ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

على مقود الألم

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

علّمني المرض أن العلاج ليس وصفة جاهزة، بل هو تعلّم لغة الحوار مع الجسد ولغة الإصغاء إليه. لا ينتهي العلاج عند باب المستشفى بل يذهب معي الى المنزل حيث تنتظرني أوراق التمارين المنزلية والأربطة المطاطية الشاهدة على التزامي بها…

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“أنا لا أنام أصلاً لأستيقظ. أجادل قدمي كل ليلة في حوار عقيم عن وضعية ترضى بها، ولا نصل إلى اتفاق. أضع وسادة بين ركبتيّ وتحتهما، أرفع قدمي قليلاً ثم أمددها، أنزلها من الفراش وأعيدها، أطفئ المكيف لأجلها وأضعها تحت اللحاف لأحميها من البرد، فتغدو كطفل يحتاج الى رعاية”. هذا هو الجواب الذي دار في رأسي عندما سألني طبيبي إن كان يوقظني الألم.

بينما كنت أبحث عن مكان أمدد فيه ساقي اليمنى، وأتمسك بكنبة في الطابق العلوي من المكتب، تباغتني قدمي اليسرى بألمها، وكأنها ترفض أن تُترك خارج المعادلة. أتى صرير المفاصل، أسمعه وطبيبي، فعلمت أن الهدنة انتهت وأنني على موعد مع خمسة أشهر جديدة من الألم.

ذلك الصرير كان مفتاح ذكرياتي مع المرض، تلك الليالي الطويلة التي كنت أجادل فيها قدمي اليمنى كي ترضى بوضعية تُبقيني هادئة حتى الصباح. كان توقعاً للمعركة الجديدة: قدمي الممدة على السرير الأزرق، صوت مريض الباركنسون قربي، مشاجرتي مع شركة التأمين، ومحاولاتي البائسة لوصف الألم للمعالج الفيزيائي الواقف إلى جانبي، ممسكاً بكوب من الثلج بيد ومحدداً خريطة الألم على قدمي بيد أخرى.

مجرد التفكير في أنني على وشك الدخول في هذه الدوامة مجدداً كان يؤرقني. لم أكن جاهزة لهذا وإن أصبحت قادرة نوعاً ما على احتواء الألم الجسدي الذي تسببت به حالة “الكروندوماليكا” اللعينة، فإن خطواتي تؤلمني مرتين، جسدياً ونفسياً. 

للمرة الأولى، لم تكن النهايات أصدق من البدايات. أجلس وحيدة مع ركبتي التي تئن، فيبدد المرض فراغ وحدتي لنشكل سوية ثنائية معقدة. يضاعف المرض وحدتي ويملأها في الوقت عينه. 

ثنائيتي مع المرض تجبرني على أن أقرأ بين سطور الوجع وأن أتقن لغته: شعور الركبة التي توشك على الانفصال عندما أمشي، الأدوات التي تحفر تحت عظمتي عند ثني ركبتي، الزجاج الذي يجرح الأنسجة تحت جلدي، والشحنات الكهربائية التي تتسلل تحت مفاصلي. أهرع إلى طبيبي متوسلة أن يختصر عليّ الألم، على قاعدة “إسأل مجرب ولا تسأل حكيم”. 

أقود الألم في جسدي

أعتقد أن الطبيب المتخصص والمعالج الفيزيائي سئما مني ومن قدمي. نظر إليّ طبيبي باستغراب حين طلبت منه فحوصات محدّدة. لكن عذراً، أحاول جاهدة أن أكون هذه المرة قائدة الأوركسترا: أحدد متى سيعزف الألم على أوتار قدمي، ووتيرة الصرير التي تتردد في عظامي. كنت أريد أن أمشي مجدداً وبسرعة رغما عن لوحة التشققات التي ظهرت في التصوير الشعاعي.

يقول طبيبي: “أنا أخشى هذه التشققات لكن لا تخافي فليست في مراحل متقدمة”. ويطمئنني المعالج الفيزيائي بأننا سنتغلب على الألم مجدداً. لا أنكر أنني أكثر طمأنينة من المرة الفائتة، ومع ذلك أشعر بالرعب من الدرس الذي يلقّنه لي المرض بينما يتنقل في ركبتيّ.

يصعب علينا أن نُصدّق في البداية أن المرض، حتى لو لم ينجح في التربّص بأجسادنا، فهو يغيّرها ويغيّرنا معها. على رغم الرعب، جرب المرض أن يقنعني بالثقة بالآخرين، فصدّقته أحياناً وتردّدت أحياناً أخرى. يزرع فيّ صبراًً لم أكن أعرفه، يكسر خجلي مراراً، ويمنحني قوة لم أتخيّلها. يتيح لي أن ألتفت إلى مشاعري الحقيقية، تلك التي حاولت طمسها طويلًا، يعلّمني المواجهة بدل الهروب. يفاجئني في كل مرة، في تصرفاتي وفي طريقة ظهوري، حين أجد نفسي أُظهر جانباً يتراوح بين جدية ولؤم امتهنتهما على مر السنوات. 

لكن يخلق المرض هوّة صامتة بيننا وبين العالم. في البداية يتعاطف الجميع، يسألون، يقدمون النصائح، يرفعوننا من قاع الوجع، ثم يكملون حياتهم، بينما نسقط نحن المرضى في دورة من الألم بين المواعيد والأمل. فيتحوّل المرض بقدر ما هو اختبار لصبرنا، إلى اختبار لأقرب الأشخاص إلينا، ولدموعنا حين نراهم يفقدون قدرتهم على فهمنا، ويرحلون…

الرنين المغناطيسي جزء من سيرة ذاتية

بدت تجربة الرنين المغناطيسي هذه المرة كمقابلة عمل. وقف المتخصص أمامي وسألني: “هل هذه أول صورة لك؟” فأجبته بحدّة: “كلا، إنها الثالثة هذا العام”. 

في هذه الغرفة الباردة، أستلقي على الطاولة المعدنية البيضاء، بين ضجيج الشحنات الكهرومغناطيسية وصمت الانتظار. يثبت الحزام قدمي المرتجفة وتطلب مني الماكينة عدم التحرك، بينما تسحبني الطاولة نحو التابوت المعدني، فأغمض عيناي بينما أعد الطرقات.

حين خرجت من هذا المكان، سألت المتخصص لماذا لم يستطع كل هذا التقدم التكنولوجي والذكاء الإصطناعي أن يسكت ضجيج هذه الآلة؟ فأجابني أنه أمر غير وارد تقنياً، ذلك أن الشحنات هي التي تصدر الصوت، واختفاؤها يعني إطالة وقت المعاينة. لم تقنعني إجابته، ما لم تلتقطه صور الرنين المغناطيسي هو ذكرياتي عن حديث زملائي الفلسطينيين الذين التقيتهم في ورشة تدريب في العاصمة الأردنية عمان الشهر الفائت، حين أخبرونا كيف تتبخر الجبال في الوقت الفاصل بين مغادرتهم قراهم وعودتهم إليها. فكيف لضجيج حرب الآلة أن يصمت؟

إقرأوا أيضاً:

الألم بين الستائر الزرقاء 

في مركز التأهيل كنت أعرج بـ “ثقة”، وأمشي ببطء من دون خوف من نظرات الناس. بين الستائر القماشية الزرقاء، التي تفصل مريضاً عن آخر، كنت أبتلع خوفي أحياناً، وأحدّث المعالج عنه أحياناً أخرى. لكن بعيداً عن رائحة المعقمات، كانت الحياة أقل رحمة. 

يستغرب الناس بطء التعافي، يربطونه بالعمر، بالإرادة، ونحافتي حتى. كأن للألم عمراً محدداً وجب علي الالتزام به. كنت أقابَل دائماً بجملة “أوف بعدك صغيرة! ليه هيك؟”، أما أنا فكنت أحاول أن أبقى صلبة، أقول لركبتي: “أرجوكِ كفّي عن الطقطقة، كأنكِ آلة قديمة تصرّ على فضحي عند كل خطوة”.

كيف يتحوّل الجميع فجأة إلى اختصاصيين يفقهون في طبّ العظام والعلاج الفيزيائي؟ ينهالون عليّ بالنصائح كما لو أنهم تخرجوا لتوّهم من كلية الطب. أحدهم يقترح “زيت الخروع”، وآخر يوصيني بـ “معالج شاطر”، وثالث يقترح علي إجراء عملية جراحية، ورابع يقسم بكمادات جلبها من بلاد كونفوشيوس، وخامس يتنمر، وسادس يسألني بثقة “متى سيترمم الغضروف؟”، وسابع يوصيني بمرقة الدجاج أو “الجيلو”، وثامن يجعل من قدمي سيناريو لـ “ستاند آب كوميدي” تافه.

أما أنا، فلا أريد شيئاً من هذا كله، أحاول أن أخفت تلك الأصوات لأعود بذاكرتي إلى المرة الأولى التي زرت فيها مركز التأهيل منذ ثمانية أشهر: وجهي الشاحب وخوفي الذي كان يسبق قدمي المتعثرة خلفي، وحديثي مع المعالجين، وكيف نسيت اسمهما من حدة الوجع.

 وما أريد التركيز عليه الآن هو أن الألم لم يعد مرئياً للآخرين، وأنني أواجه هوله وحدي، بعيداً عن تذمّر من يستخفّون به. نحن المرضى لا نطلب أكثر من مساحة هادئة نُشفى فيها، مكان لا تُقاس فيه صحتنا بالسرعة ولا تُقارن أوجاعنا بتجارب الآخرين. 

العلاج هو إتقان خريطة الألم

أفضل ما علمني إياه المعالج الفيزيائي هو أن أقرأ خريطة الألم، لأقود الطريق إلى الشفاء. لم يتعامل مع قدمي كقطعة تالفة، ولا مع العضلات المتيبّسة كورق مهترئ وجب رميه. 

كان ألمي لغزاً أحاول حلّه بمساعدته. يزوّدني بالمعرفة النظرية، ويدفعني إلى المحاولة، أحياناً بتمارين فردية وأحياناً أخرى بمساعدته. يتجاوب جسدي حيناً ويتمرد حيناً آخر، تتحسن حركتي يوماً وتتباطأ في اليوم التالي، فيغيّر المعالج الجلسات والتمارين بحثاً عن ارتخاء طفيف في العضلات. 

في بداية كل جلسة، كان يسألني عن ألمي، ثم يقول: “بس أخفّ الوجع؟”. ومع الوقت، تحوّل هذا السؤال إلى مقياس المسافة التي تفصلني عن الشفاء. نحن المرضى لا نحتاج الى أطباء يتحدثون من خلف المكاتب، بل الى أشخاص يصغون إلى آلامنا فيرسمون معنا خريطة الشفاء. ولا نحتاج إلى أن نبتلع حبوب الدواء لنجد أنفسنا بعد فترة في صالة انتظار أخرى، نبدل إسم الطبيب والأعضاء المصابة. نحن نحتاج الى أن ننتقل من دائرة الشفاء الميكانيكي إلى دائرة الشفاء التشاركي. 

أكواب الثلج تنتظرني في الثلاجة

علّمني المرض أن العلاج ليس وصفة جاهزة، بل هو تعلّم لغة الحوار مع الجسد ولغة الإصغاء إليه. لا ينتهي العلاج عند باب المستشفى بل يذهب معي الى المنزل حيث تنتظرني أوراق التمارين المنزلية والأربطة المطاطية الشاهدة على التزامي بها، والمناديل التي تمسح حبر الكلمات التي تجمعت في عيوني، وأكواب الثلج المستقرة في زاوية الثلاجة لتسكن آلامي الليلية.

يتسلّل العلاج إلى تفاصيل حياتي من دون استئذان، إلى كل مرّة أمنع نفسي من صعود الدرج، إلى الدقائق التي أنجح فيها، أو أفشل، في تمرين جلوس الحائط، إلى الملابس الفضفاضة التي لا تضغط على الألم.

أعود إلى الغرفة البيضاء كل أسبوع، بتمارين جديدة أولها جلوس الحائط، فترتجف عضلاتي احتجاجاً على هذه الوضعية القسرية بينما يعد المعالج الوقت: دقيقة، دقيقتان، ثلاث، دقيقة ونصف… 

في الأسبوع الثاني، أعود إلى السرير الأزرق، فيغرس المعالج الإبرة الأولى في قدمي بينما يشرح لي عن عمله ويذكّرني بضرورة الالتزام بالتمارين المنزلية بحذافيرها. أومئ برأسي كالتلميذ المطيع، بينما أضغط بيدي على فمي لأبتلع ريقي وخوفي معاً، فأترك لوجهي مهمة ترجمة الألم. 

عند الوخزة الرابعة، تنزلق من فمي كلمة “آخ” رغماً عني، فتفضح آلامي. يبدأ المعالج بتحريك الإبر الواحدة تلو الأخرى، فأترنّح بين رغبتي في الصراخ وبين إصراري على أن أبقى متماسكة. 

عشر إبر مغروسة في ركبتي تجعل قدمي أشبه بلوحة إعلانات مليئة بمسامير رقيقة، أراقبها بصمت، وأتنفس الصعداء عندما تنزع. لكن مع حلول الليل، تكلمني ركبتي بلغة الوخز والطقطقة. أستلقي متعبة، أبحث عن وضعية تُسكت وجعها، وكأنها تعاتبني: “كيف قبلت بكل تلك الطعنات؟” ومع ذلك، أدركت أنّ قراري بتجربة الإبر كان صائباً، فالتحسّن الذي كنت أشعر به كان كافياً لأفهم لماذا أصرّ المعالج على إقناعي بها منذ البداية.

وهكذا، تحوّلت أسابيعي إلى حقول تجارب لفروض علاجية تفوق صرامة الفروض المدرسية. ثم أعود في جلساتي الأسبوعية لأروي للمعالج عن 20 تمريناً على الأقل، ومذكراتي مع الألم. ثم يأتي دور جهاز التحفيز الكهربائي، تبدأ الذبذبات كتنميل في العضلات، قبل أن يرن معلناً نهاية الجلسة. أحدق في المرضى، القدامى والجدد، أشكر المعالجين وأرحل.

يبدأ العلاج الحقيقي حين يتألم المريض خلف الستائر الزرقاء، ثم يغادر الجلسة وقد اكتسب وعياً بجسده، يعرف ما يُجهده، وما يُريحه. كان أحد أسباب آلامي ذاك الدرج اللعين بطبقاته الست، الذي أواجهه كل مساء بأقدام ضعيفة وأحذية لا تمتصّ الصدمات، بعد ثماني ساعات من التحليل والكتابة خلف المكتب، بمعدة خاوية، والجلوس في المساء بوضعية التربيعة وبيدي مشروبي المفضل. ولّى كل هذا إلى غير رجعة، فقد علمني الطريق الطويل إلى الشفاء، مهما انتقده الآخرون، أكثر مما علمني الشفاء نفسه.

تلك الليلة وبين عقارب الساعة البطيئة، وأنا أحاول تعديل وضعية نومي للمرة الرابعة، اكتشفت ما لم يخبرني إياه طبيبي ولا المعالج. اكتشفت أنني أعيش في رأسي أكثر مما أعيش في جسدي، أراكم المعرفة في الدماغ بينما تتيبس العضلات في الجسد، إلى أن قرر أن يسجنني داخله عقاباً على كل تلك السنوات.

إقرأوا أيضاً:

21.11.2025
زمن القراءة: 7 minutes

علّمني المرض أن العلاج ليس وصفة جاهزة، بل هو تعلّم لغة الحوار مع الجسد ولغة الإصغاء إليه. لا ينتهي العلاج عند باب المستشفى بل يذهب معي الى المنزل حيث تنتظرني أوراق التمارين المنزلية والأربطة المطاطية الشاهدة على التزامي بها…

“أنا لا أنام أصلاً لأستيقظ. أجادل قدمي كل ليلة في حوار عقيم عن وضعية ترضى بها، ولا نصل إلى اتفاق. أضع وسادة بين ركبتيّ وتحتهما، أرفع قدمي قليلاً ثم أمددها، أنزلها من الفراش وأعيدها، أطفئ المكيف لأجلها وأضعها تحت اللحاف لأحميها من البرد، فتغدو كطفل يحتاج الى رعاية”. هذا هو الجواب الذي دار في رأسي عندما سألني طبيبي إن كان يوقظني الألم.

بينما كنت أبحث عن مكان أمدد فيه ساقي اليمنى، وأتمسك بكنبة في الطابق العلوي من المكتب، تباغتني قدمي اليسرى بألمها، وكأنها ترفض أن تُترك خارج المعادلة. أتى صرير المفاصل، أسمعه وطبيبي، فعلمت أن الهدنة انتهت وأنني على موعد مع خمسة أشهر جديدة من الألم.

ذلك الصرير كان مفتاح ذكرياتي مع المرض، تلك الليالي الطويلة التي كنت أجادل فيها قدمي اليمنى كي ترضى بوضعية تُبقيني هادئة حتى الصباح. كان توقعاً للمعركة الجديدة: قدمي الممدة على السرير الأزرق، صوت مريض الباركنسون قربي، مشاجرتي مع شركة التأمين، ومحاولاتي البائسة لوصف الألم للمعالج الفيزيائي الواقف إلى جانبي، ممسكاً بكوب من الثلج بيد ومحدداً خريطة الألم على قدمي بيد أخرى.

مجرد التفكير في أنني على وشك الدخول في هذه الدوامة مجدداً كان يؤرقني. لم أكن جاهزة لهذا وإن أصبحت قادرة نوعاً ما على احتواء الألم الجسدي الذي تسببت به حالة “الكروندوماليكا” اللعينة، فإن خطواتي تؤلمني مرتين، جسدياً ونفسياً. 

للمرة الأولى، لم تكن النهايات أصدق من البدايات. أجلس وحيدة مع ركبتي التي تئن، فيبدد المرض فراغ وحدتي لنشكل سوية ثنائية معقدة. يضاعف المرض وحدتي ويملأها في الوقت عينه. 

ثنائيتي مع المرض تجبرني على أن أقرأ بين سطور الوجع وأن أتقن لغته: شعور الركبة التي توشك على الانفصال عندما أمشي، الأدوات التي تحفر تحت عظمتي عند ثني ركبتي، الزجاج الذي يجرح الأنسجة تحت جلدي، والشحنات الكهربائية التي تتسلل تحت مفاصلي. أهرع إلى طبيبي متوسلة أن يختصر عليّ الألم، على قاعدة “إسأل مجرب ولا تسأل حكيم”. 

أقود الألم في جسدي

أعتقد أن الطبيب المتخصص والمعالج الفيزيائي سئما مني ومن قدمي. نظر إليّ طبيبي باستغراب حين طلبت منه فحوصات محدّدة. لكن عذراً، أحاول جاهدة أن أكون هذه المرة قائدة الأوركسترا: أحدد متى سيعزف الألم على أوتار قدمي، ووتيرة الصرير التي تتردد في عظامي. كنت أريد أن أمشي مجدداً وبسرعة رغما عن لوحة التشققات التي ظهرت في التصوير الشعاعي.

يقول طبيبي: “أنا أخشى هذه التشققات لكن لا تخافي فليست في مراحل متقدمة”. ويطمئنني المعالج الفيزيائي بأننا سنتغلب على الألم مجدداً. لا أنكر أنني أكثر طمأنينة من المرة الفائتة، ومع ذلك أشعر بالرعب من الدرس الذي يلقّنه لي المرض بينما يتنقل في ركبتيّ.

يصعب علينا أن نُصدّق في البداية أن المرض، حتى لو لم ينجح في التربّص بأجسادنا، فهو يغيّرها ويغيّرنا معها. على رغم الرعب، جرب المرض أن يقنعني بالثقة بالآخرين، فصدّقته أحياناً وتردّدت أحياناً أخرى. يزرع فيّ صبراًً لم أكن أعرفه، يكسر خجلي مراراً، ويمنحني قوة لم أتخيّلها. يتيح لي أن ألتفت إلى مشاعري الحقيقية، تلك التي حاولت طمسها طويلًا، يعلّمني المواجهة بدل الهروب. يفاجئني في كل مرة، في تصرفاتي وفي طريقة ظهوري، حين أجد نفسي أُظهر جانباً يتراوح بين جدية ولؤم امتهنتهما على مر السنوات. 

لكن يخلق المرض هوّة صامتة بيننا وبين العالم. في البداية يتعاطف الجميع، يسألون، يقدمون النصائح، يرفعوننا من قاع الوجع، ثم يكملون حياتهم، بينما نسقط نحن المرضى في دورة من الألم بين المواعيد والأمل. فيتحوّل المرض بقدر ما هو اختبار لصبرنا، إلى اختبار لأقرب الأشخاص إلينا، ولدموعنا حين نراهم يفقدون قدرتهم على فهمنا، ويرحلون…

الرنين المغناطيسي جزء من سيرة ذاتية

بدت تجربة الرنين المغناطيسي هذه المرة كمقابلة عمل. وقف المتخصص أمامي وسألني: “هل هذه أول صورة لك؟” فأجبته بحدّة: “كلا، إنها الثالثة هذا العام”. 

في هذه الغرفة الباردة، أستلقي على الطاولة المعدنية البيضاء، بين ضجيج الشحنات الكهرومغناطيسية وصمت الانتظار. يثبت الحزام قدمي المرتجفة وتطلب مني الماكينة عدم التحرك، بينما تسحبني الطاولة نحو التابوت المعدني، فأغمض عيناي بينما أعد الطرقات.

حين خرجت من هذا المكان، سألت المتخصص لماذا لم يستطع كل هذا التقدم التكنولوجي والذكاء الإصطناعي أن يسكت ضجيج هذه الآلة؟ فأجابني أنه أمر غير وارد تقنياً، ذلك أن الشحنات هي التي تصدر الصوت، واختفاؤها يعني إطالة وقت المعاينة. لم تقنعني إجابته، ما لم تلتقطه صور الرنين المغناطيسي هو ذكرياتي عن حديث زملائي الفلسطينيين الذين التقيتهم في ورشة تدريب في العاصمة الأردنية عمان الشهر الفائت، حين أخبرونا كيف تتبخر الجبال في الوقت الفاصل بين مغادرتهم قراهم وعودتهم إليها. فكيف لضجيج حرب الآلة أن يصمت؟

إقرأوا أيضاً:

الألم بين الستائر الزرقاء 

في مركز التأهيل كنت أعرج بـ “ثقة”، وأمشي ببطء من دون خوف من نظرات الناس. بين الستائر القماشية الزرقاء، التي تفصل مريضاً عن آخر، كنت أبتلع خوفي أحياناً، وأحدّث المعالج عنه أحياناً أخرى. لكن بعيداً عن رائحة المعقمات، كانت الحياة أقل رحمة. 

يستغرب الناس بطء التعافي، يربطونه بالعمر، بالإرادة، ونحافتي حتى. كأن للألم عمراً محدداً وجب علي الالتزام به. كنت أقابَل دائماً بجملة “أوف بعدك صغيرة! ليه هيك؟”، أما أنا فكنت أحاول أن أبقى صلبة، أقول لركبتي: “أرجوكِ كفّي عن الطقطقة، كأنكِ آلة قديمة تصرّ على فضحي عند كل خطوة”.

كيف يتحوّل الجميع فجأة إلى اختصاصيين يفقهون في طبّ العظام والعلاج الفيزيائي؟ ينهالون عليّ بالنصائح كما لو أنهم تخرجوا لتوّهم من كلية الطب. أحدهم يقترح “زيت الخروع”، وآخر يوصيني بـ “معالج شاطر”، وثالث يقترح علي إجراء عملية جراحية، ورابع يقسم بكمادات جلبها من بلاد كونفوشيوس، وخامس يتنمر، وسادس يسألني بثقة “متى سيترمم الغضروف؟”، وسابع يوصيني بمرقة الدجاج أو “الجيلو”، وثامن يجعل من قدمي سيناريو لـ “ستاند آب كوميدي” تافه.

أما أنا، فلا أريد شيئاً من هذا كله، أحاول أن أخفت تلك الأصوات لأعود بذاكرتي إلى المرة الأولى التي زرت فيها مركز التأهيل منذ ثمانية أشهر: وجهي الشاحب وخوفي الذي كان يسبق قدمي المتعثرة خلفي، وحديثي مع المعالجين، وكيف نسيت اسمهما من حدة الوجع.

 وما أريد التركيز عليه الآن هو أن الألم لم يعد مرئياً للآخرين، وأنني أواجه هوله وحدي، بعيداً عن تذمّر من يستخفّون به. نحن المرضى لا نطلب أكثر من مساحة هادئة نُشفى فيها، مكان لا تُقاس فيه صحتنا بالسرعة ولا تُقارن أوجاعنا بتجارب الآخرين. 

العلاج هو إتقان خريطة الألم

أفضل ما علمني إياه المعالج الفيزيائي هو أن أقرأ خريطة الألم، لأقود الطريق إلى الشفاء. لم يتعامل مع قدمي كقطعة تالفة، ولا مع العضلات المتيبّسة كورق مهترئ وجب رميه. 

كان ألمي لغزاً أحاول حلّه بمساعدته. يزوّدني بالمعرفة النظرية، ويدفعني إلى المحاولة، أحياناً بتمارين فردية وأحياناً أخرى بمساعدته. يتجاوب جسدي حيناً ويتمرد حيناً آخر، تتحسن حركتي يوماً وتتباطأ في اليوم التالي، فيغيّر المعالج الجلسات والتمارين بحثاً عن ارتخاء طفيف في العضلات. 

في بداية كل جلسة، كان يسألني عن ألمي، ثم يقول: “بس أخفّ الوجع؟”. ومع الوقت، تحوّل هذا السؤال إلى مقياس المسافة التي تفصلني عن الشفاء. نحن المرضى لا نحتاج الى أطباء يتحدثون من خلف المكاتب، بل الى أشخاص يصغون إلى آلامنا فيرسمون معنا خريطة الشفاء. ولا نحتاج إلى أن نبتلع حبوب الدواء لنجد أنفسنا بعد فترة في صالة انتظار أخرى، نبدل إسم الطبيب والأعضاء المصابة. نحن نحتاج الى أن ننتقل من دائرة الشفاء الميكانيكي إلى دائرة الشفاء التشاركي. 

أكواب الثلج تنتظرني في الثلاجة

علّمني المرض أن العلاج ليس وصفة جاهزة، بل هو تعلّم لغة الحوار مع الجسد ولغة الإصغاء إليه. لا ينتهي العلاج عند باب المستشفى بل يذهب معي الى المنزل حيث تنتظرني أوراق التمارين المنزلية والأربطة المطاطية الشاهدة على التزامي بها، والمناديل التي تمسح حبر الكلمات التي تجمعت في عيوني، وأكواب الثلج المستقرة في زاوية الثلاجة لتسكن آلامي الليلية.

يتسلّل العلاج إلى تفاصيل حياتي من دون استئذان، إلى كل مرّة أمنع نفسي من صعود الدرج، إلى الدقائق التي أنجح فيها، أو أفشل، في تمرين جلوس الحائط، إلى الملابس الفضفاضة التي لا تضغط على الألم.

أعود إلى الغرفة البيضاء كل أسبوع، بتمارين جديدة أولها جلوس الحائط، فترتجف عضلاتي احتجاجاً على هذه الوضعية القسرية بينما يعد المعالج الوقت: دقيقة، دقيقتان، ثلاث، دقيقة ونصف… 

في الأسبوع الثاني، أعود إلى السرير الأزرق، فيغرس المعالج الإبرة الأولى في قدمي بينما يشرح لي عن عمله ويذكّرني بضرورة الالتزام بالتمارين المنزلية بحذافيرها. أومئ برأسي كالتلميذ المطيع، بينما أضغط بيدي على فمي لأبتلع ريقي وخوفي معاً، فأترك لوجهي مهمة ترجمة الألم. 

عند الوخزة الرابعة، تنزلق من فمي كلمة “آخ” رغماً عني، فتفضح آلامي. يبدأ المعالج بتحريك الإبر الواحدة تلو الأخرى، فأترنّح بين رغبتي في الصراخ وبين إصراري على أن أبقى متماسكة. 

عشر إبر مغروسة في ركبتي تجعل قدمي أشبه بلوحة إعلانات مليئة بمسامير رقيقة، أراقبها بصمت، وأتنفس الصعداء عندما تنزع. لكن مع حلول الليل، تكلمني ركبتي بلغة الوخز والطقطقة. أستلقي متعبة، أبحث عن وضعية تُسكت وجعها، وكأنها تعاتبني: “كيف قبلت بكل تلك الطعنات؟” ومع ذلك، أدركت أنّ قراري بتجربة الإبر كان صائباً، فالتحسّن الذي كنت أشعر به كان كافياً لأفهم لماذا أصرّ المعالج على إقناعي بها منذ البداية.

وهكذا، تحوّلت أسابيعي إلى حقول تجارب لفروض علاجية تفوق صرامة الفروض المدرسية. ثم أعود في جلساتي الأسبوعية لأروي للمعالج عن 20 تمريناً على الأقل، ومذكراتي مع الألم. ثم يأتي دور جهاز التحفيز الكهربائي، تبدأ الذبذبات كتنميل في العضلات، قبل أن يرن معلناً نهاية الجلسة. أحدق في المرضى، القدامى والجدد، أشكر المعالجين وأرحل.

يبدأ العلاج الحقيقي حين يتألم المريض خلف الستائر الزرقاء، ثم يغادر الجلسة وقد اكتسب وعياً بجسده، يعرف ما يُجهده، وما يُريحه. كان أحد أسباب آلامي ذاك الدرج اللعين بطبقاته الست، الذي أواجهه كل مساء بأقدام ضعيفة وأحذية لا تمتصّ الصدمات، بعد ثماني ساعات من التحليل والكتابة خلف المكتب، بمعدة خاوية، والجلوس في المساء بوضعية التربيعة وبيدي مشروبي المفضل. ولّى كل هذا إلى غير رجعة، فقد علمني الطريق الطويل إلى الشفاء، مهما انتقده الآخرون، أكثر مما علمني الشفاء نفسه.

تلك الليلة وبين عقارب الساعة البطيئة، وأنا أحاول تعديل وضعية نومي للمرة الرابعة، اكتشفت ما لم يخبرني إياه طبيبي ولا المعالج. اكتشفت أنني أعيش في رأسي أكثر مما أعيش في جسدي، أراكم المعرفة في الدماغ بينما تتيبس العضلات في الجسد، إلى أن قرر أن يسجنني داخله عقاباً على كل تلك السنوات.

إقرأوا أيضاً: