في صباحٍ خانق من صيف 2022، كان المشهد على حدود الناظور ومليلية أقرب إلى لوحة جحيمية: لا مكان فيه لظلّ شجرة، ولا بصيص أمل، وحده الموت والدم كان لغة هناك.
كان ذلك يوم 24 حزيران/ يونيو، المعروف بـ”جمعة الموت”. يومذاك، علقت أجساد المهاجرين على الأسلاك الحديدية، بعيون زائغة تحدّق بالفراغ، وخطوات تتسابق مع الموت بحثاً عن حياة.
هناك، على معبر باريو تشينو، الذي يفصل بين الناظور المغربية ومليلية الإسبانية، كُتبت واحدة من أحلك صفحات الهجرة المعاصرة. يوم انقلبت فيه الأرض على من قصدها هرباً من الفقر والحرب، وتشرّبت تربتها الدماء.
أسفر المشهد عن مقتل ما لا يقل عن 30 مهاجراً وإصابة العشرات. السلطات المغربية قالت إن الضحايا دُهسوا في “تدافع” أثناء محاولة اقتحام جماعي، لكن منظّمات حقوقية، منها “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، تحدّثت عن استخدام مفرط للقوّة، وإهمال طبي قاتل، ما حوّل الحادثة إلى “مجزرة” مكتملة الأركان.
في ذلك اليوم، كانت الكاميرات حاضرة، لكنّ الأعين كانت مغمضة، والصحافة التزمت الصمت، والدول تبادلت المجاملات، فيما خذل الضمير العالمي من انتظر العدالة.
لكن رجلاً واحداً لم يُطق الصمت: عمر ناجي، مهندس لم يكن ناشطاً طارئاً يبحث عن بطولة، بل رجل قضى أكثر من ثلاثين عاماً وهو يُشهر قلمه وضميره في وجه كلّ ما ينتهك كرامة الإنسان.
ابن العيون الشرقية، مهندس مدني يعلم أن ما يُبنى بالحجر لا يساوي شيئاً، إن لم يحترم ما بُني من لحم ودم. حين وقعت المجزرة، لم ينتظر عمر دعوة من هيئة أو تصريحاً من سلطة. توجّه مباشرة إلى المستشفى، إلى المقبرة، إلى الأرض التي صبغتها الدماء، كان أوّل من نشر صور القتلى وهم مكدّسون تحت الشمس، بلا إسعاف ولا حنوّ.
كنت هناك، صحافياً ضعيف البنية، أفتّش عن نور الحقيقة في نفق مظلم، وكان عمر أحد أقوى المصادر، صوته كان أكثر حدّة من شوك السياج الحديدي: “نحن أمام جريمة مكتملة الأركان، جريمة قتل جماعي تحت غطاء السيادة والأمن والهجرة، ولكنّها تبقى جريمة مهما تلوّنت الألفاظ وتشابكت التبريرات”.
كان عمر يدرك أن صمته خيانة، وأن الحديث ليس خياراً بل واجب، لم يكتفِ بالإدانة، بل جمع شهادات المهاجرين الناجين، الذين تحدّثوا عن الضرب حتى الموت، عن الإهمال الطبي، وعن تعاملٍ يشبه تعامل الجيوش مع أعداء لا مع بشر عزّل، هذه الشهادات كانت جوهر تقرير “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، الذي شارك عمر في صياغته.
في وجه الرواية الرسمية التي قالت إن الضحايا ماتوا في التدافع، وقف عمر شامخاً، تحدّث عن الجرحى الذين تُركوا ينزفون حتى الموت، عن عشرات المفقودين الذين لا أحد يسأل عنهم، وعن المقبرة التي دُفن فيها القتلى، كما تُجرّ الأشياء غير المرغوب فيها إلى أقرب مزبلة.
لم يكن صوت عمر مجرّد رأي، بل وثيقة تُدين، وتُسجّل، وتُذكّر. لم تكن هذه المواجهة الأولى له مع السلطة، ففي كلّ مرّة اقترب فيها من ملفّ الهجرة، كانت الأبواب تُغلق في وجهه، وتُحاك له التهم في الظلّ، لكنّه لم يتراجع يوماً. كان يرى في كلّ مهاجر صورة أخيه، ابن عمّه، أو نفسه، يرى فيهم الحلم حين يُخذل، والحقّ حين يُسحق، يرى في معاملتهم وحشية الإنسان حين يتجبّر على الإنسان.
ولأنه كان صوتاً مزعجاً، استُهدف أكثر من مرّة. كان أبرزها اعتقاله بسبب تدوينة عن بائع متجول، لكنّ “مجزرة مليلية” جعلته هدفاً أكبر، لأنها كشفت عنفاً عابراً للحدود: أوروبا التي تدفع وتنسّق عبر إسبانيا، والمغرب الذي ينفّذ.
لقد صار عمر شاهداً على عصر يرفع فيه الأمن الأسلاك الشائكة أعلى من الأرواح، ويغدو اللاجئ متّهماً بدلاً من أن يُعامل كإنسان.
لقد وثّق الرجل سحل المهاجرين على الأرض، دفعهم من الأعلى، وكيف عُلّقت أجسادهم كالظلال على سياجات الموت، كان صدى الصرخات المخنوقة بالدخان المسيل للدموع، وحشرجة الأنفاس الأخيرة التي انتُزعت في صمت متواطئ.
ظلّ عمر محافظاً على حقّ ثلاثين قتيلاً سقطوا في ساعات قليلة، وعشرات المفقودين الذين ما زالوا بلا أثر، والمئات الذين زُجّ بهم في السجون، كأنهم مجرمون لا لاجئون. كان صوته يحمل دوماً نبرة الحزن، كأنه يقول: ما كان أشدّ من الموت نفسه، هو صمت الحكومات، وتواطؤ الدول، وتجميل المجزرة بلغة الدبلوماسية.
كان يندّد حين سمّوها “تدافعاً”، “محاولة اقتحام عنيفة”، أو “حادثاً مأساوياً”، فيما الحقيقة كانت تئنّ في عيون عمر: مهاجرون هربوا من الجوع والحرب، فوجدوا في الحدود قبراً بلا شاهد. لقد صارت “مجزرة مليلية” مرآةً سوداء تعكس ما أصبحت عليه سياسات الهجرة في زمن تُقدّم فيه الحدود على البشر، والأسلاك الشائكة على الأرواح.
يقول الراحل خالد الجامعي، الصحافي المغربي المخضرم، إنه في بداياته الصحافية، وبينما كان في مصعد عمارة، صعد معه رجل سلطة وصفعه بغتةً، سأله لماذا؟ فقال: “هذه لما ستكتب”. مرّت سنوات على تلك الصفعة، لكنها لم تتوقّف يوماً، وجوهها تتبدّل، لكنّ يدها هي ذاتها: يد تلوّح بالترهيب، ثم تُهوي.
اليوم، يواجه عمر ناجي جلسة جديدة في محكمة الاستئناف، محاكمة أخرى في سلسلة مضايقات لم تهزّ صلابته، لأنه كما يقول دوماً: “لا يمكن قتل الذاكرة، ولا دفن الشاهد، وإن مات الجسد”.
يتابع عمر فصله الجديد، لأنه في عالم يبيع المبادئ على طاولة التنسيق الأمني، ويحرسها بالأسلاك والحرس، كان ناجي حارساً من نوع آخر: حارس الحقيقة، لم يكن مجرّد شاهد، بل ذاكرة حيّة لمجزرة حاول الجميع أن ينساها.
إقرأوا أيضاً:









