على رغم السنوات التي حفرت ملامحها في وجهها، بدت سموحة، تبعث على الاطمئنان، وتُحيي بابتسامتها الصورة…
انتشرت مساء 14 حزيران/ يونيو 2025 صور فوزية الشعراني، التي قيل إنها قضت وهي تدافع عن منزلها في السويداء، في الأحداث الطائفية الأخيرة التي تشهدها المحافظة.
مع شحّ الأخبار الدقيقة وانتشار المعلومات المضلِّلة، لم أجد في بادئ الأمر تفاصيل عن حكايتها، وظننت أن المقصود بعبارة “دافعت عن بيتها” هو أنها بقيت ثابتة في منزلها وأرضها، كما فعل الشيخ مرهج شاهين، الذي تعمّد مسلحون متشددون إهانته والنيل منه، لكنه لم يهرب، وبقي متمسكاً بأرضه ومنزله.
بدت ابتسامتها قوية على رغم فجيعة مقتلها، وهي ابتسامة علقت في ذهني، حتى علمت، بمحض المصادفة في اليوم التالي، من صديقتي أنها قريبتها، التي أخبرتني أن هذه السيدة، أي فوزية الشعراني، لم تدافع عن نفسها وبيتها في قرية “الدور” مجازًا، بل هي فعلاً واجهت وحيدة في منزلها غزاة أتوا على دبابات، بتكليف من حاكم دمشق الجديد، تمامًا كما غزا جيش بشار، وحافظ من قبله، مدنًا سورية.

فوزية الشعراني
تقول رواية قريبتها إن فوزية الشعراني صمدت أمام من استهدفوا منزلها، وحملت بندقيتها، وواجهتهم، وقتلت بعضًا منهم، قبل أن تُقتل. وما عدا روايات الأهالي، لم تؤكد مراجع أخرى قصتها، لكن ما هو أكيد أن السيدة قُتلت في منزلها، وهي تحاول حمايته، كما تقول الروايات.
بهذا المعنى، فوزية الشعراني ماتت بوصفها امرأة شجاعة من خارج كل المعادلات والاحتمالات. تأبى الهروب وتأبى الذل، تدرك حتمية موتها فتختار الموت مدافعة عن بيتها.
لم أستطع مقاومة المقارنة بين فوزية الشعراني وزرقة سباهية…
قبل أشهر، في اللاذقية، وقفت زرقة سباهية أمام قتلة من المتشددين التكفيريين أنفسهم الذين غزوا قرية فوزية. لا بندقية بحوزتها، فقط يدها تتكئ على خاصرتها، وصوتها يجيب قتلة ولديها وهم يشمتون بها بعد قتلهما: “فشرت”. زرقة حرست، برباطة جأش، جثتي ابنيها لأربعة أيام، لأن المسلحين منعوها من دفنهما…

زرقة سباهية
انتشر فيديو سباهية وهي تحرس جثث ابنيها وتواجه قاتليهما، حتى باتت رمزًا في الشجاعة.
فوزية وسباهية، امرأتان مسنّتان، في وجهيهما الكثير من العطف والرقة، لكنهما شديدتا البأس. تمتلكان الشجاعة لمواجهة أسوأ كوابيس البشرية.
لم تستغيثا بأحد، ولم تناشدا الدول وأصحاب الضمائر ولا المنظمات ولا غير ذلك. اعتزمتا مواجهة الرعب وحدهما.
تلاقيهما في الشجاعة نساء من إدلب، يفعلن ما يُعدّ مستحيلاً في حاضنة “جبهة النصرة”. نساء وقفن يرفعن شعار “دم السوري على السوري حرام”، ليجدن أنفسهن ملاحقات من مديرية صحة إدلب، بذريعة أنهن التقطن صورة الاحتجاج أمام مبنى رسمي.
هل باتت أَنسَنة الآخر تستحق المعاقبة؟ وهل رفع شعار تحريم سفك الدم شأنٌ يستحق العقاب؟
نساء إدلب عرفن أن احتجاجهن سيعرضهن للأذى، لكنهن لم يتراجعن. ولم تتراجع كذلك زينة شهلا عندما اعتقلها نظام الأسد، وعندما لاحقها من استفزّه الشعار نفسه الذي رفعته نساء إدلب. زينة بقيت واثقة عندما شتمها الرجل المتشدد وأجابته، ولم تجفل عندما طلب إمداده بعصا لضربها لأنه “لا يلمس النساء”.
هؤلاء النساء على الأرجح لن يدخلن كتب التاريخ كبطلات، لكن لا يعني ذلك أنهن لا يتمتعن بصفات بطولية. مواجهة رجال مسلحين متشددين دينيًا أمر يتطلب شجاعة نادرة. لذلك تتسم مواقفهن بالبطولة لأنهن يتغلبن على خوفهن للدفاع عن أرضهن وأنفسهن وأبنائهن، أو لقول كلمة حق.
بعد تكرار مشاهد القتل والقتل المضاد، ومع دعوات الكراهية ورفع شعارات الحمية الطائفية، نعيش مصيرًا مجهولًا وقاتمًا. فأين نذهب برعبنا؟
لا يُغيثنا سوى شجاعة أمهاتنا وجدّاتنا. وأمهاتنا وجدّاتنا، بالبعد الرمزي لا بصلات الدم، هنّ النساء الحُماة، الثابتات تمامًا كفوزية وسباهية.
عند الشدة يُغثننا، لأننا نستمدّ الشجاعة من استحضار عزمهن ورباطة جأشهن.
بعد مقتل فوزية، سمعت تسجيلًا لامرأة من السويداء توبّخ الرجال الذين تخلّوا عن أرضهم، وتُكمل تعبيرًا عن استعدادها للمواجهة: “منرحش سبايا نحن”. حسمت أمرها، اختارت أن تسير على خطى فوزية، وربما فعلت. وليس الهدف دعوة أحد إلى التسلّح أو إلى الموت، ولا تمجيد القتال والموت كفعل بطولي بحد ذاته، بل القول إن بسالة فوزية تخلق الممكن لسواها، وتمنح من يواجه مصيرًا مشابهًا الشجاعة للمواجهة.
وبينما انشغل عدد من المثقفين والسياسيين والإعلاميين في تبرير السلطة الحاكمة الجديدة في دمشق أو الدفاع عنها، بخطاب يغلب عليه الطابع الطائفي، برزت فوزية كمن لا تنطلي عليها الشعارات الجديدة، ولا تُغريها الألقاب والمظاهر الرسمية. لم تكن بحاجة الى تعريف رسمي كي تميّز هوية الغزاة. كانت تدرك، ككثيرات من النساء، معنى أن تقع امرأة في قبضة جماعات ذات توجهات دينية متشددة.
وعلى رغم محاولات التهوين من هذا الواقع أو تجاهله لأسباب مختلفة، تبقى المخاوف حقيقية، بخاصة حين يتصل الأمر بحقوق النساء وسلامتهن وكرامتهن.
قد لا يجرؤ الكثيرون على الحديث العلني عن تنامي نفوذ تيارات إسلامية متشددة في المشهد السوري، لكن ذلك لا يُلغي الحاجة إلى هذا النقاش، خصوصًا مع صعود شخصيات تنتمي إلى خلفيات تنظيمية مثيرة للجدل. فالتاريخ الحديث لهذه الجماعات يطرح تساؤلات جدية حول شكل الدولة والمجتمع الذي يُراد بناؤه. وإذا كانت شعارات نبذ الإرهاب والتطرف قد رُفعت سابقًا في مواجهة تنظيمات مثل داعش، فإن من الطبيعي التساؤل عن معنى الانفتاح أو القبول بصيغ حكم مشتقة من المنابع الفكرية نفسها، حتى وإن ظهرت بحلّة مختلفة.
ليس الهدف من هذا الطرح التعميم أو وصم فئة كاملة، بل الدعوة إلى موقف واضح من المشاريع التي تعيد إنتاج العنف بأسماء جديدة. فقيام دولة عادلة ومحترِمة لجميع مواطنيها، نساءً ورجالاً، يتطلب رفض كل أشكال التكفير والإقصاء والغزوات الفكرية القادمة من عصور مضت.
قد تتغير الوجوه وتتبدّل التحالفات الدولية، لكن الحقيقة الوحيدة الثابتة أن النساء مثل فوزية وزرقة يبرزن في كل مرحلة كأيقونات للمقاومة والصمود، في وجه القمع أيًّا كان شكله أو مصدره.
إنهن، بمواقفهن الشجاعة، يوسّعن مساحة الممكن، ويمنحن الآخرين شجاعةً على البقاء والمواجهة، حين يعجز كل شيء آخر عن طمأنتنا.
إقرأوا أيضاً:









