تعيد حزمة الفيديوهات المسربة، والتي توثق حالات تعذيب وتنكيل في سجون نظام الأسد المخلوع، كشف أهوال سوريا من جديد. هذه الفيديوهات ليست مادة لإثارة التعاطف مع الضحايا فقط، إنما هي مرآة قاسية لما فعله النظام الأسدي بالجسد السوري. مئات المشاهد من تعذيب وضرب وإهانة واعتداء حتى على الجثث. حفلات عنف وغناء فوق أجساد مكسورة، كأن الجريمة لم تكتف بقتل الإنسان، إنما احتاجت إلى إذلاله بعد موته أو أثناء عجزه. هذه ليست فظائع متفرقة، إنها أرشيف سلطة صنعت وحوشها ولغتها وأخلاقها وطقوسها اليومية في الخوف والطاعة والتشفّي.
أمام هذه المشاهد، لا تظهر الثورة السورية كغضب سياسي فقط، إنما كخروج من جحيم كان الناس يعرفونه، يلمسون أطرافه، أو ينتظرون أن يبتلعهم.
كل أرشيف السلطة السورية يتكشف شيئاً فشيئاً، قصداً أو بمصادفة ما، ولن يكون الفرق هنا ذا أثر كبير. لم تعد الجريمة حكاية يرويها ناج، ولا ذاكرة يحملها أهل أو شعب كامل. نحن في قلب النظام كله، مع أن كلمة نظام نفسها صارت إشكالية، لأنها توحي أحياناً ببنية متماسكة ومنظمة، بينما ما يظهر في هذه الفيديوهات هو شيء أكثر التباساً: فوضى داخل السلطة، تشظٍّ أخلاقي، وقدرة على توزيع العنف بين مؤسسة وعنصر وطبيب وممر وكاميرا وصمت. المرئي هنا لا يكتمل بذاته. الصورة لا تفهم عنّا، ولا تحاكم عنّا، ولا تنقذ الذاكرة وحدها. إنها تفتح باباً، والسؤال هو: من يدخل منه؟ العدالة، أم الانتقام، أم الفرجة؟
وحياة الفيديو في أعيننا تسير بسرعة قاسية بين ثلاثة أدوار: الفيديو كصدمة، والفيديو كأداة سياسية، والفيديو كدليل. في هذه الثلاثية فظائع تحتاج الى تحليل معياري لكل منها.
الفيديو الصدمة
الصدمة لا تقع مرة واحدة. إنها تتجدد مع كل مقطع، كأن العملية السورية المعقدة لا تنتهي. كل فيديو يفتح زمناً آخر من العنف وإمكانياته، ويمنع الماضي من أن يتشكل كماض بسيط، أو كتاريخ مكتمل لإمكانية العدالة. وهذا ليس أمراً عارضاً تماماً، لأن الذاكرة المفتوحة شرط للعدالة، وللإصلاح النفسي والاجتماعي الذي لا يمكن تجاوزه.
الصدمة هنا مفيدة من جهة محددة: إنها رفض أخلاقي لفكرة أن ماضي التعذيب انتهى بمجرد سقوط النظام. ما حدث من سقوط سياسي لا يكفي كي نقول للضحايا إن الجريمة انتهت. سقوط النظام ليس نهاية الحكاية، ولا نهاية الألم، ولا نهاية المطالبة بالاعتراف.هناك أحياناً استقبال احتفالي ومهرجاني للفظائع، كأن مجرد الرؤية يكفي كي تعلن السياسة الجديدة انتصارها. كأن مجرد الرؤية يمكن أن يتحول إلى احتفال سياسي أو إلى تنظيف سريع للمرحلة. لكن المرئي ليس فهماً، والرؤية ليست عدالة، والصورة ليست الحدث الأخير. أن نرى لا يعني أننا فهمنا، ولا يعني أننا أنصفنا، ولا يعني أن السياسة الجديدة انتصرت لأنها سمحت للصورة أن تظهر.
ما تمت رؤيته هو الزاوية الحادة من وجود الضحايا. هو بداية الاعتراف بهم، لا نهايته. أن يظهر الجسد المعذب لا يعني أن الجريمة أغلقت، إنما يعني أن بابها فتح من جديد: من أجل الاسم، ومن أجل الذاكرة، ومن أجل ملف التعذيب وتفاصيله، ومن أجل الحق في معرفة ما حدث. المطلوب هنا هو الفهم لا الفرجة، والعدالة لا الاكتفاء بمشاهدة الفظائع.
سقوط النظام لا يكفي وحده لإنهاء سلطته، لأن أرشيفه ما زال يعمل في أعصاب الناس، في نومهم، في خوفهم، في الخيالات الفظيعة، في بطء موت المعذبين، وفي خيالات الأمهات اللواتي لا يعرفن إن كان ما يشاهدنه خبراً عاماً، أم احتمالاً لأثر شخصي عن ابن أو قريب. تبدو الصدمة كأنها انتظار قسري لمقطع جديد، لا يريده أحد ولا يستطيع أحد منعه أو التحكم به. الدولة والمجتمع عالقان أمام شاشة لا يملكان إغلاقها، ولا وضع إطار مختلف لفهمها، لأن ما يظهر عليها ليس خارج حياتهم، إنما من صميمها المؤجل.
الفيديوهات لا تمر على العين فقط، إنما تهبط على الجسد كله. السوري لا يشاهد من الخارج. يشاهد وهو يعرف، وهو يتذكر، وهو يخاف أن يتعرف إلى وجه، أو صوت، أو يد، أو غرفة، أو جدار، أو صورة قريب، أو جار، أو أخ. لذلك ليست الصدمة هنا صدمة المشاهدة وحدها، إنما صدمة التعرف. كل تسريب إمكانية. أن ترى شيئاً مرعباً شيء، وأن تخاف أن يكون هذا الشيء جزءاً من بيتك وذاكرتك واسم عائلتك شيء آخر.
وفهم الصدمة مركب أيضاً، لأنها ليست في ما يعرضه الفيديو وحده، إنما في شكله وعشوائيته ومصوّريه. المقطع يأتي قصيراً، حاداً، مبتوراً من سياقه، يضرب العين قبل أن يسمح للعقل بأن يبني معنى أو يعطي مؤشرات الى قابلية الفهم. نحن لا ندخل إلى الجريمة من باب تاريخ هادئ، إنما من باب صدمة متكررة: لقطة، صراخ، جسد، وجه، شعار سياسي للأسد، ثم انقطاع. لذلك لا يمنح الفيديو فهماً كاملاً. إنه يفتح جرحاً إدراكياً، يجعلنا نرى أكثر مما نستطيع أن نستوعب، ويتركنا معلقين بين الرؤية والعجز عن الفهم.
والصورة، بفعل الكاميرا ووسائل التواصل، تتجاوز كونها وثيقة. إنها صدمة في الإدراك نفسه. كل مقطع ينتزع الجريمة من الماضي ويرميها في الحاضر، كأن الزمن لم يستقر بعد، وكأن التاريخ لا يستطيع أن يرتب نفسه أمام كثافة الصورة. المرئي لا يتحول فوراً إلى معرفة. قد يكون بداية المعرفة، وقد يكون أيضاً ما يمنعها للحظة، لأنه يهاجم العين والجسد والذاكرة قبل أن يسمح للغة بأن تلحق به.
وليست قوة الفيديو في ما يريه فقط، إنما في ما يجعله غير مرئي أيضاً. نرى الضرب، لكننا لا نرى كل ما سبقه: الأمر، الطريق إلى الغرفة، خوف الأهل، الأيام السابقة، اللغة التي جعلت الجسد مباحاً، المؤسسة التي سمحت، وما حدث بعد توقف المقطع وانقطاعه. نرى الجسد المكسور، لكننا لا نرى حياته كلها: طفولته، بيته، طريقه، أمه، عاداته، والزمن الذي كان فيه إنساناً كاملاً قبل أن تختصره الكاميرا في لحظة كسر وانمحاء.
ثم إن المجتمع يرى في الصورة ما كان مدفوناً في بنيته: الطاعة، الخوف، التشفي، الرغبة في النجاة بالصمت، والقدرة على تحويل الآخر إلى جسد مباح. الصدمة، في أفظع تجلياتها، لا تكشف الجلاد وحده، إنما تكشف ما كان المجتمع يحاول ألا يراه في نفسه. لذلك يصبح المشاهد مذنباً ومفزوعاً في الوقت نفسه: لا لأنه ارتكب، إنما لأنه يرى أن الشر لم يكن بعيداً كما كان يريد أن يعتقد. كان في كل مكان، وهذا قاسٍ.
ثم إن الصدمة لا تتوقف عند أرشيف النظام القديم. بعد سقوط النظام، تظهر صدمات جديدة، الساحل والسويداء نموذجاً. كأن العنف لا يغادر المجال السوري بسهولة، إنما يغير أشكاله ومواضعه وأسماءه. لذلك لا يمكن التعامل مع الفيديوهات كأرشيف مغلق لزمن انتهى. إنها تظهر داخل حاضر ما زال قابلاً لإنتاج الرعب، وتذكرنا بأن سقوط رأس السلطة لا يعني بالضرورة سقوط البنية العميقة للعنف، ولا انتهاء القابلية الاجتماعية والسياسية لإعادة إنتاجه.
ثم إن شيئاً ما من اللامسؤولية والفوضى يظهر على أمنيي الأسد. المعذبون من كل الأعمار، وآتون بعنف لا واع، حاد ومفصلي وتجريمي، يظهر في سلوكهم مع الدم والجسد والخوف. كأنهم لا ينفذون فعلاً واضحاً، إنما يدخلون في طقس طويل من إباحة الإنسان. الجسد المعذب لا يرتبط عندهم بالموت أو الألم، بل يتحول إلى مادة للغناء والتشفي والتحقير. هناك خلل في فهم أي شيء من مقومات الحداثة نفسها: كل مكان يمكن أن يثبت فيه جسد أمامهم سيضربونه.
ضابط يضرب، عنصر يصور أصدقاءه ولا ينسى أن يدير الكاميرا ليصور نفسه، طبيب يسكت أو يتأمل حفلات الضرب، مؤسسة تفتح المكان، وسلطة تجعل الجميع شركاء ثم تترك المسؤولية بلا صاحب واضح. هنا تعاد الصدمة إلى سؤالها الأصعب: على من تقع المسؤولية، وما دور المشاهد أمام هذه الفظائع؟
ليست المسألة أن النظام كان بنية منظمة تماماً. كلمة نظام نفسها تخدع أحياناً، لأنها توحي بصلابة هندسية لا نراها دائماً في هذه المقاطع. نماذج العنف المعروفة وفق قواعد نازية وستالينية وفاشية لا تكفي وحدها لفهم ما يحدث. ما يظهر هو بنية فوضوية: خليط من أمر وخوف وغريزة ومبادرة فردية وتواطؤ مؤسسي وما قبل مؤسسي. سلطة تعرف كيف تصنع العنف، ثم تتركه يتشظى في الأيدي الصغيرة، حتى لا يعود واضحاً أين يبدأ القرار وأين تنتهي الرغبة الشخصية في الإذلال والعمل داخله.
وهذه البنية الفوضوية لا تبدأ من لحظة الأسد وحدها. جزء من جذورها السورية مختلط بتاريخ أقدم، تاريخ مشوب بصدمات العنف الأمني منذ زمن الوحدة والناصرية وعبد الحميد السراج، حين بدأت الدولة الأمنية تتعلم كيف تجعل الجسد السياسي عدواً قابلاً للمحو. في الذاكرة السورية واللبنانية تبقى تصفية فرج الله الحلو وإذابة جسده بالأسيد علامة صادمة ومبكرة على هذا الخيال الأمني: ليس قتل الخصم فقط، إنما محو أثره، محو جسده، ومحو إمكانية أن يبقى شاهداً على الجريمة. وفي كل خطاب استمر للناصرية، تم محو المعذِّبين والمعذَّبين معاً.
الصدمة اليوم أكبر، لأنها صارت مصورة ومتكاثرة ومفتوحة أمام الجميع، لكنها لا تأتي من فراغ. جذورها العنيفة تختلط في تاريخ طويل، وكل فلسفة للفعل الكثيف كانت على جسد. صدمة الجريمة تتطور حتى يظن المشاهد نفسه مذنباً لأنه سكت للحظة، أو عجز، أو نجا. الجريمة في سوريا ليست فعلاً فردياً صافياً، ولا أمراً مؤسسياً معلناً بالكامل، إنما شبكة متداخلة من الأدوار الملتبسة: يد تضرب، عين تنظر، كاميرا تحفظ، باب يفتح، ومؤسسة تسمح بأن يتحول الإنسان إلى مادة للضرب والإهانة.
الفيديو: الكاميرا كأداة سياسية
يأتي الفيديو بعد الصدمة كأداة سياسية. هنا لا يعود المقطع مجرد دليل على الجريمة، إنما يصير قابلاً لأن يحمل معنى آخر، وأن يدخل في تداول الحرب الأهلية المستمرة: خوف، طائفية، غضب، قول سياسي ما قبل حديث، ودعوات انتقام. لكن قبل أن نصل إلى هذا التداول، هناك ما هو أعمق: الكاميرا نفسها. الكاميرا ليست شاهداً محايداً، إنها فاعل مركب في الصلة والمعنى، وليست بريئة داخل العنف أبداً.
إقرأوا أيضاً:
في سوريا، أنشأ النظام مسارح صغيرة مصورة: غرفاً، ممرات، سيارات، مستشفيات، وأماكن عابرة تتحول إلى خشبات تعذيب. صُورت هذه المشاهد لأسباب كثيرة، لكن ما تكشفه ليس التوثيق وحده. الجلاد لا يكتفي بالفعل، إنما يريد أن يظهر داخله. يريد أن يرى نفسه وهو يعذب، أن يترك أثراً، أن يصنع من الجريمة ذاكرة خوف، وأن يظهر بشعره ومظهره وصوته قرب المصور. كأن العنف لا يكتمل إلا حين يصير مشهداً.
الجلاد السوري، كما تكشفه هذه المقاطع، جلاد أدائي وفقير الصيغة الذاتية. لا ينتج نفسه كشخص مستقل، لا بلباس، ولا بهيئة، ولا بملامح فردية واضحة. يظهر ككائن ذائب في جهاز، في ولاء، في طائفة مخوف منها، وفي سلطة تمنحه حقاً مشوهاً في الظهور. إنه حق وحيد تقريباً: أن يظهر مع أداة، وعنف، وصوت، وطريقة لا اعتراض عليها. كأن السلطة لا تمنحه شخصية، إنما تمنحه إذناً بأن يفعل شيئاً، وأن يرى نفسه وهو يفعله.
المعذب لا يملك صورة عن نفسه خارج العنف، لذلك يجد في العنف صورته الوحيدة الممكنة. الكاميرا تمنحه شكلاً، لكنه شكل قائم على استحقاق الوجود لأنه يعنف ويحتفل بعنفه. يظهر لأنه يضرب. يتشخصن لأنه يهين. يصير مرئياً لأنه يقف فوق جسد مكسور، مذاب من التعب والخوف. لا يظهر كفرد مكتمل، إنما كذات ناقصة تبحث عن نفسها في فعل القتل أو التعذيب.
هنا تختلط أزمنة عدة: زمن الفعل، وزمن الظهور، وزمن الذاكرة. لحظة التعذيب ليست لحظة واحدة. إنها محمولة على لحظات سابقة من الخوف والكراهية والولاء والإذن الضمني. التعذيب يحدث في الحاضر، لكن التصوير يجعله قابلاً للبقاء. القاتل يريد أن يكون بطلاً مشهدياً في زمنه، وأن يترك للزمن اللاحق صورة عن قوته، حتى من دون أن يعي ذلك. رأينا هذا حتى بعد سقوط النظام، في مجازر ومشاهد قتل ورمي جثث، حيث يضع بعض السوريين أثرهم في العالم بالموت. إنها لحظات كثيفة لأداء مسرحي وحيد، مونولوج قهري، كأن الذات لا تجد ما تقوله عن نفسها إلا عبر جسد ميت أو معذب.
هذه ليست قوة دولة تتسيد العنف كي تحوله إلى قانون أو عدل أو منظومة. إنها قوة دولة فاشلة في السياسة والاجتماع، تركت العنف يتمدد في الإهمال والولاء والفقر والطائفية والخوف. لذلك لا يظهر الجلاد كفاعل عقلاني داخل دولة، إنما ككائن خرج من خرابها، من خمسين عاماً من الأسدية، ومن داخل عتيم وفقير وقاس، لا يعرف كيف ينتج ذاته إلا في مشهد الإذلال.
من هنا تأتي فكرة الشايف والمنشاف وفعل الشوف. الرؤية ليست ثنائية بسيطة بين عين وموضوع، ولا كاميرا ترصد من الخارج. هناك الشايف الأول: الجلاد أو من يمسك الكاميرا. وهناك المنشاف الأول: الجسد المعذب أو المقتول. وهناك فعل الشوف نفسه: الكاميرا كأداة سلطة وإذلال عمومي، وكبديل عن الكتاب والحزب والتداول والفعل بالكلام والحوار. الكاميرا لا تنقل العنف من الخارج، إنها تنظمه. تحدد من يملك النظر، ومن يقع عليه النظر، ومن يظهر كفاعل، ومن يتحول إلى جسد مسلوب أو منتهك.
لكن حين يصل الفيديو إلينا الآن، لا تبقى الرؤية ثلاثية فقط، تصير رباعية. يدخل الشايف اللاحق: نحن، الأهالي، الناجون، الغاضبون، المنظمات، الباحثون عن دليل، والباحثون عن انتقام. ويدخل أيضاً سؤال النظام نفسه: من أعطى الأمر؟ من سمح بالتصوير؟ من جعل الجلاد مطمئناً إلى أن صورته مع الجريمة ليست خطراً عليه، إنما علامة ولاء وقوة؟
هذا المشاهد اللاحق لا يرى من فراغ. يرى من ذاكرته، من خوفه، من فقده، من موقعه السياسي، ومن حاجته إلى معنى. لذلك لا يبقى الفيديو هو نفسه في كل عين. عند الجلاد كان المشهد افتخاراً بالقوة، وظهوره الوحيد الممكن: ذات لا تعرف العالم كأمل، إنما كعلاقة مع الموت. عند الأم قد يصير احتمال ابن، مأساة الابن المنشاف بعيني أمه في أقسى ما يحتمل. عند الناجي قد يصير عودة إلى ألم لا يعرف كيف يتصرف معه. عند الجمهور قد يصير صدمة تدفع إلى موقف ما. وعند الخطاب الانتقامي قد يصير وقوداً ممتازاً.
المنتقمون أولاد الكاميرا أيضاً. ليس لأنهم صوروا الجريمة، إنما لأنهم قد يرثون صورتها كما أرادها الجلاد: قوة، إذلال، وخوف. هنا يصبح الخطر أن تبقى العين اللاحقة أسيرة العين الأولى، وأن نرى كما أراد الجلاد أن نرى. لذلك لا تكون مهمة الذاكرة أن تكرر الفرجة، إنما أن تكسر عين الجلاد داخل الفيديو، وأن تنقل الصورة من مشهد إذلال إلى معرفة بالجريمة، ومن ذاكرة خوف إلى سؤال عدالة.
الفيديو لا يملك صوتاً واحداً. فيه صوت الجلاد وهو يفتخر، وصوت الضحية ولو كان صامتاً، وصوت الأهل وهم يبحثون، وصوت الجمهور وهو يغضب، وصوت الطائفة وهي تريد أن تفسر، وصوت العدالة وهي تطلب الأسماء. الخطر أن يبتلع صوت واحد كل الأصوات: صوت الانتقام، أو صوت الطائفة، أو صوت السلطة. العدالة تبدأ حين نمنع الصوت الأعلى من أن يصير الحقيقة كلها، وحين نعيد الى الضحية صوتها، والى الأهل سؤالهم، والى الجريمة ملفها.
المرئي ليس عدالة: ماذا تفعل بنا فيديوهات التعذيب السورية؟
بعد الصدمة وبعد الكاميرا، يبدأ السؤال الأصعب: كيف نمنع الفيديو من أن يتحول من دليل إلى نار؟ فالمقاطع المسربة لا تعيش في فراغ، ولا تصل إلى عين محايدة. إنها تدخل إلى مجتمع جريح، فقير بالسياسة، فقير بالمؤسسات، ومثقل بخوف طائفي وذاكرة أهلية مفتوحة. لذلك قد يبدأ الفيديو كدليل على الجريمة، ثم يتحول بالتعليق والغضب والتداول إلى مادة فرز وانتقام.
في السياق السوري، يبحث الألم عن شكل سريع، لا يملك دائماً مؤسسة تستوعبه، ولا لغة عدالة تضبطه، ولا ذاكرة مشتركة قادرة على تسمية الجريمة من دون تحويلها إلى حرب جديدة. لذلك تشتغل أدوات الربط الجاهزة، اللهجة كطائفة، المنطقة كطائفة، الطائفة كحكم، الذاكرة الأهلية كمرجع، والانتقام كخلاص. هنا لا تعود الصورة بريئة من طريقة تداولها. الفيديو الذي يفترض أن يفتح طريقاً نحو العدالة قد يتحول إلى نار جديدة، إذا حُمّل معنى جماعياً واسعاً: هؤلاء جلادون، هؤلاء ضحايا، هؤلاء مسؤولون لأنهم يشبهون الصوت، أو ينتمون إلى المكان، أو يأتون من الذاكرة نفسها التي جاء منها الجلاد.
المشكلة أن هذا الاختصار يحجب أصل العنف وتعقيده، لم يولد هذا العنف من الهوية وحدها، إنما خرج من تقاطع الطائفية والفقر والانتقام والأمراض الاجتماعية، ومن بذرة النظام العسكري والإبادة الأسدية، ومن غياب أفق سياسي قادر على إبراز الفرد كفرد، لا كعضو في جماعة مغلقة أو طائفة أو منطقة أو لهجة. حين لا يظهر الناس كمواطنين داخل مؤسسات، يظهرون كجماعات محكومة بالخوف والحاجة والولاء. وحين يغيب التحقيق والعدالة، تتحول الهوية إلى تفسير سريع، والذاكرة إلى محكمة أهلية وطائفية.
والدولة ليست جهازاً فقط، إنها مخيلة أيضاً أن نصدق أن المستشفى للعلاج، والقانون للحماية، والمكتب للإدارة، والطريق للعبور والعيش والتشارك. ما تكشفه الفيديوهات أن هذه المخيلة انكسرت في سوريا. لم تعد الأشياء تحمل أسماءها. صار المستشفى غرفة عنف، والسيارة مكان خطف، والمكتب امتداداً للتحقيق، والطريق احتمالاً للموت والدفن.
هنا لا ينهار الجسد المعذب وذووه وحدهم، بل تنهار معهم دلالة العالم الحديث. وحين تنهار هذه الدلالة، يصبح الطريق إلى العدالة أصعب، لأن العدالة تحتاج الى عالم لا تزال فيه الكلمات تعمل: مستشفى، قانون، شاهد، مؤسسة، مسؤولية، ملف. هنا تظهر الطائفة كاختصار سريع ومريح للألم.
اللهجة تصير هوية، والهوية تصير مُتاحة، لكن هذا الاختصار خطر. الطائفة حاضرة في كل سياق سوري، ولا يمكن تجاهلها أو تبرئتها بكلمات مريحة، لكنها ليست التفسير الوحيد لكل عنف. إذا قلنا إن كل شيء طائفة فقط، أخفينا السلطة، والفقر، والجهاز، والولاء، وسلسلة الأوامر، والبيئة التي صنعت القسوة. وإذا نفينا الطائفة تماماً، أخفينا واحدة من أقوى لغات الخوف في سوريا.
الطائفية ليست زينة على العنف، وليست تفصيلاً خارجياً عنه. هي تدخل في الخوف، في الولاء، في توزيع الثقة، في الذاكرة، في الجيش، في الأمن، في الحي، في اللهجة، وفي طريقة قراءة الجسد الآخر. لكنها في الوقت نفسه لا تكفي وحدها كي تفسر الجريمة. فالطائفة ليست فاعلاً تاريخياً بسيطاً، وليست اسماً كافياً لتفسير كل ما حدث. إنها علاقة، وموقع، وتاريخ، ومؤسسات، وخوف، ومصالح، وأفراد مختلفون داخل اسم واحد يجمعهم. حين نختصرها إلى كتلة مغلقة، نكون قد جعلنا الهوية بديلاً عن التحقيق، وجعلنا الانتماء يقوم مقام الفعل، وهذا يتيح للفعل عوداً أبدياً.
لذلك، المسألة ليست أن نثبت الطائفة أو ننفيها بل أن نفهم كيف تدخل الطائفة في العنف، وكيف يستعملها العنف، وكيف تتحول أحياناً من تفسير إلى إمكانية لحمل السلاح. العنف يستطيع أن ينتقل بين الرايات واللغات والهويات، وأن يعيد إنتاج نفسه كلما وجد سلطة وسلاحاً وجماعة وخوفاً. ولهذا لا يكفي أن نقول طائفة، ولا يكفي أن نقول جريمة فردية. المطلوب أن نرى الشبكة كلها.
المشكلة ليست في الولاء نفسه، إنما في موضوع الولاء. هناك ولاء يجعل الإنسان أوسع من جماعته ويتجاوزها، وولاء آخر يرده إلى جماعة ضيقة. العدالة تحتاج الى ولاء للضحية كإنسان والتفكير فيه، لا للطائفة كجسد مغلق وتفسير وحيد. تحتاج الى ولاء للحقيقة وهذا مكلف ويحتاج الى مشروع لنزع الانتقام. حين يصبح الولاء للطائفة أقوى من الولاء للضحية، تتحول الجريمة من ملف إلى راية، راية تسير معها الجماعات من دون أي تفكير.
والعدالة تحتاج الى أفق فهم، لا ردة فعل فقط. لا يمكن أن ندخل إلى الفيديو بعين جاهزة، عين طائفة، أو عين انتقام، أو عين فرجة. علينا أن نبطئ الحكم كي نرى ما في الصورة وما حولها، الجسد، الصوت، المكان، الرتبة، الأمر، المؤسسة، والخوف الذي سبق اللقطة. الفهم هنا ليس من أجل أي تبرئة، إنما إبطاء للموت والمشاركة فيها كي لا يصير حكماً جماعياً. من دون هذا الإبطاء، تتحول الصورة إلى ما نريد أن نراه فيها، لا إلى ما يمكن أن تقوله فعلاً؛ أي أن تقول أكثر من أن تجعل ردّة فعلنا انتقاماً فقط.
والفيديو كل فيديو لا يملك صوتاً واحداً. فيه صوت الجلادين وهم يفتخرون، وصوت الضحية ولو كان صامتاً، وصوت الأهل وهم يبحثون، وصوت الجمهور وهو يغضب وينفعل، وصوت الطائفة وهي تريد أن تفسر، وصوت العدالة وهي تطلب الأسماء. الخطر أن يبتلع صوت واحد كل الأصوات التي تحتاج الى تأويل، صوت الانتقام، أو صوت الطائفة، أو صوت السلطة، العدالة تبدأ حين نمنع الصوت الأعلى من أن يصير الحقيقة كلها، وحين نعيد الى الضحية صوتها، والى الأهل سؤالهم، والى تاريخ سوريا معنى ممكناً.
هنا تبدأ مشكلة العدالة. العدالة لا تحاكم اسماً عاماً: لا طائفة، ولا لهجة، ولا منطقة. العدالة تنزل من الاسم الكبير إلى الفعل المحدد: من الذي ضرب؟ من الذي أمر؟ من الذي صور؟ من الذي فتح الباب؟ من الذي سكت بحكم موقعه؟ من الذي حمى الجريمة بعد وقوعها؟ من استفاد من الصمت؟ ومن ضمن أن تبقى الجريمة بلا صاحب واضح؟
أما الفيديو كدليل، فهنا يظهر الأهالي في قلب المشهد. الأهالي لا يشاهدون كما يشاهد الرأي العام. لا يبحثون عن خبر، ولا عن مادة للتعليق، ولا عن دليل مجرد. إنهم يبحثون عن أثر: وجه، صوت، قميص، حركة يد، طريقة سقوط، احتمال أخير لمعرفة ما حدث لمن غابوا. هذه ليست مشاهدة، إنها بحث عن المفقود داخل الرعب. قد تكون مشاهدتنا للفيديو محاولة للفهم والتفكّر، لكن بالنسبة إلى العائلات تتحوّل الفيديوهات إلى طريق نحو مقبرتهم؛ إنهم مقذوفون إلى الموت مراراً، وإنهم في ثلاجة موتى حارّة. الأم لا ترى فيديو، بل قد ترى احتمال ابنها.
لذلك لا يكفي أن نقول إن الأرشيف انكشف، السؤال الأهم كيف سننظر إليه كطريق إلى العدالة؟
الذاكرة ليست بريئة. من يروي الماضي يملك جزءاً من معناه، ومن ينشر الصورة يشارك في تحديد مصيرها. ضبابية الناشرين للفيديوهات تتحول إلى دائرة عنف جديدة: هل تصير دليلاً، أم فرجة، أم وقوداً للانتقام؟ لذلك يجب ألّا تُسحب الضحية من اسمها كي تصير مادة في خطاب جماعي. الجسد المعذّب ليس ملكاً للجلاد، ولا للسلطة الجديدة، ولا للطائفة، ولا للانتقام. هو أثر إنسان يجب أن يعود إلى اسمه وملفّه وسياقه وحق أهله في المعرفة…
هنا تقع مسؤولية السلطة والمجتمع معاً. ليست المسؤولية أن تُمنع الصور أو تُدفن من جديد، إنما أن يُوضع لها إطار عادل في التداول: حماية كرامة الضحايا، تنبيه الأهالي، حفظ الأدلة، منع التحريض الطائفي، وإتاحة خبرات في العدالة الانتقالية والدعم النفسي والاجتماعي. من دون هذا الإطار، يصبح صوت الانتقام أعلى من صوت العدالة، وتصير الذاكرة نفسها ساحة جديدة للعنف، بدل أن تكون طريقاً إلى المحاسبة والاعتراف.












