ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

علي المرابط… الصحافي العابر للأنظمة العلويّة بكلّ استقلاليّة! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

علي المرابط هو الاسم الذي يوقظ ارتجافًا خفيًا لدى الدولة، وابتسامةَ احترامٍ مكبوت عند كل من قاوموا الصمت. إنه الورقة التي نجت من مِقصّ الرقيب، وتحوّلت إلى كابوسٍ يقِظٍ لا تستطيع السلطة نفيه، حتى وإن نَفَته.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في بلاد يُمنع فيها الصوت من تجاوز حنجرته، ويوزّع فيها القمع كالأكسجين، خرج علي المرابط ذات يومٍ حاملًا قلمه إلى أقصى مداه، لا ليرفع شعارات جوفاء، بل ليقول ما لا يُقال، ويكتب ما لا يُكتب، ويشير بإصبعه إلى حيثُ يسكنُ الخوف وتُخزّنُ الأسرار… خرج صحافي لا يعرف الانحناء، وضع أنفَي نظامين في الرغام. 

أسّس الصحافي المغربي علي المرابط جريدتين مستقلتين في المغرب، هما “دومان” (Demain) بالفرنسية ونسختها العربية “دومان”، وتميزتا بطابعهما النقدي الجريء تجاه السلطة. في عام 2003، أُغلقت الجريدتان بقرار من السلطات، إذ نُشرت في الجريدتين مقالات وتحقيقات تتناول المؤسسة الملكية بطريقة اعتبرتها السلطات المغربية تجاوزًا للخطوط الحمراء، خصوصًا ما يتعلق بموضوع الصحراء الغربية والملكية.

بعد منعه من ممارسة الصحافة في المغرب، انتقل علي المرابط إلى إسبانيا حيث واصل نشاطه الإعلامي، فكتب لصحف كبرى مثل “إلباييس” و”إلموندو”، وشارك في منابر دولية أخرى كمجلة “لوموند ديبلوماتيك”. 

كما أطلق قناة على يوتيوب، استخدمها كمنصة حرة لنشر تحليلاته السياسية وانتقاداته الجريئة للنظام المغربي، بخاصة في ما يتعلق بالملكية، حقوق الإنسان، قضية الصحراء، وحرية التعبير. 

شكلت هذه القناة امتدادًا لخطه التحريري الذي بدأه مع “دومان”، مستفيدًا من هامش الحرية الذي توفره المنصات الرقمية وسرعة انتشارها. 

مقابل هذا الخط المتحرر، يتعرض المرابط حالياً لحملة تشهير وتخوين في المغرب، تقودها منابر إعلامية مقرّبة من السلطة، وتتّهمه بالعمالة والارتباط بأجندات خارجية، خصوصًا بسبب مواقفه المنتقدة السلطة والمؤسسة الملكية، وطرحه ملف الصحراء بطريقة مخالفة للرواية الرسمية. 

وتأتي هذه الحملة في سياق الهجوم على الأصوات المنتقدة، وتهدف إلى ضرب مصداقية المرابط، والتأثير على صورته أمام الرأي العام المغربي، بخاصة بعد نشاطه المتزايد عبر قناته على يوتيوب وتصريحاته التي تثير نقاشًا واسعًا، لا سيما في قضية أكبر معتقل سياسي في البلاد، النقيب المحامي محمد زيان.

سيرة صحافي ملغّمة

وحده، كان دائمًا وحده، صحافي لا يعرف الرمادي، إما أبيضٌ ساطع أو أسود غربيب، وهكذا ظل علي المرابط يكتب بالحنظل المر، سيرةً صحافية ملحمية، لا تُقرأ من دون أن تترك خلفها أثرًا أو جرحًا أو سؤالًا بلا إجابة؛ لماذا كل هذا الكره لصحافي مستقل؟ كان دومًا عدو الأجهزة الأمنية، التي لم تكتفِ بمراقبته بل كانت تفتّش حتى في كيس القمامة الذي كان يرميه كل يوم! 

لم يكن يومًا صحافيًا عاديًا، بل أشبه ما يكون بخلية صحافية متنقلة، تتحرّك فوق تراب هشّ وتحت سقفٍ منخفض من الحرية، ولكنه ظل دومًا مشرئبًا لتلك الحرية. 

علي المرابط هو الاسم الذي يوقظ ارتجافًا خفيًا لدى الدولة، وابتسامةَ احترامٍ مكبوت عند كل من قاوموا الصمت. إنه الورقة التي نجت من مِقصّ الرقيب، وتحوّلت إلى كابوسٍ يقِظٍ لا تستطيع السلطة نفيه، حتى وإن نَفَته.

من الصحف إلى المنفى

في سنوات ظلام الحسن الثاني، وفي زحمة الحذر، قرر المرابط أن يصنع صحافة من نوعٍ آخر، صحافة مستقلة، أسس جرائد أسبوعية لا تحترم الخطوط الحمراء، بل تمشي فوقها. 

كتب عن القصر، عن الجيش، عن الفساد، وعن المؤسسات التي لا تَحتمل حتى الإشارة إليها همسًا، فما أدراك بالبنان الصحافي المباشر. لم تمر مغامرته بلا ثمن؛ سُجن، حُوكم، وخرج من المعتقل بحُكم سريالي؛ المنع من الكتابة لعشر سنوات!

لا تقارير، لا أعمدة، لا مقالات، هو الصمت المفروض يا علي المرابط، وهي سماء المغرب مغلقة فوق رأسك! 

اليوم، وخارج المغرب، في منفاه الإسباني الاختياري، لم ينكسر، لم يستبدل الكلمة بالندم، بل راح يُعيد تشكيل صوته بوسائل جديدة؛ إذ دخل إلى عالم “يوتيوب”، لا كمؤثّرٍ خفيف الظل، بل كصحافي ثقيل الوطأة، يُحاكم السلطة بمنطق الحقائق، ويسخر من جبروتها بمنطق الضحك القاتل.

علي المرابط، صحافي يشبه المقاتل، لا يضع قلمه من يده، ولا يتخلى عن التوثيق والأرشفة، وحتى إن لم يُنصفه الحاضر الموبوء، فإن التاريخ، بكل لسانه الطويل، كفيل بأن يُعيد إليه ما سُلب منه… بل وأكثر.

“البنية السرية”… كشف المستور! 

في واحدة من أقوى سلسلة حلقاته المصوّرة، كشف علي المرابط عما بات يعرف بـ”البنية السرية”، لم يكتفِ بالتحليل ولا بلغة الإيحاء، بل نطق بالأسماء، كشف رجال الظلّ: مستشار الملك، مسؤولون في الدولة، رئيس المخابرات الداخلية، سجان المملكة ورئيس الحكومة الثري، فتح عليهم رصاص ملفّات كانت مُغلقة، وأضاء تشققات ظلام النظام، كأنما أراد أن يُنير العتمة لا أن يتأقلم معها.

لم يكن ذلك خبط عشواء، بل بناءً دقيقًا لمرافعة صحافية، بأسلوب ساخر، عميق ومُستفز، روى كيف يُدار المغرب لا من خلال المؤسسات الصورية، بل عبر عصابة حقيقية، عصابة لا يُحاسبها أحد ولا يُسائلها أحد… وهكذا بدا علي المرابط كمن يسحب ستائر السلطة على الهواء مباشرة، ويعرّيها أمام نفسها والعالم. 

حجر أصمّ في طريق الترويض

علي المرابط، هو الصحافي العابر للأنظمة العلوية بكلّ استقلالية، عاش في قلب الإعصار، من ديكتاتورية الحسن الثاني إلى استبداد محمد السادس، صمد وحده، أعزَل إلا من قلمه، يتكئ عليه حين لا يجد سندًا، ويشهره سيفًا صحافيًا صادقًا لا يعرف المجاملة، قلمًا ظل يواجه به منظومة تعتاش على الإخضاع.

هو شكل آخر من الرجال الذين يصعب ترويضهم، حجر أصم أمام محاولات القَرس، وأذن عجماء أمام محاولات الاستقطاب ولعبة “العصا والجزرة”، لم ينحنِ يومًا، لم يدخل الصف، ولم يُوقّع صك الولاء. 

شُهر به، مُنع من الحصول على وثائقه الثبوتية الخاصة، سُجن، ونُكِّل به وبعائلته، ومع ذلك بقي واقفًا، كان ضحية الحكم الأكثر عبثية في تاريخ الصحافة، لكنّه صار على رغم المنع نموذجًا لمن أراد أن يفهم الفرق بين التضحية من أجل الصحافة كمبدأ وبين التضحية بالصحافة كطريق للوصول. 

ولأن عدالة الدولة مائلة حيث تميل السلطة، ظلت كل الشكايات التي كان يرفعها ضد من ظلموه في الرفوف؛ تُؤَرشَفُ، وتُؤَرشِفُ ظلمًا رسميًا يُبرَّر بصمتٍ متواطئ، صمت العدالة أمام الأوامر؛ حتى كادت تلك الشكايات أن تصبح نصبًا تذكاريًا لكل من يريد أن يبدأ طريق الشرف في مهنة تتقيأ أصحابها كل يوم.

صورة حية لا تموت

علي المرابط اليوم لا يحتاج إلى صحيفة كي يُحكى، أو يكتب عنه، هو صورة حية لا تموت؛ صوته، صورته وحضوره في المشهد الصحافي، كلّها صارت تمثيلاً لصحافة فَرَّت من قبضة السلطة وأعادت تعريف ذاتها.

علي إنسانٌ لا يسعى إلى النصر، بل إلى أن يقول الحقيقة، حتى لو لم يُصدّقها أحد في البداية!

هو لا يسعى إلى النجاة، بل إلى الشهادة بمعناها الصحافي؛ أن تكون حاضرًا حين يغيب الجميع، وأن تكتب ما يجب، لا ما يُسمح به، كأن تنفخ أنفاسك في الناي أو تمنح القيثارة حنو أصابعك لتعطي للغير لحنًا صافيًا، قد يكون موجعًا ولكنه صادق! 

سيرة صحافي لن تُطوى

علي المرابط لا يُلخّص في مهنة، لا في نفي، لا في سجن ولا في منع، فهو ظاهرة صحافية مغربية لا يمكن إلغاؤها حتى حين يُمنع من الكلام، صوتٌ نافر، قاسٍ، وساخر، لكن لا يُشبه إلا ذاته.

تاريخ الصحافة المغربية سيتذكره، لا فقط كصحافي مخضرم، بل كاختبارٍ حقيقي لكل ممارس للمهنة في بلاد الصمت الممنهج… هو المثال الحي لإجابة السؤال المكرر دومًا: هل يمكن أن تكون صحافيًا في بلد لا يُحبّ من يطرح عليه الأسئلة البسيطة؟ فما بالك بالمزعجة؟ 

علي المرابط، صحافي يشبه المقاتل، لا يضع قلمه من يده، ولا يتخلى عن التوثيق والأرشفة، وحتى إن لم يُنصفه الحاضر الموبوء، فإن التاريخ، بكل لسانه الطويل، كفيل بأن يُعيد إليه ما سُلب منه… بل وأكثر.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
09.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes

علي المرابط هو الاسم الذي يوقظ ارتجافًا خفيًا لدى الدولة، وابتسامةَ احترامٍ مكبوت عند كل من قاوموا الصمت. إنه الورقة التي نجت من مِقصّ الرقيب، وتحوّلت إلى كابوسٍ يقِظٍ لا تستطيع السلطة نفيه، حتى وإن نَفَته.

في بلاد يُمنع فيها الصوت من تجاوز حنجرته، ويوزّع فيها القمع كالأكسجين، خرج علي المرابط ذات يومٍ حاملًا قلمه إلى أقصى مداه، لا ليرفع شعارات جوفاء، بل ليقول ما لا يُقال، ويكتب ما لا يُكتب، ويشير بإصبعه إلى حيثُ يسكنُ الخوف وتُخزّنُ الأسرار… خرج صحافي لا يعرف الانحناء، وضع أنفَي نظامين في الرغام. 

أسّس الصحافي المغربي علي المرابط جريدتين مستقلتين في المغرب، هما “دومان” (Demain) بالفرنسية ونسختها العربية “دومان”، وتميزتا بطابعهما النقدي الجريء تجاه السلطة. في عام 2003، أُغلقت الجريدتان بقرار من السلطات، إذ نُشرت في الجريدتين مقالات وتحقيقات تتناول المؤسسة الملكية بطريقة اعتبرتها السلطات المغربية تجاوزًا للخطوط الحمراء، خصوصًا ما يتعلق بموضوع الصحراء الغربية والملكية.

بعد منعه من ممارسة الصحافة في المغرب، انتقل علي المرابط إلى إسبانيا حيث واصل نشاطه الإعلامي، فكتب لصحف كبرى مثل “إلباييس” و”إلموندو”، وشارك في منابر دولية أخرى كمجلة “لوموند ديبلوماتيك”. 

كما أطلق قناة على يوتيوب، استخدمها كمنصة حرة لنشر تحليلاته السياسية وانتقاداته الجريئة للنظام المغربي، بخاصة في ما يتعلق بالملكية، حقوق الإنسان، قضية الصحراء، وحرية التعبير. 

شكلت هذه القناة امتدادًا لخطه التحريري الذي بدأه مع “دومان”، مستفيدًا من هامش الحرية الذي توفره المنصات الرقمية وسرعة انتشارها. 

مقابل هذا الخط المتحرر، يتعرض المرابط حالياً لحملة تشهير وتخوين في المغرب، تقودها منابر إعلامية مقرّبة من السلطة، وتتّهمه بالعمالة والارتباط بأجندات خارجية، خصوصًا بسبب مواقفه المنتقدة السلطة والمؤسسة الملكية، وطرحه ملف الصحراء بطريقة مخالفة للرواية الرسمية. 

وتأتي هذه الحملة في سياق الهجوم على الأصوات المنتقدة، وتهدف إلى ضرب مصداقية المرابط، والتأثير على صورته أمام الرأي العام المغربي، بخاصة بعد نشاطه المتزايد عبر قناته على يوتيوب وتصريحاته التي تثير نقاشًا واسعًا، لا سيما في قضية أكبر معتقل سياسي في البلاد، النقيب المحامي محمد زيان.

سيرة صحافي ملغّمة

وحده، كان دائمًا وحده، صحافي لا يعرف الرمادي، إما أبيضٌ ساطع أو أسود غربيب، وهكذا ظل علي المرابط يكتب بالحنظل المر، سيرةً صحافية ملحمية، لا تُقرأ من دون أن تترك خلفها أثرًا أو جرحًا أو سؤالًا بلا إجابة؛ لماذا كل هذا الكره لصحافي مستقل؟ كان دومًا عدو الأجهزة الأمنية، التي لم تكتفِ بمراقبته بل كانت تفتّش حتى في كيس القمامة الذي كان يرميه كل يوم! 

لم يكن يومًا صحافيًا عاديًا، بل أشبه ما يكون بخلية صحافية متنقلة، تتحرّك فوق تراب هشّ وتحت سقفٍ منخفض من الحرية، ولكنه ظل دومًا مشرئبًا لتلك الحرية. 

علي المرابط هو الاسم الذي يوقظ ارتجافًا خفيًا لدى الدولة، وابتسامةَ احترامٍ مكبوت عند كل من قاوموا الصمت. إنه الورقة التي نجت من مِقصّ الرقيب، وتحوّلت إلى كابوسٍ يقِظٍ لا تستطيع السلطة نفيه، حتى وإن نَفَته.

من الصحف إلى المنفى

في سنوات ظلام الحسن الثاني، وفي زحمة الحذر، قرر المرابط أن يصنع صحافة من نوعٍ آخر، صحافة مستقلة، أسس جرائد أسبوعية لا تحترم الخطوط الحمراء، بل تمشي فوقها. 

كتب عن القصر، عن الجيش، عن الفساد، وعن المؤسسات التي لا تَحتمل حتى الإشارة إليها همسًا، فما أدراك بالبنان الصحافي المباشر. لم تمر مغامرته بلا ثمن؛ سُجن، حُوكم، وخرج من المعتقل بحُكم سريالي؛ المنع من الكتابة لعشر سنوات!

لا تقارير، لا أعمدة، لا مقالات، هو الصمت المفروض يا علي المرابط، وهي سماء المغرب مغلقة فوق رأسك! 

اليوم، وخارج المغرب، في منفاه الإسباني الاختياري، لم ينكسر، لم يستبدل الكلمة بالندم، بل راح يُعيد تشكيل صوته بوسائل جديدة؛ إذ دخل إلى عالم “يوتيوب”، لا كمؤثّرٍ خفيف الظل، بل كصحافي ثقيل الوطأة، يُحاكم السلطة بمنطق الحقائق، ويسخر من جبروتها بمنطق الضحك القاتل.

علي المرابط، صحافي يشبه المقاتل، لا يضع قلمه من يده، ولا يتخلى عن التوثيق والأرشفة، وحتى إن لم يُنصفه الحاضر الموبوء، فإن التاريخ، بكل لسانه الطويل، كفيل بأن يُعيد إليه ما سُلب منه… بل وأكثر.

“البنية السرية”… كشف المستور! 

في واحدة من أقوى سلسلة حلقاته المصوّرة، كشف علي المرابط عما بات يعرف بـ”البنية السرية”، لم يكتفِ بالتحليل ولا بلغة الإيحاء، بل نطق بالأسماء، كشف رجال الظلّ: مستشار الملك، مسؤولون في الدولة، رئيس المخابرات الداخلية، سجان المملكة ورئيس الحكومة الثري، فتح عليهم رصاص ملفّات كانت مُغلقة، وأضاء تشققات ظلام النظام، كأنما أراد أن يُنير العتمة لا أن يتأقلم معها.

لم يكن ذلك خبط عشواء، بل بناءً دقيقًا لمرافعة صحافية، بأسلوب ساخر، عميق ومُستفز، روى كيف يُدار المغرب لا من خلال المؤسسات الصورية، بل عبر عصابة حقيقية، عصابة لا يُحاسبها أحد ولا يُسائلها أحد… وهكذا بدا علي المرابط كمن يسحب ستائر السلطة على الهواء مباشرة، ويعرّيها أمام نفسها والعالم. 

حجر أصمّ في طريق الترويض

علي المرابط، هو الصحافي العابر للأنظمة العلوية بكلّ استقلالية، عاش في قلب الإعصار، من ديكتاتورية الحسن الثاني إلى استبداد محمد السادس، صمد وحده، أعزَل إلا من قلمه، يتكئ عليه حين لا يجد سندًا، ويشهره سيفًا صحافيًا صادقًا لا يعرف المجاملة، قلمًا ظل يواجه به منظومة تعتاش على الإخضاع.

هو شكل آخر من الرجال الذين يصعب ترويضهم، حجر أصم أمام محاولات القَرس، وأذن عجماء أمام محاولات الاستقطاب ولعبة “العصا والجزرة”، لم ينحنِ يومًا، لم يدخل الصف، ولم يُوقّع صك الولاء. 

شُهر به، مُنع من الحصول على وثائقه الثبوتية الخاصة، سُجن، ونُكِّل به وبعائلته، ومع ذلك بقي واقفًا، كان ضحية الحكم الأكثر عبثية في تاريخ الصحافة، لكنّه صار على رغم المنع نموذجًا لمن أراد أن يفهم الفرق بين التضحية من أجل الصحافة كمبدأ وبين التضحية بالصحافة كطريق للوصول. 

ولأن عدالة الدولة مائلة حيث تميل السلطة، ظلت كل الشكايات التي كان يرفعها ضد من ظلموه في الرفوف؛ تُؤَرشَفُ، وتُؤَرشِفُ ظلمًا رسميًا يُبرَّر بصمتٍ متواطئ، صمت العدالة أمام الأوامر؛ حتى كادت تلك الشكايات أن تصبح نصبًا تذكاريًا لكل من يريد أن يبدأ طريق الشرف في مهنة تتقيأ أصحابها كل يوم.

صورة حية لا تموت

علي المرابط اليوم لا يحتاج إلى صحيفة كي يُحكى، أو يكتب عنه، هو صورة حية لا تموت؛ صوته، صورته وحضوره في المشهد الصحافي، كلّها صارت تمثيلاً لصحافة فَرَّت من قبضة السلطة وأعادت تعريف ذاتها.

علي إنسانٌ لا يسعى إلى النصر، بل إلى أن يقول الحقيقة، حتى لو لم يُصدّقها أحد في البداية!

هو لا يسعى إلى النجاة، بل إلى الشهادة بمعناها الصحافي؛ أن تكون حاضرًا حين يغيب الجميع، وأن تكتب ما يجب، لا ما يُسمح به، كأن تنفخ أنفاسك في الناي أو تمنح القيثارة حنو أصابعك لتعطي للغير لحنًا صافيًا، قد يكون موجعًا ولكنه صادق! 

سيرة صحافي لن تُطوى

علي المرابط لا يُلخّص في مهنة، لا في نفي، لا في سجن ولا في منع، فهو ظاهرة صحافية مغربية لا يمكن إلغاؤها حتى حين يُمنع من الكلام، صوتٌ نافر، قاسٍ، وساخر، لكن لا يُشبه إلا ذاته.

تاريخ الصحافة المغربية سيتذكره، لا فقط كصحافي مخضرم، بل كاختبارٍ حقيقي لكل ممارس للمهنة في بلاد الصمت الممنهج… هو المثال الحي لإجابة السؤال المكرر دومًا: هل يمكن أن تكون صحافيًا في بلد لا يُحبّ من يطرح عليه الأسئلة البسيطة؟ فما بالك بالمزعجة؟ 

علي المرابط، صحافي يشبه المقاتل، لا يضع قلمه من يده، ولا يتخلى عن التوثيق والأرشفة، وحتى إن لم يُنصفه الحاضر الموبوء، فإن التاريخ، بكل لسانه الطويل، كفيل بأن يُعيد إليه ما سُلب منه… بل وأكثر.