كنت أتفحص السوشيال ميديا كعادة صباحية سيئة لم أتخلص منها، ليصدمني خبر “القبض على اثنين من فريق تحرير منصة “متصدقش” لتدقيق الأخبار، توقعت أن تنتهي الأزمة سريعًا كما حصل منذ 3 سنوات، حين قُبض على أحد أفراد غرفة الأخبار لمدة 48 ساعة، قبل تدخل نقابة الصحافيين والإفراج عنه، لتتوالى بعدها أخبار القبض على اثنين آخرين ومن ثم على كامل فريق تحرير المنصة وعددهم 6 صحافيين.
هكذا ومن دون أسباب، استيقظ مسؤول ما في الدولة وقرر حبس غرفة أخبار كاملة، أشعر بالخوف، لا لشيء سوى أنني أمارس الصحافة في مصر، المهنة الوحيدة التي إذا مارستها بصورة صحيحة سيكون مصيرك السجن كما حدث مع الزملاء محمد أشرف أبو عميرة، عبد الله قدري، إسلام بركات، عمر هلال، محمد محمود، ومحمد عادل، أعضاء غرفة تحرير “متصدقش”.
بعد ثوانٍ من الخبر يقابلني خبر آخر حول ديانة فنانة مصرية، في مؤسسة صحافية عُرفت بالرصانة، وفيديو لزميلة صحافية ضمن تجربة صحافية جديدة ضمن ما يُعرف بـ”الريالتي شو”، تشكو فيها من زميل آخر في بوفيه المؤسسة الصحافية. لم أُصدم من الفيديو، فالزميل، مؤسس التجربة، قالها بوضوح “أنا جاي أبوظ الصحافة”، لكن أين هي الصحافة التي جاء ليفسدها؟
في 2015 كان موعدي الأول مع الكتابة باسم مستعار، على رغم ممارستي الصحافة لسنوات قبلها، لكنني لم أحتج الى استخدام اسم مستعار، أو حتى النشر بدون اسم، لكننا في الجمهورية الجديدة حيث حرية الصحافة هي محض هراء يقال في المؤتمرات العامة، ويعلنه رئيس الجمهورية في لقاء المحررين الأجانب، لكنه يبقى فقط كلامًا للاستهلاك الإعلامي. أما الحقيقة هي أننا، كصحافيين، نعيش على حدّ السيف، ممزقين بين أن نكون صحافيين حقيقيين معرّضين للحبس والنفي لأسباب لا يعلمها إلا الله وصاحب قرار القبض علينا، وبين أن نكون مجرد مؤدّين تُوضع أسماؤنا على بيانات مرسلة من جهاز سامسونغ، أو ضباعاً تقتات على الفضائح والتريندات لجذب القرّاء الذين لم تعد تجذبهم النشرات الموحّدة. الخيار بسيط لكنه مرّ: هل أخسر حريتي أم مهنتي؟
لم يكن لتحقيقي الأول المنشور باسم مستعار، علاقة بالسياسة أو بنظام الحكم، وإنما بقرار خاطئ لوزير الصحة، منع نشر معلومات مهمة لمتلقي خدمة صحية، وتسبّب في إصابة العشرات بمضاعفات. وعلى رغم أنه كان أحد أفضل المواد الصحافية التي كتبتها في حياتي، فإنني لا أستطيع أن أضعه في قائمة أعمالي، لأنني حين نشرته لم أستطع أن أضع اسمي عليه، خوفاً من الاعتقال، أو الوصم بأنني ضمن جماعة إرهابية هدفها زعزعة الاستقرار.
منذ انطلاق منصة “متصدقش” في 2018 على يد الزميل الراحل محمد أبو الغيط، الذي وللمصادفة كان أحد الصحافيين المنفيين الى الخارج، دأبت المنصة على تصحيح الأخبار المغلوطة والتصريحات المضللة، ونشر تقارير معمقة تكشف الفساد في أي مؤسسة، لا تفرق بين النظام وجماعة الإخوان، تصحح التصريحات لكلَي الجانبين، وتكشف الفساد في الجبهتين، كما هو المفترض من الصحافة المستقلة، لكن هذا لا يمنع أن ينطلق المئات من لجان النظام على خبر القبض على غرفة تحرير أخبار “متصدقش” ليصفوا المنصة بأنها إخوانية مضللة.
المفارقة أن الدولة نفسها تتحدث باستمرار عن خطورة الشائعات والمعلومات المضللة، وعن ضرورة بناء الوعي. وفي تموز/ يوليو 2026، تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن فتح المجال أمام “الحوار الإعلامي الموضوعي” الذي يشمل “الرأي والرأي الآخر”، ووجه بعقد اجتماع سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري ومناقشة تحدياته وفرصه.
وقبل ذلك، في 2025، تحدثت الرئاسة عن “إعلاء حرية التعبير” و”احتضان الآراء الوطنية كافة”، ووجّهت بإتاحة البيانات والمعلومات للإعلام، مع تأكيد مبدأ “الرأي والرأي الآخر”.
نحن، كصحافيين، لا نريد أكثر من أن نفهم معنى هذه العبارات عندما تصل إلى غرفة الأخبار. ما حدود “الرأي الآخر”؟ ومن يحدد متى يصبح السؤال خطراً؟ وما المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الصحافي، وهو يعرف أن عمله ليس مجرد إعادة إنتاج ما تقوله المؤسسات؟
الدستور المصري نفسه ينص في مادته الخامسة والستين على أن “حرية الفكر والرأي مكفولة”، وأن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر.
لكن الصحافي لا يعيش داخل نص دستوري فقط، وإنما داخل غرفة أخبار، ومؤسسة، وسوق، وقوانين، ونقابة، وأجهزة أمن، ومصادر، ومحررين، وخوارزميات، وجمهور يريد المعلومة الآن، قبل أن ينتهي الصحافي أصلًا من التحقق منها، وهذه ربما هي المعركة الحقيقية التي نخسرها يومًا بعد يوم.
قبل القبض على غرفة أخبار “متصدقش” بساعات، خرج الرئيس عبد الفتاح السيسي في اجتماع جمع رئيس الوزراء والحكومة والمحافظين وقيادات الجيش والشرطة وعددًا من المسؤولين، ليتحدث عن التحديات التي تواجه الدولة، وضرورة تأمين “الجبهة الداخلية”، في ظل ما وصفه بتعدد أساليب محاولات الإضرار بالدولة والإلحاح عليها.
وتناولت التغطيات اللاحقة للاجتماع تحذيرات رئاسية من الفوضى على وسائل التواصل الاجتماعي، والتشكيك في الإنجازات وإشاعة الإحباط، بل إن وزارة الأوقاف اختارت عنوان حماية الوطن ووعي المواطنين كموضوع لخطبة الجمعة المقبلة، فيما تستعد الحكومة لمؤتمر موسع في النصف الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي لعرض إنجازاتها والرد على تساؤلات الرأي العام،
ثم، خلال ساعات، كان فريق تحرير “متصدقش” كاملًا قيد الاحتجاز.
قد لا أملك دليلًا يقول إن هناك علاقة مباشرة بين الأمرين، ولا أريد أن أصنع علاقة لا أستطيع إثباتها. لكن التزامن وحده يفرض سؤالًا لا أستطيع تجاهله: ماذا يحدث عندما تتحول الدعوة إلى مواجهة “الفوضى” و”التشكيك” على الإنترنت إلى مناخ يجد فيه صحافيون مهمتهم الأساسية هي التحقق من المعلومات أنفسهم خارج المشهد؟
“متصدقش” لم تكن منصة مهمتها صناعة الإحباط، أو نشر الشائعات، أو اختلاق الأخبار. مهمتها الأساسية، كما تقول المنصة عن نفسها، إعداد المواد الصحافية والتحقق من المعلومات ونشرها وفق الأصول المهنية. ومع ذلك، أصبحت غرفة أخبارها نفسها هي الخبر.
وهنا تكمن المفارقة التي تؤلمنا كصحافيين أكثر من خبر القبض نفسه، الدولة تقول إن المشكلة هي انتشار المعلومات المضللة، بينما واحدة من المنصات التي بنت وجودها على مواجهة هذه المعلومات تجد فريقها كاملًا رهن الاحتجاز، من دون إعلان واضح حتى لحظة كتابة هذه السطور عن أسباب القبض أو الأساس القانوني له.
إذا كانت الدولة تريد مواجهة الشائعة، فمن الطبيعي أن تحتاج إلى صحافة تتحقق وتسأل وتدقق، وإذا كانت تريد أن تقنع الناس بإنجازاتها، فهي تحتاج أيضاً إلى صحافيين قادرين على فحص هذه الإنجازات، ومقارنتها بالأرقام، وسؤال المسؤولين عن الأموال التي أُنفقت والنتائج التي تحققت، وهي الأسئلة التي يفترض أصلاً أن يكون مؤتمر أكتوبر مساحة لمناقشتها.
فكيف يمكن أن نطلب من الصحافي أن يواجه “التشكيك” من جهة، ثم نتركه خائفاً من أن يؤدي وظيفته في التحقق من جهة أخرى؟
هنا لا تعود القضية قضية “متصدقش” وحدها، بل: أي صحافة نريد؟
لم يكن الرئيس فقط الذي تحدث عن الإعلام وأزمته قبل القبض على فريق “متصدقش”، فوزير الإعلام الذي طالب الصحافيين بمناداته بـ “معالي الزميل”، قال في نهاية آب/ أغسطس الماضي إن تدفق المعلومات الرسمية إلى وسائل الإعلام يقطع الطريق على مروجي الشائعات، وإن توفير الرواية الرسمية عن الأحداث والقرارات والمنجزات يقلل الفجوة الناتجة من نقص المعلومات.
هذا التصريح في حد ذاته اعتراف بأن أزمة الإعلام المصري ليست فقط أزمة محتوى، وإنما أيضًا أزمة معلومات ومساحة للحوار. لكن السؤال الذي يظل معلقًا هو ماذا يعني أن ندعو الصحافيين إلى مناقشة أوضاع مهنتهم، ونطلب منهم أن يتحدثوا عن مشكلاتها بحرية، بينما يصبح السؤال نفسه محفوفًا بالخوف؟
ربما لا توجد إجابة أكثر وضوحاً من تلك التي تقدمها غرفة أخبار “متصدقش” الآن: منصة مهمتها الأساسية التحقق من المعلومات ومواجهة الشائعات، تتحول في لحظة إلى قصة تحتاج هي نفسها إلى صحافيين يسألون: ماذا حدث؟ أين الصحافيون؟ ولماذا قُبض عليهم؟
وهنا يصبح الحديث عن “إتاحة المعلومات” أكثر من مجرد بند في مؤتمر أو اجتماع، لأن الصحافة لا تستطيع أن تحقق في معلومة لا يمكنها الوصول إليها، ولا مواجهة الشائعة إذا كانت المعلومة الرسمية تصل متأخرة، ولا ممارسة “الرأي والرأي الآخر” إذا كان الخوف من السؤال أكبر من مساحة الإجابة.
بعد خبر القبض بساعات، كنت أتناقش مع زميل لي حول الخبر، فأخبرني أنه يتمنى الإفراج عن الزملاء، حتى لو كان الثمن تجميد منصة “متصدقش” إلى حين مرور مؤتمر الإنجازات، أو حتى نهائياً. فلا معنى لضياع أعمار الصحافيين وتحوّلهم إلى قصة، بدلاً من أن يكتبوا هم القصة.
حين قررت كتابة هذا المقال، كان الخوف يضعني أمام خيارين: هل أكتب عن زملائي والصحافة وأعرّض حريتي للخطر؟ أم أصمت وأترك مهنتي نفسها تتعرض للخطر؟ في النهاية قررت أن أكتب من دون اسم، لأن مهنتي التي أدافع عنها من الخطر أصبحت هي الخطر نفسه.
إقرأوا أيضاً:












