“يا مفاوض يا عنيد… على شو بتفاوض؟”
بهذه الكلمات الموجعة، ظهر أحد سكان غزة في مقطع فيديو نشره على فيسبوك. وجهه شاحب، وملامحه منهكة من الجوع وانعدام الأمل. تساءل بحرقة:
“هل تعلم سعر كيس الطحين؟ حليب الأطفال؟ هل فكرت بالناس المريضة اللي تدور على علاج ومش لاقيته؟ مرضى غسيل الكلى؟ يا عمي شغّل مخك… ارحمنا!”.
في خيام اللجوء المنتشرة على أنقاض البيوت، لا يحتاج الناس الى تحليلات سياسية كي يكوّنوا رأياً. هناك، تتكرر عبارات مثل:
“خلصونا يا عمي، على إيش يتفاوضوا؟”
“بدنا نعيش، مش ننتصر!”
في غزة اليوم، الجوعى والثكالى لا يتجادلون في الأولويات الاستراتيجية، بل يطالبون بشيء واحد: وقف الحرب بأي ثمن.
على ماذا تفاوض “حماس”؟
فيما تتواصل مفاوضات مطوّلة بين “حماس” وإسرائيل داخل فنادق وعواصم عربية، تمعن إسرائيل في تدمير ما تبقى من القطاع: مزيد من القصف، مزيد من القتلى، مزيد من التجويع. تسعى إسرائيل الى إطالة أمد المحادثات لأقصى درجة، بينما يدفع الفلسطينيون في غزة الثمن كاملاً – أجساداً محطّمة وأرواحاً ضائعة.
في المقابل، تبدو “حماس” وكأنها تدير المفاوضات بأريحية مدهشة، تتأخر في الرد على الوسطاء، ولا تُظهر استعجالاً لإنقاذ ما تبقى من أرواح. كثيرون لا يفهمون: على ماذا تفاوض “حماس”؟ ولماذا تسمح بإطالة هذه المفاوضات بلا نتائج؟
المفاوضات… بين الحكم والأسرى
أحد الملفات التي استنزفت وقتاً طويلاً، هو إدارة قطاع غزة بعد الحرب. من سيحكم مدينة محطّمة ينام أهلها في الخيام؟ استغرق هذا النقاش شهوراً، مات خلالها الآلاف ودُمّرت أحياء بكاملها. وفي النهاية، أعلنت “حماس” استعدادها لتسليم إدارة القطاع، لكن وفق شروط.
الملف الآخر الذي تصرّ “حماس” على جعله أولوية، هو الأسرى القدامى المحكومون بالمؤبد. تطالب الحركة بالإفراج عنهم، وهو مطلب عادل من حيث المبدأ، لكن كثيرين في غزة يرون أنه ليس الوقت المناسب للمساومة على هذا الملف بينما يُباد السكان جوعاً وقصفاً.
في كلمات أحد سكان غزة:
“لن نلوم حماس إذا أبدت مرونة. أكبر نصر لنا الآن هو وقف الحرب، مش إطلاق سراح الأسرى”.
كلفة الوقت القاتل
بين الحديث عن الأسرى والحكم والانسحابات، تمضي الأسابيع في مفاوضات لا تتقدّم. إسرائيل تستفيد من الوقت، أما غزة، فتغرق في الكارثة.
وفق تقديرات الأمم المتحدة، أكثر من 1.8 مليون شخص يحتاجون إلى مأوى، وقد تستمر إعادة الإعمار حتى عام 2040، أو أكثر.
ما يقارب 69 في المئة من مباني غزة دُمّرت أو تضررت بشدة، أي أكثر من 170 ألف مبنى.
وقُتل وأُصيب أكثر من 200 ألف فلسطيني، غالبيتهم من النساء والأطفال.
أما المجاعة، فحصدت أرواح 154 شخصاً حتى الآن، بينهم 89 طفلاً.
هل تنظر “حماس” إلى هذه الأرقام؟
هل تفكّر بالمعنى الإنساني قبل السياسي؟ هل ترى أن أكبر انتصار حقيقي اليوم هو الحفاظ على من تبقى أحياءً في غزة، لا رفع الشعارات أو تأخير التنازلات؟
بينما تُبنى أجندات السياسة في الخارج، يُبنى اليأس في الداخل.
وربما، حين ينتهي كل شيء، لن يرفع الناس رايةً، بل فقط سيرفعون وجوههم إلى السماء ويسألون: لماذا تأخرتم؟
إقرأوا أيضاً:











