بين المتظاهرين. وقد شهدت اللاذقية وجبلة بالفعل وقفات احتجاجية متكررة منذ كانون الثاني/ يناير 2025 للمطالبة بالموقوفين، كما عادت المطالب نفسها للظهور في احتجاجات الساحل في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بينها مطالب بإطلاق سراح المعتقلين وكشف مصيرهم.

تضيف الزوجة أنها حاولت بصعوبة الوصول إلى مكتب المحافظ للحصول على أي معلومة عن مصير زوجها، “لم أكن أطلب شيئاً سوى أن أعرف أين هو”. لكن أشخاصاً قريبين من مكتب المحافظ نصحوها بالتوقف عن السؤال كما تقول، وتضيف أن مسؤولاً قال لها :”انسَي الموضوع… لا تسألي عن زوجك. يمكن يكون بإدلب”. زاد هذا الكلام من خوف العائلة، خصوصاً مع انتشار روايات عن وجود سجون تديرها مجموعات مسلحة في إدلب.

لفهم مصير هذا الضابط وغيره من معتقلين لم يتوضح مصيرهم، تواصل معد التحقيق مع موظفين في وزارة العدل الذين قدموا روايتين متوازيتين: الأولى تقول إن هناك لجنة متخصصة بملف معتقلي النظام السابق والمتورطين في انتهاكات، وإن هذه اللجنة حققت مع عدد منهم وأفرجت عن جزء من المعتقلين.

أما الرواية الثانية، فتشير إلى أن عصابات ومجموعات مسلحة نشطت في الفترة الأولى التي أعقبت سقوط النظام، واعتقلت بعض الضباط بشكل انتقائي، كما استولت على سياراتهم وممتلكاتهم.

بحسب المصادر نفسها، فإن هذه الحوادث وقعت خلال الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام، قبل أن تتمكن السلطات الجديدة من السيطرة وضبط الوضع الأمني.

بالنسبة إلى عائلة (ع.ن)، لم يتغير شيء. حتى اليوم لا تعرف العائلة مكانه، ولا الجهة التي تحتجزه. وقد ترك مصير الأب المجهول آثاراً مباشرة على الأسرة. ولم يكن اختفاء الزوج المعضلة الوحيدة، فقد فُصلت الزوجة وفاء التي تحمل شهادة تمريض، و تعمل ممرضة في المستشفى الوطني في اللاذقية، لاحقاً من عملها ضمن إجراءات فصل جماعية طاولت موظفين بعد سقوط النظام. قيل لها لتبرير فصلها من العمل، إن السبب أنها كانت “موظفة بالواسطة”.

أما ابنتها أميرة، وهي طالبة هندسة عمارة في سنتها الخامسة، فاضطرت إلى العمل في محل لبيع الألبسة للمساعدة في إعالة الأسرة، ولم تعد تذهب إلى الجامعة بعد تعرضها لتنمّر طائفي من زملائها على خلفية عمل والدها في الجيش خلال حقبة النظام السابق. تقول والدتها وفاء: “كل ما نريده أن نعرف أين هو. إذا كان هناك تحقيق فليكن واضحاً. لكن أن يختفي الإنسان هكذا… هذا أصعب شيء”.

الاستثناء المُمدَّد: حين يصبح القتل مفسَّراً مسبقاً

منذ الشهر الأول لسقوط النظام، بدأت تظهر عمليات اغتيال لشخصيات علوية، وسرعان ما تم تأطير كثير من هذه الجرائم ضمن روايتين جاهزتين: “أعمال انتقام أهلي”، أو قتل انتقامي من شخصيات محسوبة على النظام السابق .

هذا التبرير ترافق مع تصاعد في انتشار خطاب الكراهية ضد العلويين سواء عبر خطب دينية أو عبر مقاطع تنتشر عبر السوشيال ميديا. هذا الاحتقان سبق مجزرة الساحل في 8 آذار/ مارس 2025 واستمر بعدها، ولم تكن المعالجات الأمنية والقضائية جدية كفاية للحدّ من مزاج عنفي انتقامي بدأ بالتشكل ضد المجموعات العلوية. بدا العنف امتداداً لصراع سابق أكثر من كونه جريمة جديدة تحتاج إلى تحقيق مستقل.

وهكذا تراجع الاهتمام بالمسار القضائي لصالح تفسيرات سياسية واجتماعية جاهزة، وصار القتل يُقرأ بوصفه فعلاً مفسَّراً سلفاً أكثر من كونه جريمة تستوجب المساءلة. هذا ما أبرزته مواقف متكررة لشخصيات محسوبة على السلطة كانت تميل لتخفيف من أهمية تلك الجرائم وتفسيرها بوصفها حوادث فردية انتقامية معزولة وليست سياقاً عاماً بدأ بالتصاعد.

الخوف بوصفه تنظيماً للحياة اليومية

تتكرر حالات قتل الشبان العلويين في أكثر من منطقة، لكنها تبدو أكثر وضوحاً وكثافة في مدينة حمص. فالمدينة، كما مدن بانياس وبعض مناطق ريف حماة واللاذقية، تحمل انقساماً عمودياً ذا طابع طائفي، لا يمكن فهمه بوصفه مجرد توزع اجتماعي تشكّل تاريخياً بشكل فطري. فقد ساهمت سياسات نظام حافظ الأسد في الثمانينات، عبر إعادة توطين فيها وخلق جيوب وقرى وتجمعات علوية حول مدن رئيسية، في إنتاج هذا التجاور المشحون بوصفه جزءاً من هندسة سياسية وأمنية للمجال، لا مجرد تطور عمراني اعتباطي.

فمع توسّع التوظيف العسكري والإداري، تشجعت عائلات علوية للانتقال من الريف والساحل إلى أحياء داخل المدينة وحولها، ورُبط جزء من هذا الحضور الجديد بشبكات الولاء والحماية التابعة للنظام. ومع الوقت، نشأت أحياء متجاورة جغرافياً لكنها منفصلة نفسياً وأمنياً، وتحولت بعض المناطق العلوية إلى ما يشبه الجيوب المحصّنة داخل مدينة مختلطة.

لذلك تبدو الأحياء متجاورة جغرافياً، لكنها مفصولة نفسياً وأمنياً، ولكل منها حدودها غير المعلنة، وهي حدود عادت إلى الظهور والتنازع مع بداية الثورة عام 2011. حينها لم يحاول نظام بشار الأسد تفكيك هذا الانقسام، بل عسْكرته: عبّأ شباناً علويين، خصوصاً العاطلين عن العمل، ضمن الشبيحة والدفاع الوطني، واستخدم الحصار والقصف ثم التهجير في أحياء المعارضة بحمص، بحيث صار الفرز السكاني أداة حكم لا مجرد نتيجة للحرب. لذلك، فالعنف الذي يظهر اليوم في حمص ليس ابن اللحظة فقط، بل ارتداد متأخر لهندسة سياسية وأمنية طويلة جعلت التماس الطائفي قابلاً للاشتعال عند كل انهيار.

لهذا لا تُقرأ الجرائم المتكررة في حمص بوصفها فعلاً منفصلاً فقط، بل ضمن مناخ يتيحها ويعيد تفسيرها أيضاً. فإلى جانب ضعف الردع، تنشط بروباغندا تبريرية تحاول إلحاق كثير من الاغتيالات بروايات جاهزة: ثأر قديم، أو انتقام من “تشبيح” سابق، أو نتيجة طبيعية لتركيبة المدينة وتاريخها. وهكذا لا يُمحى أثر الجريمة فحسب، بل يُعاد فهمها داخل خطاب يفسرها مسبقاً ويخفف وقع مساءلتها أو حتى التوقف عندها.

ولا يظهر أثر العنف فقط في لحظة القتل، بل في الطريقة التي يعيد بها تنظيم حياة السكان اليومية. تعاني الفتيات في حمص بشكل خاص من تبعات مناخ الرعب والاغتيالات الطائفية. بعد كل عملية اغتيال تميل العائلات إلى تقليص حركة بناتها خارج المنزل، ويصبح الخروج اليومي محكوماً بالحذر والخوف. لا يظهر الضغط دائماً في شكل قرارات علنية أو قواعد عامة، بل عبر شبكات غير مرئية من الخوف والمعايرة والوصم الاجتماعي. يتحول المجتمع تدريجياً إلى مجتمع حذر منكفئ، ويغدو البحث عن ملاذ خارج المدينة خياراً متكرراً.

في حمص، تشرح لنا سيدة فضلت عدم ذكر اسمها، وهي أم لفتاة في السابعة والعشرين من عمرها، كيف أن الخوف لم يعد مرتبطاً بحادثة بعينها، بل صار جزءاً من يوميات العيش. “تخرج ابنتي كل يوم من البيت. لكن قُتل ابن خالتها في محل موبايلات في الشهر الأول من السنة. من وقتها ما عاد في يوم عادي”. وتضيف أنها أرسلت ابنها إلى لبنان لتفادي مخاطر الاحتقان في حمص، لكنها لم تتمكن من إقناع ابنتها بالمغادرة، “بتقلي بدي اشتغل، بدي عيش”.

تحاول العائلة أخذ بعض الاحتياطات لجهة تغيير الطريق التي تسلكها لدى الخروج والعودة أو مواعيد الخروج وحصر الأماكن التي يتم التنقل فيها.
ومع انتشار حالات خطف فتيات ونساء علويات في أكثر من منطقة، حاولت الأم إقناع ابنتها بارتداء الحجاب، لكن الابنة ترفض. “غير المحجبات، أو يلي بيمشوا بطرق معيّنة، صار معروف إنهم علويات”. تختصر الأم يومها بجملة واحدة، “أنا كل يوم بنطرها ترجع… وبصلّي حتى ترجع”.

متتبع حكايات العائلات وكيف تغيرت يومياتها مع الوضع الأمني المستجد، يلاحظ أن أثر العنف لا يقتصر على الضحايا المباشرين. فعمليات القتل والانتقام والخطف تعيد تشكيل خيارات العمل والدراسة والسكن، وتحوّل الحركة داخل المدينة إلى مسألة محسوبة بعناية، إذ تتداخل الحسابات الأمنية مع الانقسامات الاجتماعية والطائفية التي تعمّقت خلال سنوات الحرب وبعدها.

السكن وإعادة رسم الأحياء

لا يقتصر أثر العنف والاعتقالات على الأمن الشخصي أو الحركة اليومية، بل يمتد أيضاً إلى السكن وتركيبة الأحياء. ففي حمص، كما في بعض مناطق الساحل، بدأت تظهر تحولات واضحة في ملكية البيوت وتوزع السكان داخل الأحياء.

تُعدّ “النزهة” و”كرم اللوز” و”وادي الذهب” و”عكرمة الجديدة” و”الزهرة” من أبرز أحياء السكن العلوي في حمص. وقد شكّلت هذه المناطق لسنوات ما يشبه طوقاً عمرانياً يحيط بأحياء سنية كانت قد ثارت على النظام، وهي أحياء متقاربة جغرافياً وواضحة المعالم من حيث توزعها السكاني.

التقسيم الطائفي للسكن لم يبدأ مع الحرب، لكنه تعمّق منذ ثمانينات القرن الماضي، ثم ازداد وضوحاً بعد عام 2011. ومع السنوات الأخيرة، لم تعد الأحياء مجرد تجمعات سكنية، بل مساحات هوية وحدود انتماء.

في “وادي الذهب” سُجّلت حالات نهب لبيوت تعود الى عائلات علوية. أجرى معد التحقيق مقابلات مع ثلاثة نازحين عادوا من لبنان الى حمص خلال الأشهر الماضية. أحدهم شاب في أواخر الثلاثينات من عمره، وقال إنه عاد إلى حمص لكن لم تكن لديه قدرة على استئجار منزل في منطقة السوق، فاقترح عليه البعض استئجار منزل ضابط علوي غادر المدينة. وفعلاً استأجر المنزل من دون عقد رسمي، فقد استلمه عبر وسيط محلي، ويدفع إيجاراً شهرياً لـ”شيخ” يُقدَّم بوصفه مسؤولاً عن المنطقة. لا عقد رسمي، ولا وضوح في وضع المنزل القانوني. يقول الشاب، “نحن نسكن وندفع، ولا نريد مشاكل”.

في حي “عكرمة الجديدة”، تحدث (ح.م)، 42 عاماً، وهو مسيحي نزح سابقاً من أطراف حي الحميدية في حمص، عن تجربته في منزل استأجره في الحي منذ سنوات من نزوحه. كان مالك المنزل، وهو علوي عمل سابقاً في “سرايا الدفاع الوطني”، يملك البيت منذ سنوات، أي أن الملكية لم تكن طارئة ولا ناتجة من استيلاء حديث. لكن وضعه تغير فجأة بعد توقيف المالك، فأُخرج المُستأجر من المنزل، وأصبحت مسألة بقائه أو مغادرته مرتبطة بقرارات أمنية لا يملك أي قدرة على التأثير فيها.

في الحي نفسه، تتكرر روايات وأخبار عن بيوت أُخليت بعد اعتقالات، وأخرى تُركت خوفاً، لتُشغل لاحقاً من عائلات عائدة أو وافدة من مناطق أخرى. هناك مئات البيوت التي غادرها أصحابها العلويون، أو أُخرجوا منها، ويسكنها اليوم غرباء عن الحي أو عائدون لا يملكون خيارات أخرى. والتحول لا يظهر فقط في ملكية العقار، بل أيضاً في تركيبة الأحياء نفسها: وجوه جديدة، وشعور متبادل بعدم اليقين.

في قبضة “الأمير”

تواصلنا مع طبيب سوري(ع،ق) 66 عاماً وهو علوي مقيم حالياً في كندا، أخبرنا أن منزله في اللاذقية استولى عليه أحد “الأمراء”، وصيغة “الأمير” باتت شائعة في سوريا بعد سقوط النظام مع انتشار سطوة شخصيات دينية مسلحة محسوبة على “جبهة النصرة” سابقاً، والتي أصبحت الحكومة حالياً. وحين حاول (ع.ق) إبلاغ الشرطة عبر أقربائه، اضطر إلى الانتظار طويلاً والدخول في مفاوضات مع الجهة التي استولت على المنزل، ومع مخفر الشرطة وبعض قيادات الأمن العام، قبل أن يتمكن من استعادته. وعندما عاد المنزل إليه كان قد أُفرغ بالكامل.

يشعر الطبيب بالقلق من احتمال أن يتكرر الاستيلاء على المنزل مرة أخرى، ويقول أن كثراً من العلويين في هذه المناطق لا يستطيعون ترك بيوتهم حتى لفترات قصيرة، خوفاً من أن تُشغل أو أن يحتلها آخرون ويصادروها.

أمنياً، وعلى رغم إعادة انتشار القوى التقليدية إدارياً، إلا أنه حسب شهادات سكان محليين، فإن هرمية السلطة تستند بشكل أساسي أو بجزء كبير منها إلى فاعلين محليين لا يمكن مراقبتهم أو مساءلتهم. ومع توسع هذا الدور الأمني الموازي، تتشكل شبكة ضبط غير رسمية لكنها مؤثرة، تتداخل فيها السلطة الأمنية مع النفوذ المحلي والديني.

بعد سقوط النظام، تولّت قوات “هيئة تحرير الشام” في المرحلة الأولى إدارة بعض المدن الساحلية، وأعلنت تشكيل لجان وصفتها بالمستقلة، مهمتها إدارة ملف مصادرة الأملاك المنقولة وغير المنقولة العائدة الى مسؤولين وضباط في النظام السابق. وبحسب الرواية الرسمية، كان الهدف من هذه اللجان التعامل مع ممتلكات الشخصيات المرتبطة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية للنظام، في إطار إجراءات تهدف إلى إدارة إرث النظام السابق ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات.

لكن، تشير مقابلات أجريناها مع سكان من الساحل السوري، إلى صورة أكثر تعقيداً. ففي مدينة اللاذقية، قال لنا أكثر من شاهد إن بعض عناصر قوات الدفاع الوطني الموالية للنظام السابق كانوا قد استولوا، خلال سنوات الحرب، على منازل تعود إلى مقاتلين تركمان أو إلى معارضين للنظام. وبعد سقوط النظام، دخل قادة مجموعات مسلحة مرتبطة بالسلطة الجديدة إلى بعض هذه الأحياء، وأعادوا عدداً من تلك المنازل إلى أصحابها السابقين، لكنهم استولوا في المقابل على منازل تعود إلى عناصر في الدفاع الوطني، بينها بيوت كانت ضمن ملكية عائلاتهم منذ عقود. وفي حالات عدة، أُخليت هذه البيوت بالقوة، وطُردت منها عائلات المقاتلين، بمن فيهم زوجات عناصر قُتلوا خلال الحرب. ولم تقتصر المصادرات على العقارات السكنية، بل شملت أيضاً سيارات تعود إلى ضباط في الجيش أو إلى أفراد من عائلاتهم.

الوقائع التي وثقناها تشير إلى مسار أكثر تعقيداً في إدارة هذا الملف. ففي حالات اطلع عليها معد التحقيق، لم تكن عمليات الاستيلاء نتيجة قرارات مصادرة رسمية صادرة عن السلطات أو عن لجان قانونية متخصصة، بل تمت بمبادرات من قادة مجموعات مسلحة أو عناصر محليين استغلوا حالة الفراغ الأمني في المرحلة الأولى بعد سقوط النظام. وبحسب شهادات جمعناها من سكان ومالكين متضررين، لعب الوسطاء المحليون وشبكات النفوذ دوراً أساسياً في تثبيت بعض هذه الاستيلاءات أو تسويتها.

وتحدثت عائلات مقربة من شخصيات عسكرية في النظام السابق عن وجود تسويات مالية غير رسمية سمحت لبعض المالكين بالاحتفاظ بجزء من ممتلكاتهم. وخلال مقابلات أجريناها في لبنان مع أفراد من عائلتين، إحداهما من قيادة الجيش والأخرى من الجمارك، إضافة إلى عائلة شخصية أمنية عالية المستوى مقربة من علي مملوك، المسؤول الأمني البارز في عهد بشار الأسد المخلوع، قال هؤلاء إن وسطاء محليين أشاروا إلى إمكانية دفع مبالغ مالية لقادة ميدانيين أو مسؤولين محليين مقابل تجميد بعض قرارات المصادرة.

وبحسب شهادات وتسجيلات صوتية لأحد أفراد عائلة ذات نفوذ في عهد النظام السابق، أقرت شخصية مقربة من نظام الأسد بأنها فاوضت على ممتلكات تعود إلى أحد أقاربها، وهو مسؤول سابق في جهاز أمني سوري، مضيفة أن الأخير تنازل عن فيلا كاملة مقابل السماح لها بالاحتفاظ بعقار آخر وببعض منازل العائلة في ريف القرداحة وجبلة. كما قال أفراد من عائلة (ع، أ)، في مقابلات وتسجيلات اطلعنا عليها، إنهم دفعوا ما يقارب الـ200 ألف دولار مقابل الحفاظ على جزء من ممتلكاتهم العقارية والمنقولة. ولم نتمكن من التحقق بشكل مستقل من جميع هذه الادعاءات، أو الحصول على ردّ رسمي من الجهات المعنية بشأنها.

في المقابل، تكشف أكثر من خمسين شهادة تمكنا من جمعها خلال التحقيق في اللاذقية وحمص وطرطوس، واقعاً مختلفاً بالنسبة إلى العلويين الذين لا يملكون شبكات نفوذ أو علاقات مع وسطاء قادرين على التدخل في هذا الملف. إذ أُخرج كثر منهم من منازلهم، بما في ذلك مساكن عسكرية كانوا يقيمون فيها، أو بيوت مسجلة بأسماء زوجاتهم، أو مملوكة لهم عبر الإرث، من دون أي مسار قانوني واضح، ومن دون تسويات مشابهة لتلك التي ظهرت في حالات أخرى.

وفي حالات عدة، لم تقتصر الإجراءات على العقارات. فقد وثقنا مصادرة أعداد كبيرة من السيارات، وجمعنا إفادات عن الاستيلاء على سيارات في طرطوس واللاذقية وحمص، تعود إلى عناصر سابقين في الجيش، وعقداء وعمداء شرطة سابقين، وقادة عسكريين، بالتوازي مع الاستيلاء على منازل عائلاتهم. وأحياناً فقط الاستيلاء على السيارات، وهذا الأكثر وضوحاً بما يخص العسكريين.

وبناءً على مقابلتين أجريناهما في لبنان مع عقيد وعميد سابقين كانا قد فرا من سوريا، وكانا يعملان في (المؤسسة الاجتماعية العسكرية) المسؤولة عن تسليم السيارات، فإن جزءاً من هذه المصادرات حصل خلال ما عُرف بمرحلة التسوية، حين أُقيمت مراكز لتسلم البطاقات العسكرية والأمنية فور سقوط النظام في ما عرف حينها بأنها مرحلة تسوية أوضاع العسكريين السابقين من الحكومة السورية الجديدة. لكن الواقع كان أن سيارات وممتلكات كثيرة تم الاستيلاء عليها عنوة خلال جولات على الشوارع والبيوت، وكان الاستحواذ عليها يتم أحياناً بعد سؤال مباشر من مقاتلين: “في بيوت لضباط هون؟”.

يكشف هذا التباين عن نمط مزدوج في إدارة ملف المصادرات: إدارة تفاوضية للمصادرة في الحالات التي يمتلك فيها المالك شبكات نفوذ أو قدرة على الوصول إلى وسطاء، ومصادرة قسرية تطاول الفئات الأضعف التي تفتقر إلى هذه الشبكات. هذه التحولات لا تعيد توزيع السكان فحسب، بل تعيد أيضاً رسم خريطة الأحياء الاجتماعية. فالأحياء لم تعد ثابتة، بل دخلت في عملية إعادة تركيب مستمرة، ما يعمّق شعور مجموعات كثيرة بأن وجودها في المكان هش أو قابل للاستبدال.

في هذه البيئة تصبح المسؤولية أكثر غموضاً: من يقرر؟ من يضمن؟ ومن يُحاسِب ويُصادر؟

الأمن الهجين وحدود المدن غير المرئية

بعد مجزرة الساحل التي استهدفت علويين في 8 آذار/ مارس 2025 وأودت بنحو 1700 شخص، تشكّل حاجز نفسي كبير داخل كثير من هذه المناطق. لم يعد الخوف مرتبطاً بحوادث متفرقة، بل صار جزءاً من إدراك يومي لحدود الحركة داخل البلاد.

في ريف اللاذقية وحمص وريف حماة، يواجَه كثيرون بسؤال بسيط بعد المجازر: هل حاولتم تقديم شكوى؟ أكثر من عشرة أشخاص من أقرباء ضحايا مجازر الساحل قالوا لمعد التحقيق إن الشرطة أو اللجان الأمنية تأتي أحياناً إلى موقع الحادث، وتجري تحقيقاً سريعاً، ثم تنصرف من دون نتائج واضحة.

في كثير من المناطق لا توجد كاميرات مراقبة كافية، ولا أدوات تحقيق فعالة، ولا قدرة واضحة على تتبع الفاعلين أو الوصول إلى نتائج حاسمة. لكن ضعف التحقيق لا يبدو مسألة تقنية فقط.

يظهر في هذه المناطق ما يمكن تسميته بالأمن الهجين، إذ تتعدد جهات تحمل السلاح وتشارك في ضبط الأمن. إلى جانب الشرطة الرسمية، توجد فصائل محلية ومجموعات مسلحة وشخصيات دينية أو عسكرية تملك نفوذاً داخل الأحياء.

هذا التعدد لا ينتج وضوحاً في السلطة، بل العكس. فحين تتوزع القوة بين جهات مختلفة، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية: من يحقق؟ من يملك سلطة الاعتقال؟ ومن يقرر مصير الملفات؟

نتيجة ذلك يظهر نوع من الغموض البنيوي في النظام الأمني. لا يوجد تسلسل قيادة واضح، ولا حدود دقيقة بين ما هو مدني وما هو عسكري، ولا بين ما هو رسمي وما هو محلي. يصبح الأمن موجوداً من حيث الانتشار الظاهر، لكنه لا ينتج بالضرورة شعوراً فعلياً بالاستقرار.

وفي المدن المنقسمة طائفياً، تظهر أيضاً حدود غير مرئية. هذه الحدود لا تُرسم على الخرائط، لكنها حاضرة في وعي السكان اليومي. يعرف الناس أي الأحياء يمكن عبورها، وأي الطرق يجب تجنبها، وأي الأماكن قد تصبح خطرة في أوقات معينة. وتسهّل هذه الحدود غير المعلنة استهداف الأفراد داخل مناطق محددة، كما تقلل من التضامن العابر للطوائف. فعندما يُقتل شخص في حي معروف بانتمائه الطائفي، لا يُقرأ الحدث كجريمة فردية فقط، بل كجزء من توازن هش بين أحياء متقابلة.

لا يبقى القلق هنا مجرد رد فعل على حادثة معينة، بل يتحول إلى حالة دائمة. فالانتشار الأمني موجود، لكنه انتشار متغير، خليط من المدني والعسكري، ولا يمنح شعوراً واضحاً بالضمان.

لهذا تبدو الحياة في كثير من المناطق غير مستقرة حتى في الأيام التي لا يحدث فيها شيء. فالعنف لا يظهر فقط في لحظة الجريمة، بل في المناخ الذي يجعلها ممكنة وقابلة للتكرار. وفي النهاية، لا يبدو الأمن في هذه المرحلة مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء المجتمع بعد الصراع، بقدر ما يظهر كإدارة ظرفية للتوتر. فهو يعلن وجوده في لحظات الأزمة، لكنه لا يعالج الشروط الاجتماعية والقانونية التي تسمح بعودة العنف أو تمنع تكراره.

ما يحدث في سوريا اليوم لا يُقاس فقط بما يتعرض له العلويون، بل بما صار ممكناً أن يقع مرة بعد مرة، وفي أي لحظة، من دون صدمة عامة كافية تغيّر شيئاً في الوضع القائم. هنا تكمن الخطورة: فالمسألة لم تعد أمنية فقط، بل سياسية وأخلاقية في العمق. والخطر لا يقتصر على عجز السلطة عن منع القتل، بل يمتد إلى قابلية المجال العام نفسه لإعادة تعريف فئات من الناس بوصفهم قابلين للقتل.

وهذا ليس طارئاً تماماً، بل هو امتداد لاعتياد ترسخ منذ عام 2011، حين أُعيد تنظيم المجال العام على نحو جعل قبول القتل ممكناً، ثم عاد هذا القبول ليتخذ أشكالاً جديدة. عند هذه النقطة لا يعود السؤال فقط: من يقتل؟ بل: أي دولة تتشكل حين يُترك كل هذا ليتحول إلى اعتياد نكتب عنه؟