ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عندما تتحوّل المدرّجات إلى ساحة للإهانة: لماذا يشتم الجمهور عائلات اللاعبين؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

استخدام السباب والشتائم ليس جديداً على مدرّجات الرياضة في لبنان، وهو ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء العالم، إلا أن ما حصل في ملعب المنارة أحدث صدى أكبر، بسبب طبيعة المباراة وظروفها وحملة التجييش التي سبقتها، خصوصاً مع إصابة نجم “الرياضي” وأفضل لاعب في آسيا وائل عرقجي في المباراة التي سبقتها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خلال المباراة التي استضاف فيها “الرياضي” غريمه “الحكمة” ضمن نهائي سلسلة بطولة لبنان لكرة السلّة، كال جزء كبير من جمهور “الرياضي” سيلاً من السباب للاعب “الحكمة” يوسف خيّاط، من خلال ترداد عبارة: “يا يوسف خيّاط يا ابن الش####”.

انتقل النقاش إلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قال جمهور “الرياضي” إن جمهور “الحكمة” كان قد شتم أمّهات بعض لاعبي “الرياضي” في مباريات سابقة، ليعود جمهور “الحكمة” ويردّ باتّهامات مقابلة، فيما كان كل طرف يستخرج من أرشيفه مقاطع فيديو تُظهر الجمهور الآخر وهو يشتم أعراض لاعبي فريقه.

واللافت أيضاً أن الشتيمة ضد خيّاط كانت موحّدة ومتكرّرة ومسموعة بصوت واضح، وصادرة عن جزء كبير من الجالسين على المدرّج، ما جعل وقعها أسوأ، حتى بالنسبة إلى قسم كبير من جمهور “الرياضي”، الذين أعلنوا رفضهم لهذا السلوك، وطالبوا باحترام اللاعبين الخصوم وإظهار صورة جيّدة عن ثقافة النادي وأخلاقياته.

لماذا ينجرف المشجّع خلف الحشد؟

الكثير ممن يشتمون في المدرّجات سيخبرونك، وهم صادقون في ذلك، أنهم لا يستخدمون هذه الألفاظ في حياتهم اليومية، وأنهم لا يقبلون توجيه الإهانات إلى أمّهات اللاعبين أو أفراد أسرهم.

لكنّهم، وسط مئات المشجعين، ينجرفون مع السيل ويمتثلون للحشد، ويجدون أنفسهم مشاركين في “الحفل” دون إرادة واعية، ودون تفكير في المعنى ومدى انسجامه مع قناعاتهم الشخصية، ودون الانتباه إلى أثره المحتمل على اللاعب الذي يتعرّض للإهانة وعلى أسرته.

أسباب ودوافع كثيرة تجعل هذا المشجّع أو ذاك يطلق الشتائم والإهانات بحقّ لاعبي الفريق المنافس، بل إنها تطال أحياناً لاعبي فريقهم أنفسهم، في حال أهدر أحدهم فرصةً ما أو ارتكب خطأً استفاد منه الخصم.

يعتقد المشجّع أنه من خلال إطلاق الشتائم ضد الخصوم، يقدّم مساعدة لفريقه عبر تشتيت اللاعب المنافس وإخراجه عن طوره، وبالتالي إجباره على ارتكاب الأخطاء، كما يؤمن بأن خلق أجواء صاخبة وهجومية ضد الخصم، من شأنه أن يمنح لاعبي فريقه الشعور بالقوّة والسيطرة.

إن اعتبار استخدام الشتائم ليس عادةً متأصّلة لدى بعض المشجّعين، وأنهم فقط ينجرفون مع الحشد، وأن هدفهم من الأمر هو مساعدة الفريق دون أن تكون هناك ضغينة تجاه اللاعب الذي يتعرّض للسباب، لا يُعفي المشجّع من مسؤوليته الأخلاقية، ولا يبرّر له القيام بهذا السلوك.

والهدف من هذا المقال هو توصيف هذه الظاهرة وفهم أسبابها ونتائجها، دون أن يكون ذلك تبريراً لها.

هل تساعد الشتائم الفريق فعلاً؟

أشار العديد من الدراسات إلى  أن إطلاق الشتائم وإهانة الخصوم لا يعطي بالضرورة نتائج إيجابية للفريق، وأن تشجيع فريقك بشكل إيجابي قد تكون له نتائج أفضل.

في العام 2019، نشرت مجلّة Journal of Sports Sciences دراسة أجراها كريستوفر رينغ، أستاذ علم النفس في جامعة برمنغهام، بالتعاون مع باحثين من جامعة فلوريدا، حول تأثير الإهانات والشتائم على اللاعبين خلال تسديدهم الرميات الحرّة في كرة السلّة.

وخلصت الدراسة إلى أن هذه الإهانات، رغم تأثيرها على الحالة النفسية والذهنية للاعب، لم تؤدِّ إلى انخفاض نسب تسجيل الرميات الحرّة، في وقت يعترف الكثير من الرياضيين بأن استهدافهم بشكل مباشر من قِبل المشجّعين قد يمنحهم دافعاً أكبر للتسجيل والفوز وإسكات الحشد.

التشجيع الإيجابي أكثر فاعلية

أعلن قائد فريق “الرياضي” أمير سعود، في مقابلة بعد المباراة التي شهدت حفلة الشتائم، انزعاجه من الطريقة التي تصرّف بها جمهور فريقه، وطلب من جماهير الفريقين الحفاظ على الأسلوب الحضاري في التشجيع.

وعاد سعود وتوجّه بالشكر إلى جماهير المنارة عقب المباراة الخامسة، التي غلب على التشجيع فيها الطابع الحضاري.

والمفارقة أن “الرياضي” قدّم أفضل مبارياته في السلسلة خلال المباراة الخامسة، التي كان جمهوره فيها يشجّع اللاعبين من خلال ترديد أسمائهم والتفاعل مع النقاط التي يسجّلونها، فيما قدّم فريق “الحكمة” أسوأ مبارياته في السلسلة نفسها.

وهذا يعني أن السباب والشتائم لا يعودان بالضرورة بنتيجة أفضل على الفريق، ولا يحبطان معنويات الخصم كما يفعل التشجيع الإيجابي، وتعزّز هذه الفكرة دراسات تؤكّد أن الطريقة الأكثر فاعلية لدعم الفريق ليست مهاجمة المنافس، بل تعزيز ثقة اللاعبين بأنفسهم.

ومن أبرز الدراسات في هذا المجال،  تبرز تلك التي نُشرت في عام 2023 في مجلّة Turkish Journal of Kinesiology، اختبر الباحثون خلالها تأثير أنواع مختلفة من التواصل على أداء لاعبي كرة القدم، ووجدوا أن التشجيع الإيجابي رفع الدافعية وحسّن الأداء مقارنة بالأساليب السلبية والانتقادية.

وتنسجم هذه النتائج مع دراسات أخرى في علم النفس الرياضي، تُظهر أن الدعم اللفظي يعزّز ثقة الرياضيين وقدرتهم على مواجهة الضغط، بينما تؤدّي الإهانات أساساً إلى زيادة التوتّر والغضب، من دون دليل واضح على أنها تمنح الفريق أفضلية تنافسية.

لماذا تستهدف الشتائم أمّهات اللاعبين وعائلاتهم؟

صحيح أن إطلاق الشتائم وتوجيه الإهانات للاعبي الخصم صارا جزءاً من ثقافة التشجيع في ملاعب كثيرة حول العالم، إلا استهداف أمّهات اللاعبين أو زوجاتهم أو أخواتهم يحمل دلالة مختلفة، ولها أسباب اجتماعية وثقافية مركّبة.

وتعود جذور هذا الأسلوب إلى ثقافات قديمة كانت تعتبر العائلة امتداداً لهويّة الرجل وكرامته، وبالتالي فإن الإساءة إلى أقرب الناس إليه، وخصوصاً عندما تستهدف النساء، يكون وقعها أكبر من توجيه الإساءة إليه شخصياً.

واستهداف أمّهات اللاعبين وأخواتهم ليس محصوراً بالجماهير، بل يمتدّ إلى اللاعبين أنفسهم، إما للردّ على استفزاز أو إهانة تعرّضوا لها، أو لتشكيل ضغط على اللاعب الخصم وإخراجه عن طوره.

ومن أبرز الحالات في هذا المجال ما حدث في نهائي مونديال 2006، عندما توجّه مدافع إيطاليا ماركو ماتيرازي بكلمات مسيئة إلى زين الدين زيدان طالت شقيقته، ليردّ الأخير بتوجيه نطحة إلى صدر ماتيرازي ويحصل بسببها على بطاقة حمراء.


من المدرّجات إلى مواقع التواصل: الإهانة لا تنتهي بصافرة النهاية

لم تعد الإهانات الموجّهة إلى أمّهات اللاعبين أو أخواتهم تقتصر على المدرّجات، بل انتقلت في السنوات الأخيرة إلى منصّات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الوصول إلى اللاعب وأفراد عائلته أسهل من أي وقت مضى، ما يدفع عدداً من اللاعبين وأسرهم إلى إغلاق صفحاتهم في بعض الحالات.

بعد نهاية المباريات، تمتلئ حسابات اللاعبين، أو حسابات زوجاتهم وأفراد أسرهم، بسيل من الشتائم والعبارات المسيئة، وتتوجّه الإهانات إلى لاعبي الفريق المفضّل أو إلى لاعبي الفريق الخصم، بسبب فرصة أُهدرت أو تدخّل عنيف في كرة أو أي موقف آخر.

الشتيمة التي تُطلق على المدرّجات تنتهي غالباً في لحظتها أو مع مغادرة اللاعبين الملعب، أما الشتيمة الرقمية  فتترك أثراً مستمراً، إذ تبقى منشورة وقابلة لإعادة التداول والوصول إلى اللاعب أو أفراد أسرته. 

ولا يسلم الحكّام من هذه الظاهرة، ومن أبرز الحوادث في هذا المجال ما تعرّض له الحكم الفرنسي فرانسوا لوتيكسييه، الذي أدار مباراة منتخب مصر ضد الأرجنتين في كأس العالم، حيث هاجم مستخدمون مصريون الحكم الفرنسي من خلال تعليقات مهينة ومسيئة له ولأسرته، كما دخلوا إلى حسابات أفراد أسرته ووجّهوا الإهانات والتهديدات، بسبب ما اعتبروه تحيّزاً ضد منتخبهم في القرارات التي اتّخذها.

بين الانتماء والإساءة: أي صورة يريد الجمهور أن يتركها؟

في النهاية، لا يمكننا إلغاء  ظاهرة الشتائم من الملاعب إذ أصبحت بالنسبة إلى كثيرين جزءاً من  طبيعة المنافسة الرياضية نفسها، حيث تختلط العاطفة بالانتماء والرغبة في الدفاع عن الفريق، فيتحوّل هذا الانتماء من دعم للاعبين إلى محاولة لإيذاء المنافس، أو يصبح أفراد لا علاقة لهم بالمباراة أهدافاً لإهانات الجمهور.

المنافسة الرياضية تحتاج إلى الحماسة، وربما حتى إلى الاستفزاز في إطارها الطبيعي، لكنّها تفقد معناها عندما تنتقل من مهاجمة الأداء إلى مهاجمة الإنسان، ومن انتقاد اللاعب إلى استهداف والدته أو زوجته أو أسرته، والاختبار الحقيقي لأخلاقيات المشجّع هو كيف سيتصرّف عندما يكون تحت الضغط وشعور الغضب هو المسيطر، والروح الرياضية هي أن تعرف كيف تتعامل مع الفوز وكيف تتقبّل الخسارة.

04.08.2026
زمن القراءة: 5 minutes

استخدام السباب والشتائم ليس جديداً على مدرّجات الرياضة في لبنان، وهو ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء العالم، إلا أن ما حصل في ملعب المنارة أحدث صدى أكبر، بسبب طبيعة المباراة وظروفها وحملة التجييش التي سبقتها، خصوصاً مع إصابة نجم “الرياضي” وأفضل لاعب في آسيا وائل عرقجي في المباراة التي سبقتها.

خلال المباراة التي استضاف فيها “الرياضي” غريمه “الحكمة” ضمن نهائي سلسلة بطولة لبنان لكرة السلّة، كال جزء كبير من جمهور “الرياضي” سيلاً من السباب للاعب “الحكمة” يوسف خيّاط، من خلال ترداد عبارة: “يا يوسف خيّاط يا ابن الش####”.

انتقل النقاش إلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قال جمهور “الرياضي” إن جمهور “الحكمة” كان قد شتم أمّهات بعض لاعبي “الرياضي” في مباريات سابقة، ليعود جمهور “الحكمة” ويردّ باتّهامات مقابلة، فيما كان كل طرف يستخرج من أرشيفه مقاطع فيديو تُظهر الجمهور الآخر وهو يشتم أعراض لاعبي فريقه.

واللافت أيضاً أن الشتيمة ضد خيّاط كانت موحّدة ومتكرّرة ومسموعة بصوت واضح، وصادرة عن جزء كبير من الجالسين على المدرّج، ما جعل وقعها أسوأ، حتى بالنسبة إلى قسم كبير من جمهور “الرياضي”، الذين أعلنوا رفضهم لهذا السلوك، وطالبوا باحترام اللاعبين الخصوم وإظهار صورة جيّدة عن ثقافة النادي وأخلاقياته.

لماذا ينجرف المشجّع خلف الحشد؟

الكثير ممن يشتمون في المدرّجات سيخبرونك، وهم صادقون في ذلك، أنهم لا يستخدمون هذه الألفاظ في حياتهم اليومية، وأنهم لا يقبلون توجيه الإهانات إلى أمّهات اللاعبين أو أفراد أسرهم.

لكنّهم، وسط مئات المشجعين، ينجرفون مع السيل ويمتثلون للحشد، ويجدون أنفسهم مشاركين في “الحفل” دون إرادة واعية، ودون تفكير في المعنى ومدى انسجامه مع قناعاتهم الشخصية، ودون الانتباه إلى أثره المحتمل على اللاعب الذي يتعرّض للإهانة وعلى أسرته.

أسباب ودوافع كثيرة تجعل هذا المشجّع أو ذاك يطلق الشتائم والإهانات بحقّ لاعبي الفريق المنافس، بل إنها تطال أحياناً لاعبي فريقهم أنفسهم، في حال أهدر أحدهم فرصةً ما أو ارتكب خطأً استفاد منه الخصم.

يعتقد المشجّع أنه من خلال إطلاق الشتائم ضد الخصوم، يقدّم مساعدة لفريقه عبر تشتيت اللاعب المنافس وإخراجه عن طوره، وبالتالي إجباره على ارتكاب الأخطاء، كما يؤمن بأن خلق أجواء صاخبة وهجومية ضد الخصم، من شأنه أن يمنح لاعبي فريقه الشعور بالقوّة والسيطرة.

إن اعتبار استخدام الشتائم ليس عادةً متأصّلة لدى بعض المشجّعين، وأنهم فقط ينجرفون مع الحشد، وأن هدفهم من الأمر هو مساعدة الفريق دون أن تكون هناك ضغينة تجاه اللاعب الذي يتعرّض للسباب، لا يُعفي المشجّع من مسؤوليته الأخلاقية، ولا يبرّر له القيام بهذا السلوك.

والهدف من هذا المقال هو توصيف هذه الظاهرة وفهم أسبابها ونتائجها، دون أن يكون ذلك تبريراً لها.

هل تساعد الشتائم الفريق فعلاً؟

أشار العديد من الدراسات إلى  أن إطلاق الشتائم وإهانة الخصوم لا يعطي بالضرورة نتائج إيجابية للفريق، وأن تشجيع فريقك بشكل إيجابي قد تكون له نتائج أفضل.

في العام 2019، نشرت مجلّة Journal of Sports Sciences دراسة أجراها كريستوفر رينغ، أستاذ علم النفس في جامعة برمنغهام، بالتعاون مع باحثين من جامعة فلوريدا، حول تأثير الإهانات والشتائم على اللاعبين خلال تسديدهم الرميات الحرّة في كرة السلّة.

وخلصت الدراسة إلى أن هذه الإهانات، رغم تأثيرها على الحالة النفسية والذهنية للاعب، لم تؤدِّ إلى انخفاض نسب تسجيل الرميات الحرّة، في وقت يعترف الكثير من الرياضيين بأن استهدافهم بشكل مباشر من قِبل المشجّعين قد يمنحهم دافعاً أكبر للتسجيل والفوز وإسكات الحشد.

التشجيع الإيجابي أكثر فاعلية

أعلن قائد فريق “الرياضي” أمير سعود، في مقابلة بعد المباراة التي شهدت حفلة الشتائم، انزعاجه من الطريقة التي تصرّف بها جمهور فريقه، وطلب من جماهير الفريقين الحفاظ على الأسلوب الحضاري في التشجيع.

وعاد سعود وتوجّه بالشكر إلى جماهير المنارة عقب المباراة الخامسة، التي غلب على التشجيع فيها الطابع الحضاري.

والمفارقة أن “الرياضي” قدّم أفضل مبارياته في السلسلة خلال المباراة الخامسة، التي كان جمهوره فيها يشجّع اللاعبين من خلال ترديد أسمائهم والتفاعل مع النقاط التي يسجّلونها، فيما قدّم فريق “الحكمة” أسوأ مبارياته في السلسلة نفسها.

وهذا يعني أن السباب والشتائم لا يعودان بالضرورة بنتيجة أفضل على الفريق، ولا يحبطان معنويات الخصم كما يفعل التشجيع الإيجابي، وتعزّز هذه الفكرة دراسات تؤكّد أن الطريقة الأكثر فاعلية لدعم الفريق ليست مهاجمة المنافس، بل تعزيز ثقة اللاعبين بأنفسهم.

ومن أبرز الدراسات في هذا المجال،  تبرز تلك التي نُشرت في عام 2023 في مجلّة Turkish Journal of Kinesiology، اختبر الباحثون خلالها تأثير أنواع مختلفة من التواصل على أداء لاعبي كرة القدم، ووجدوا أن التشجيع الإيجابي رفع الدافعية وحسّن الأداء مقارنة بالأساليب السلبية والانتقادية.

وتنسجم هذه النتائج مع دراسات أخرى في علم النفس الرياضي، تُظهر أن الدعم اللفظي يعزّز ثقة الرياضيين وقدرتهم على مواجهة الضغط، بينما تؤدّي الإهانات أساساً إلى زيادة التوتّر والغضب، من دون دليل واضح على أنها تمنح الفريق أفضلية تنافسية.

لماذا تستهدف الشتائم أمّهات اللاعبين وعائلاتهم؟

صحيح أن إطلاق الشتائم وتوجيه الإهانات للاعبي الخصم صارا جزءاً من ثقافة التشجيع في ملاعب كثيرة حول العالم، إلا استهداف أمّهات اللاعبين أو زوجاتهم أو أخواتهم يحمل دلالة مختلفة، ولها أسباب اجتماعية وثقافية مركّبة.

وتعود جذور هذا الأسلوب إلى ثقافات قديمة كانت تعتبر العائلة امتداداً لهويّة الرجل وكرامته، وبالتالي فإن الإساءة إلى أقرب الناس إليه، وخصوصاً عندما تستهدف النساء، يكون وقعها أكبر من توجيه الإساءة إليه شخصياً.

واستهداف أمّهات اللاعبين وأخواتهم ليس محصوراً بالجماهير، بل يمتدّ إلى اللاعبين أنفسهم، إما للردّ على استفزاز أو إهانة تعرّضوا لها، أو لتشكيل ضغط على اللاعب الخصم وإخراجه عن طوره.

ومن أبرز الحالات في هذا المجال ما حدث في نهائي مونديال 2006، عندما توجّه مدافع إيطاليا ماركو ماتيرازي بكلمات مسيئة إلى زين الدين زيدان طالت شقيقته، ليردّ الأخير بتوجيه نطحة إلى صدر ماتيرازي ويحصل بسببها على بطاقة حمراء.


من المدرّجات إلى مواقع التواصل: الإهانة لا تنتهي بصافرة النهاية

لم تعد الإهانات الموجّهة إلى أمّهات اللاعبين أو أخواتهم تقتصر على المدرّجات، بل انتقلت في السنوات الأخيرة إلى منصّات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الوصول إلى اللاعب وأفراد عائلته أسهل من أي وقت مضى، ما يدفع عدداً من اللاعبين وأسرهم إلى إغلاق صفحاتهم في بعض الحالات.

بعد نهاية المباريات، تمتلئ حسابات اللاعبين، أو حسابات زوجاتهم وأفراد أسرهم، بسيل من الشتائم والعبارات المسيئة، وتتوجّه الإهانات إلى لاعبي الفريق المفضّل أو إلى لاعبي الفريق الخصم، بسبب فرصة أُهدرت أو تدخّل عنيف في كرة أو أي موقف آخر.

الشتيمة التي تُطلق على المدرّجات تنتهي غالباً في لحظتها أو مع مغادرة اللاعبين الملعب، أما الشتيمة الرقمية  فتترك أثراً مستمراً، إذ تبقى منشورة وقابلة لإعادة التداول والوصول إلى اللاعب أو أفراد أسرته. 

ولا يسلم الحكّام من هذه الظاهرة، ومن أبرز الحوادث في هذا المجال ما تعرّض له الحكم الفرنسي فرانسوا لوتيكسييه، الذي أدار مباراة منتخب مصر ضد الأرجنتين في كأس العالم، حيث هاجم مستخدمون مصريون الحكم الفرنسي من خلال تعليقات مهينة ومسيئة له ولأسرته، كما دخلوا إلى حسابات أفراد أسرته ووجّهوا الإهانات والتهديدات، بسبب ما اعتبروه تحيّزاً ضد منتخبهم في القرارات التي اتّخذها.

بين الانتماء والإساءة: أي صورة يريد الجمهور أن يتركها؟

في النهاية، لا يمكننا إلغاء  ظاهرة الشتائم من الملاعب إذ أصبحت بالنسبة إلى كثيرين جزءاً من  طبيعة المنافسة الرياضية نفسها، حيث تختلط العاطفة بالانتماء والرغبة في الدفاع عن الفريق، فيتحوّل هذا الانتماء من دعم للاعبين إلى محاولة لإيذاء المنافس، أو يصبح أفراد لا علاقة لهم بالمباراة أهدافاً لإهانات الجمهور.

المنافسة الرياضية تحتاج إلى الحماسة، وربما حتى إلى الاستفزاز في إطارها الطبيعي، لكنّها تفقد معناها عندما تنتقل من مهاجمة الأداء إلى مهاجمة الإنسان، ومن انتقاد اللاعب إلى استهداف والدته أو زوجته أو أسرته، والاختبار الحقيقي لأخلاقيات المشجّع هو كيف سيتصرّف عندما يكون تحت الضغط وشعور الغضب هو المسيطر، والروح الرياضية هي أن تعرف كيف تتعامل مع الفوز وكيف تتقبّل الخسارة.