التحول لم يكن تقنياً فقط بل غيّر شكل الوعي نفسه، فبدلاً من متابعة خبر ضمن سياق واضح باتت الحروب تُستهلك كمقاطع قصيرة متدفّقة تختلط فيها لحظات القصف مع مشاهد الحياة اليومية ضمن تمرير سريع لا يمنح المتلقي وقتاً للفهم والاستيعاب. ومع هذا التدفق، لم يعد المتلقي مجرد مشاهد بل أصبح جزءاً من الحدث يعلق ويشارك ويعيد نشر ما يراه، ما يخلق علاقة أكثر تعقيداً مع الحروب.
وهذا النمط الجديد في التلقي بدءاً من حرب العراق وحتى سوريا وغزة وأخيراً بالحرب الإقليمية التي انتهت كغيرها بهدنة مؤقتة للوصول الى اتفاق شامل ينهيها، ذلك كله يدفع إلى تشكيل جيل أكثر قرباً من تفاصيل المعاناة الإنسانية، لكنه في الوقت ذاته أكثر عرضة للتشويش، إذ تتراكم لديه صور مجتزأة ومشاعر متضاربة بين التعاطف العميق من جهة والتبلد التدريجي من جهة أخرى!
لا نملك رفاهية الخيار
“للأسف صدمت كثيراً من نفسي وخوفي عليها من اعتياد المشهد”، تعكس شهادات شبابية أردنية هذا التحول بوضوح، فبهذه الجملة تختصر الشابة آلاء ملكاوي التجربة الداخلية التي تعيشها، إذ لا يقتصر تأثير متابعة الأخبار على الحزن أو الصدمة، بل يمتد الى خوف أعمق من التحول ذاته، كأن يصبح الألم مألوفاً، وأن تفقد المشاهد القاسية قدرتها على هزّ الداخل كما كانت في البداية.
وتقول لـ”درج” إن “تسارع الأحداث في الحرب الأخيرة وتشعّب أطرافها وعدم وضوح الأهداف منها، سبّب فجوة كبيرة بين ما أشاهده وما هو واقع بالفعل، مثلاً لو تم سؤال من هم تحت الضرب والتهديد والتجويع ستكون الإجابة أعمق وأكثر وضوح وتأثير، أما بالنسبة إلي فلا أتمنى إلا الأمن والأمان”، معبرة عن فرحتها لانتهاء الأحداث بوقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة.
توضح ملكاوي أن هذه التجربة غيرت قناعاتها بشكل واضح، إذ لم تعد ترى العالم كما كان، بل أصبحت أكثر حساسية ووعياً بما تصفه بازدواجية المعايير، بخاصة من الدول التي تتحدث عن حقوق الإنسان، ومع ذلك، تبقى قناعة أساسية لديها، وهي أن الفارق كبير بين من يعيش الحرب ومن يراقبها، فبينما يستطيع المتابع إغلاق هاتفه والابتعاد، لا يملك من يعيشها هذا الخيار.
التناقض سيد الموقف
“كيف بإمكان الإنسان أن يرى هذا الألم كله يومياً ولا يتغير؟!”، تقول الشابة دانية العمايرة لـ”درج”، إذ أصبحت مشاعرها أكثر حدة، “أحياناً أميل إلى الغضب أو الكره، وهذا كان جديداً علي لأن صورة العالم انكسرت وبدأت أرى التناقض في كل شيء، القوانين التي من المفترض أن تكون عادلة، لكنها بدأت تُطبّق بانتقائية، والأنظمة التي تتحدث عن الإنسانية لكنها صمتت… أصبحت أشكّ في كل شيء يقال.
تضيف: “بدأت ألحظ أن تأثري لم يعد كما كان في البداية، فكل صورة أو خبر كان يهزني من الداخل، لكن مع كثرة المبالغة اليومية في المتابعة حصل نوع من التبلد التدريجي، الى درجة أنني أصبحت أتناول المواضيع بسخرية مع تضارب غريب، فجزء مني يحاول التأقلم مع كل الألم، وجزء آخر برفض الاعتياد عليه”.
توضح العمايرة أن متابعة الأحداث المستمرة من خلال السوشيال ميديا لا تعني بالضرورة فهمها بشكلها الصحيح، لكنها زادتها وعياً بأن الصراعات في المنطقة ليست فقط مجرد أحداث آنية، إنما معقدة ومتشابكة تتحكم بها مصالح سياسية وإعلام موجه، ما دفعها الى البحث عن الخبر وخلفياته ومقارنته بمصادر مختلفة أخرى، وجعلت موقفها أكثر وعياً ونقداً وأقل اندفاعاً وراء الروايات الجاهزة.
بين السردية والانتقائية
خبير الاتصال الاستراتيجي الدكتور خلف الطاهات يقول لـ”درج”، إن المشكلة لا تكمن بالضرورة في محتوى الحروب الذي تبثه وسائل الإعلام التقليدية، إذ لا تزال هذه المؤسسات تعمل ضمن معايير مهنية واضحة تعتمد على التحقق من المصادر وتقديم الأحداث ضمن سياق يحد من التشويه. لكن الإشكالية الحقيقية تظهر عند النظر إلى أن هذه الوسائل لم تعد المصدر الأساسي لتلقّي الأخبار لدى الجيل الحالي.
ويوضح أن الشباب اليوم يتلقون الحروب عبر تدفق متشظٍّ من منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، إنستغرام، إكس (تويتر سابقا)، وتلغرام، حيث تختلط المقاطع الموثقة مع محتوى غير دقيق أو خارج السياق، وغالباً من دون أي إطار تفسيري. هذا الأسلوب يحوّل الحرب من سردية متكاملة إلى لحظات صادمة منفصلة، تجعل الفهم ناقصاً، ويؤدي إلى وعي مجزأ أو مشوّه، إذ يرى كل متلقٍّ جانباً من الحقيقة وفق اهتماماته أو ما تفرضه الخوارزميات.
ويشير الطاهات إلى أن الشاشات قرّبت المعاناة الإنسانية بشكل غير مسبوق، إذ يمكن متابعة يوميات المدنيين ولحظات القصف بشكل مباشر، ما يولد تعاطفاً سريعاً مع الضحايا. في المقابل يجعل التعرض المستمر للحروب عبر “التمرير السريع” جزءاً من الروتين اليومي، ما قد يخلق نوعا من التبلد أو المسافة النفسية تجاه الأحداث.
ويضيف أن الحروب اليوم لم تعد تدار فقط على الأرض، بل أيضاً على مستوى “السردية”، إذ أصبحت الصور ومقاطع الفيديو أدوات للتأثير على الرأي العام، بينما تعمل الخوارزميات على تعزيز المحتوى الأكثر إثارة عاطفياً بغض النظر عن دقته، ما يجعل صورة الحرب أكثر حدة أو انتقائية.
إقرأوا أيضاً:
كما يؤكد الطاهات أن المستخدم لم يعد مجرد متلقٍّ، بل أصبح جزءاً من صناعة الحرب أحياناً من دون قصد، عبر إعادة نشر محتوى غير موثق أو قديم، ما يساهم في التضليل أو في ما يعرف بـ”تسليع المعاناة”. لذلك، يشدد على أن التحقق من المصادر والتمييز بين التوثيق والدعاية أصبحا مهارة أساسية.
ويختم بأن هذا الجيل يمتلك وصولاً واسعاً وسرعة غير مسبوقة الى المعلومات، ما قد يعزز وعيه بالقضايا العالمية، لكن هذا الوعي غالباً ما يكون مجزأً ومتأثراً بالخوارزميات، إذ يلتقط كل فرد صورة مختلفة من الواقع، ما يتركه أمام تحدّي فهم الأحداث بشكل متكامل.
تبلّد شعوري غير مقصود
يوضح محمد الصبيحات لـ”درج” أن المتابعة اليومية لمشاهد الحروب أدت إلى تبلد شعوري تدريجي لديه، فلم يعد يتأثر بالعنف والقتل كما في السابق، وأصبح الأمر جزءاً اعتيادياً من يومه. مع ذلك تغيّرت نظرته إلى العالم نتيجة تراكم المعلومات المرتبطة بالحروب، فأصبح يدرك أن لكل جهة فاعلة أهدافاً تسعى إلى تحقيقها، وأن الصراعات تحكمها مصالح واستراتيجيات معقدة على رغم أنه يشعر بفجوة بين المشاهدة والواقع بسبب اختلاف مصادر الإعلام وتلوين المشهد بما يخدم أهدافاً معينة.
ويشير إلى أن أكثر تجربة بقيت عالقة في ذاكرته هي الحرب الأهلية السورية لما لها من تأثير مباشر على حياته كونه يعيش في الرمثا على الحدود الأردنية – السورية، وأن هذه المتابعة شكلت وعياً نقدياً لديه تجاه الخطاب الإعلامي وعززت إدراكه لتعقيدات الواقع السياسي. ومع ذلك يرى أن الفهم الأعمق للحرب يبقى من نصيب من عاش التجربة فعلياً بكل تفاصيلها اليومية، إذ تنتقل المعايشة المباشرة بالإنسان من موقع المتلقي الى موقع المتأثر الحقيقي بكل أبعاد الحرب.
اعتياد المشهد
يوضح عبدالرحمن الدهون أن المتابعة اليومية لمشاهد الحروب جعلته يعتاد على العنف والدمار، حتى أن المشاهد لم تعد تؤثر فيه كما سابقاً، وأصبح الأمر جزءاً شبه اعتيادي من يومه. تراكم الأخبار وسرعتها جعلا التجاوب مع كل خبر صادم أصعب، ما أدى الى نوع من التبلد العاطفي تدريجياً، على رغم استمرار شعور التعاطف. هذا الاعتياد غيّر نظرته الى العالم وجعلها أكثر قسوة وثقلاً، كما أثر على حياته اليومية وجعله أقل تأثراً بالمشاكل الشخصية نتيجة التعود على هذا النوع من المشاهد.
ويشير إلى أن فهم الحرب ليس مرتبطاً بمتابعة الأخبار فقط، إذ بإمكان الشخص الذي يعيش الحرب فعلياً ألا يكون دائماً فاهماً لأسبابها وخلفياتها، بينما من يتابعها من الخارج قد يحصل على فهم أوسع من خلال الأخبار والتحليلات.
ويذكر أن أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته هو مجزرة قصف مستشفى المعمداني، لما فيها من صدمة نتيجة وقوعها في مكان مفترض أن يكون آمناً، كما أن هذه المتابعة أعادت تشكيل نظرته الى الحياة والقوانين وحقوق الإنسان وفجوة التطبيق على الأرض.
بين الاعتياد النفسي والصدمة الثانوية
الباحث والمتخصص في الإرشاد السلوكي الدكتور حسن الصباريني يقول لـ”درج” إن التعرض اليومي لمشاهد الحروب والصدمة الثانوية يجعل الفرد يعتاد على العنف والدمار، إذ لم تعد المشاهد تؤثر فيه كما كانت سابقاً، بحيث تصبح جزءاً شبه اعتيادي من يومه. كما أن تراكم الأخبار وسرعتها يجعلان التجاوب مع كل حدث صادم أكثر صعوبة، ومع التكرار تدريجياً يصبح الاعتياد على المشاهد العنيفة ملمحاً ثابتاً على رغم استمرار التعاطف.
ويشير إلى أن الأطفال يتأثرون بشكل كبير، فالتعرض المستمر لمشاهد العنف يولد خوفاً وهلعاً واضطرابات في النوم، ويقلل شعورهم بالأمن الضروري للحياة الطبيعية. مع الوقت تصبح المشاهد مألوفة وتقل ردود الفعل الفورية، بينما يظل الأثر النفسي والاجتماعي متراكماً ويؤثر على سلوك الفرد وحياته اليومية.
ويؤكد الصباريني أن آثار الحروب لا تنتهي بانتهاء الأحداث، بل تمتد الى المستقبل، مؤثرة على التعليم والسلوك والنفسية والاقتصاد، ما يجعل التجربة الإنسانية مدمرة. التعرض المستمر يولد قلقاً حول المصير والقدرة على النجاة، ويجعل ما بعد الحرب غير طبيعي ويحتاج الى وقت طويل لإعادة البناء.
ويبين الفرق بين من يعيش الحرب بشكل مباشر ومن يتابعها من بعيد، فالمعايشة اليومية تجعل التأثير النفسي أعمق بكثير، بينما المتابع يتأثر بدرجة أقل. ويشير إلى أن الحد من الآثار يتطلب دعماً نفسياً ومعنوياً، احتواء من الأسرة والمعلمين، خلق أجواء هادئة وتعزيز الحوار، ووجود أشخاص ذوي خبرة للتعامل مع ظروف الحرب الاستثنائية.
إقرأوا أيضاً:












