لا يحتاج العراقيون إلى معرفة اسم رئيس وزرائهم كي يستيقظوا على حكومة جديدة. يكفي أن تُفتح أبواب المنطقة الخضراء، وأن تتحرك مواكب السود، وأن تتسرب الأسماء من هواتف السياسيين، حتى تكتمل الدولة على الورق، بينما يبقى الشارع يتساءل: من هذا الرجل الذي سيحكم البلاد؟
رجلٌ وصل إلى المنصب الأعلى تنفيذياً في البلاد وسط دهشة الشارع، وانقسام النخب، وصمتٍ سياسي غير مسبوق. لا خطابات جماهيرية، لا تاريخ انتخابي واضح، لا حضور سياسي تراكمي معروف لدى العراقيين، ومع ذلك نال ثقة البرلمان، وجلس على كرسي إدارة واحدة من أكثر الدول تعقيداً في المنطقة، بوصفه ثامن رئيس وزراء للعراق بعد عام 2003.
منح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومة علي الزيدي بعد جلسة وُصفت بالحاسمة، أنهت أسابيع من الصراع داخل البيت السياسي الشيعي، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الظاهر “الاستقرار”، فيما يخشى خصومها أن يكون عنوانها الحقيقي “إعادة تدوير المنظومة”.
الزيدي تلا المنهاج الوزاري أمام النواب، ثم أدى اليمين الدستورية مع الوزراء الذين نالوا الثقة، بحضور رئيس الجمهورية نزار أميدي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، إلى جانب شخصيات نافذة من قادة “الإطار التنسيقي”، في مشهد أراد أن يبدو متماسكاً، لكنه حمل في داخله كل تناقضات العملية السياسية العراقية.
التصويت مرّر 14 وزارة فقط من أصل 23، بينما بقيت حقائب حساسة خارج الحسم، بينها الداخلية والدفاع والتعليم والثقافة والتخطيط والشباب والرياضة والعمل والهجرة والإسكان والإعمار، في إشارة واضحة إلى أن الحكومة وُلدت ناقصة، وأن معركة الكابينة لم تنتهِ بعد.
الوزارات التي حصلت على الثقة كشفت بدورها طبيعة التوازنات الجديدة داخل الكابينة الحكومية، بعدما صوّت مجلس النواب بالغالبية المطلقة على عدد من المرشحين لتولي حقائب وزارية أساسية، هم: باسم محمد خضير لوزارة النفط(ائتلاف الإعمار والتنمية)، ومحمد نوري أحمد لوزارة الصناعة(حزب تقدم)، وسروة عبد الواحد لوزارة البيئة(حراك الجيل الجديد)، وعبد الحسين عزيز لوزارة الصحة(دولة القانون ـ تحالف النهج الوطني)، وعبد الرحيم جاسم لوزارة الزراعة(ائتلاف الإعمار والتنمية)، وعلي سعد وهيب لوزارة الكهرباء(ائتلاف الإعمار والتنمية)، ومثنى علي مهدي لوزارة الموارد المائية (منظمة بدر).
كما صوّت البرلمان بالإجماع على عدد من الوزراء لشغل حقائب سيادية وخدمية، بينهم مصطفى نزار جمعة وزيراً للتجارة(تحالف السيادة)، وفالح الساري وزيراً للمالية(تيار الحكمة)، وفؤاد حسين وزيراً للخارجية(الحزب الديمقراطي الكردستاني)، ووهب سلمان محمد وزيراً للنقل(منظمة بدر)، ومصطفى جبار سند وزيراً للاتصالات(ابشر يا عراق)، وعبد الكريم عبطان وزيراً للتربية(حزب تقدم)، وخالد شواني وزيراً للعدل (حزب الاتحاد الوطني الكردستاني).
في المقابل، بقيت حقائب أخرى خارج الحسم النهائي، وسط اعتراضات سياسية مركّزة على بعض الوزارات السيادية، خصوصاً الداخلية، بسبب تعقيدات النفوذ الأمني وتشابك مصالح القوى المتنفذة، ما عكس استمرار هشاشة التفاهمات التي أفرزت الحكومة الجديدة.
لكن الجلسة التي كان يفترض أن تكون احتفالاً بولادة الحكومة، تحولت سريعاً إلى مساحة اشتباك سياسي واتهامات علنية بين القوى المشاركة نفسها.
النائب عن كتلة “إشراقة كانون” محمد الخفاجي أعلن رفض كتلته التصويت لحكومة الزيدي، معتبراً أن التشكيلة الجديدة تعاني “غياب التوازن”، وأنها تعيد إنتاج نموذج المشاركة السياسية الذي عطّل دور البرلمان الرقابي.
الخفاجي قال إن كتلته تنطلق من مشروع “إصلاح النظام السياسي”، مؤكداً أن الحكومة الجديدة لا تمثل نموذج غالبية حقيقية ولا معارضة حقيقية، بل هي استمرار لمنهج تقاسم السلطة.
كما هاجم ما وصفه بـ”استحداث مناصب نواب الرئيس الوهمية”، معتبراً أنها تمثل هدراً لمقدرات الدولة وخرقاً دستورياً واضحاً.
ولم يتوقف اعتراضه عند الشكل السياسي، بل امتد إلى مضمون المنهاج الوزاري نفسه، الذي وصفه بأنه خالٍ من المعالجات الحقيقية للفساد والأزمات الاقتصادية والخدمية، ولا ينسجم مع معايير الكفاءة والنزاهة المطلوبة في هذه المرحلة.
في المقابل، بدا أن بعض حلفاء الحكومة أنفسهم غير راضين عن شكل التسويات الأخيرة.
النائبة عن ائتلاف دولة القانون ابتسام الهلالي، شنت هجوماً مباشراً على كتلتي “الإعمار والتنمية”، بزعامة محمد شياع السوداني و”تقدم”، برئاسة محمد الحلبوسي، بعد فشل تمرير مرشحي دولة القانون لوزارتي التعليم العالي والداخلية.
الهلالي تحدثت بلغة غاضبة عن “ظلم وغدر وخيانة”، تعرض لها مرشحو الائتلاف، مؤكدة أن دولة القانون بزعامة نوري المالكي ستقدم أسماء جديدة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي بعد عطلة عيد الأضحى.
هذا التوتر كشف سريعاً أن الحكومة التي قُدمت بوصفها ثمرة “توافق سياسي كبير”، ليست سوى هدنة مؤقتة بين مراكز نفوذ متصارعة، وأن ملف الوزارات المؤجلة قد يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي في أي لحظة.
وخارج حدود الخطاب الرسمي، قدّم المتخصص في الشأن السياسي علي أغوان موقفاً لافتاً من التطورات، قائلاً: “هذه المرة لست متشائماً، أنا خائف من فضيحة سياسية”.
إقرأوا أيضاً:
أغوان اعتبر أن ما حصل تجاوز حدود المنطق السياسي التقليدي، قائلاً إن العراق وصل إلى مرحلة يصبح فيها شخص رئيساً للوزراء من دون أن يمتلك حتى “عشر ثوانٍ سياسية على يوتيوب”، ومن دون أي تاريخ حزبي أو برلماني أو حكومي معروف.
ويضيف أغوان: “الدول تعرف رئيس الوزراء الجديد وتبارك له، بينما الشعب العراقي لا يعرف صوته حتى الآن”.
حديث أغوان لم يكن اعتراضاً شخصياً على الزيدي بقدر ما كان إدانة لطريقة صناعة السلطة في العراق، حيث تُحسم المواقع الكبرى داخل غرف التفاوض المغلقة، بينما يتحول الرأي العام إلى متفرج متأخر على نتائج التسويات.
أما المتخصص في الشأن السياسي سلطان العراقي، فذهب في اتجاه أكثر حدة، متوقعاً أن تكون حكومة الزيدي “واحدة من أسوأ الحكومات العراقية بعد 2003”.
ويرى أن الإشكال لا يقتصر على الأسماء، بل يمتد إلى بنية فلسفة الحكم نفسها، القائمة على إشراك الجميع داخل السلطة، بما يؤدي إلى تغييب أي معارضة حقيقية قادرة على مراقبة الأداء الحكومي أو منافسته انتخابياً.
ويرى العراقي أن غياب المعارضة المنظمة سيؤدي إلى ترسيخ الشعبوية والعشائرية والمحاصصة، بدلاً من بناء برامج سياسية وتنموية حقيقية، لافتاً إلى أن وجود “الإطار التنسيقي”، والمجلس السياسي السني بصيغتهما الحالية، يفرغ النظام البرلماني من أهم وظائفه، وهي الرقابة والتوازن السياسي.
حتى مقتدى الصدر، الذي وصفه بأنه “المعارض الحقيقي الوحيد”، لا يستطيع لعب هذا الدور ما دام التيار الصدري خارج البرلمان.
ووصف الصحافي رسلي المالكي ما حدث بأنه “فضيحة سياسية ودولية”، معتبراً أن العراق يشهد انهياراً تدريجياً للديمقراطية، وأن إدارة البلاد باتت تقوم على منطق “الكلبتوقراطية”، أي حكم شبكات الفساد وتقاسم الغنائم.
المالكي رسم صورة عن احتمال انهيار شامل للعملية السياسية، وانفلات أمني، وربما حرب داخلية، إذا استمرت الفصائل المسلحة والنخب التقليدية في إدارة الدولة بالعقلية ذاتها.
و قال إن العراق يقترب من “لحظة تصفير كبرى”، للعملية السياسية، لكنها قد تكون مدمرة ومزلزلة، وتحمل أثماناً باهظة للأجيال القادمة.
كل هذه المخاوف تتقاطع عند نقطة واحدة تتمثل بقدرة علي الزيدي على إدارة الحكم فعلياً، فيما تبقى الإجابة حتى الآن معلقة بين شكل الحكومة وطبيعة الملفات الثقيلة التي تنتظرها.
اللافت في منهاج علي الزيدي أنه لا يبدو منفصلاً عن ذاكرة الحكومات السابقة، بل أقرب إلى إعادة ترتيب لعناوين قديمة بصياغات أحدث. فكل ملف يطرحه البرنامج يحمل وراءه سنوات من الوعود غير المكتملة؛ من حصر السلاح بيد الدولة، إلى مكافحة الفساد، وصولاً إلى الكهرباء والإصلاح المصرفي وتنشيط القطاع الخاص.
الزيدي قدّم برنامجه بوصفه مشروع “دولة مستقرة واقتصاد منتج”، لكن التحدي لا يتعلق هذه المرة بكتابة الأهداف، بل بقدرة الحكومة على تجاوز العقد التي أسقطت من سبقها. فالعراق لا يزال عالقاً بين اقتصاد يعتمد على النفط بشكل شبه كامل، ومنظومة مصرفية تواجه ضغوط العقوبات، وقطاع كهرباء يعيش على استيراد الغاز الإيراني، إلى جانب أزمة مزمنة في التعليم والبنى التحتية والزراعة.
حتى الملفات التي تبدو تقنية، مثل تطوير الجواز العراقي أو إطلاق الرخصة الوطنية للهاتف النقال، تحولت مع الوقت إلى رموز على عجز الدولة عن إكمال مشاريعها. ولهذا، فإن قيمة منهاج الزيدي لن تُقاس بعدد المحاور أو كثافة الوعود، بل بقدرته على تحويل النص الحكومي إلى قرارات تصطدم فعلياً بمراكز النفوذ والمصالح السياسية التي عطّلت تلك الملفات لسنوات طويلة.
اقتصادياً، تواجه الحكومة ضغطاً هائلاً يتعلق بإدارة المال العام، وضبط الإنفاق، ومنع التآكل المالي، فيما تتصاعد التحذيرات من تضخم الدين الداخلي وتراجع القدرة على تمويل الخدمات.
وفي ملف الكهرباء، لا يملك العراقيون ترف الانتظار، الصيف يقترب، والحرارة ترتفع، وأي فشل مبكر في توفير الطاقة قد يتحول إلى اختبار شعبي قاسٍ للحكومة الجديدة، خصوصاً مع تعقيدات استيراد الغاز ومشاكل الشبكات والبنى التحتية.
أما الملف الأخطر، فهو العلاقة بين الدولة والسلاح، إذ هناك حديث متزايد عن ضغوط أميركية لدعم سيادة الدولة مقابل خطوات تتعلق بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وضبط التهريب، وإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة. لكن خصوم الحكومة يشككون في قدرتها على الذهاب بعيداً في هذا الاتجاه إذا اصطدمت بمصالح القوى التي جاءت بها أساساً.
ولهذا، فإن حكومة علي الزيدي لا تواجه فقط أزمة خدمات أو اقتصاد، بل أزمة شرعية سياسية أيضاً.
الشارع الذي لم يشارك في اختيار الرجل، ولم يسمع صوته السياسي قبل تكليفه، لا يبدو مستعداً لمنح شيك مفتوح لحكومة جديدة تحمل وجوهاً قديمة وتحالفات أكثر قدماً.
لا تُقاس الحكومات في العراق بعدد الوزراء الذين نالوا الثقة، إنما بعدد الأشهر التي تستطيع فيها تأجيل الانفجار.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في كيفية وصول حكومة علي الزيدي إلى السلطة، لكن في قدرتها على البقاء فوق هذا الركام السياسي المتصدع.
إقرأوا أيضاً:












