fbpx

عن أحلامنا وكوابيسنا التي وضبناها في صندوق خشبي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من نحن؟ نحن تلك القصص المنثورة التي لم تعد قادرة على الوصول إلى خواتيمها في البقعة الجغرافية التي يطلق عليها اسم لبنان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ أشهر، يكاد لا يخلو أسبوع واحد من قراءة مقال يحكي عن وجع تجربة لكاتبه أو لكاتبته. مقالات كثيرة، تعج بالسرديات الفردية التي تعكس حجم الأزمات التي واجهناها وما زالت تواجهنا، كُتبت بصدق وبحسرة وخوف. سرديات لمن بقي في لبنان وسرديات لمن هجره. نحن لم نعد أفراداً يتحكمون بمصائرهم وتجاربهم. لم نعد قصصاً مختلفة وإن تمايزنا بالتفاصيل. لم نعد قادرين على تجنب تعميم الخاص فينا. بتنا قضية عامة. قضية جيل تعرض للانتهاكات بشكل غير مسبوق. جيل اختبر معظم أدوات التعذيب وفنون النهب وأساليب القتل التي مارسها حكامه. جيل ذنبه أنه حلم يوماً ببقعة آمنة وبأن من حقه أن يعيش.

من نحن؟ نحن تلك القصص المنثورة التي لم تعد قادرة على الوصول إلى خواتيمها في البقعة الجغرافية التي يطلق عليها اسم لبنان. نحن حكايا الجيل السابق والجيل الحالي والجيل الآتي. نحن ورثة النكبات والنكسات. نحن من بقي بعد الحرب وخلال السلم الهش. نحن شهود الحروب الصغيرة والمتنقلة بين بيوتنا في ظل السلم الأهلي. نحنا أولاد المصادفة الذين يحصلون على أمنهم وسلامتهم بين رصاص الابتهاج وقذائف الإشكالات الفردية. نحن من نجا من القتل المتعمد الذي مارسه النظام الحاكم لعشرات السنوات. نحن هؤلاء الذين تعرضوا للإذلال والإفقار والنهب الموصوف، من دون أي حيلة له سوى الصراخ في الشارع. في الشارع الذي نجونا منه بأعين مقلوعة. هذه “النحن” التي عرفناها، مشحونة بالذكريات والانفعال والإحساس والأفكار والهوامات والأدلجة. نحن ذاك الحقل الذي راكم التشوهات فوق التشوهات على المستويات المعيشة كافة. نحن جماعة هُزمت، فمنها من غادر ومنها من راح يبحث “ربما” عن خاتمة أفضل. نحن شهادات حيّة عن الناجين بأجسادنا على أبعد تقدير. 

في صندوق خشبي تكمن القصة كلها، بطابعها الخاص وبطابعها العام. في صندوق، يتسع لجثّة، هجرنا مجتمعنا وحملنا معنا كل ما استطعنا حمله، أما البقية فحملناها بصندوق الذاكرة المؤلمة.

لم يعد يفصل قصصنا الفردية أي هامش، بتنا جماعة اللاشيء، جماعة اللاوطن واللاغربة. جماعة جُرّدت من الإنماء، لا بل جُرّدت من ذواتها حتى أصبحنا فيها أهداف رماية لمجموعة من القتلة المهووسين بتعذيب ضحاياهم قبل القتل. لذلك حين أقرأ المقالات المختلفة عن تجارب أفراد حول الوطن والهجرة، لا أقرأها إلا كحالة عامة مشتركة تورطنا فيها جميعاً، على رغم خصوصياتها. لا يعنيني الانتماء إلى وطن بقدر ما تعنيني ذاكرتي بشقيها: تلك التي فُرضت علينا وأخرى راكمناها برضانا. ذاكرتي التي يعيش فيها كل من أحب وكل ما أحب. الذاكرة حقيبة ظهر تجعلني أحدب الرحلة الطويلة. رحلة تبدأ بقصة فردية وتنتهي بقصة جماعة تطارد لحظات الأمان أينما وجد. جماعة الذين هاجروا هذه البلاد، ويعيشون بذاكرتين: ذاكرة المكان والناس التي هجرناها وذاكرة المكان والناس التي نراكمها. كل خطوة في المهجر يعمل فيها الدماغ تحت تأثير المقارنة وتختلط المشاعر بين الحزن والفرح والحنين والدهشة المستجدة، بين الاستمتاع بالتجربة الحديثة والشعور بالذنب… هكذا دوليك حتى تحسب أنك في عالمين متوازيين لا يلتقيان إلا في ذاكرتك. 

صندوق خشبي 

في صندوق خشبي تكمن القصة كلها، بطابعها الخاص وبطابعها العام. في صندوق، يتسع لجثّة، هجرنا مجتمعنا وحملنا معنا كل ما استطعنا حمله، أما البقية فحملناها بصندوق الذاكرة المؤلمة. في الصندوق الخشبي ترتاح شهادة الدكتوراه من غبار بيروت، حيث انتظرت 8 سنوات لاستخدامها ولم أفلح في ذلك. في الصندوق عينه أدوات الرسم ولوحات ظلت خارج “سيستام البزنس” الفني لصالات العرض في بيروت. وفي الصندوق أيضاً، أدوات العمل الحرفي (النجارة) الذي اخترته بديلاً لمنعي من التعليم في الجامعة. أدوات منحنتني فرصة عيش وصنعت منها مستقبلاً لثلاث سنوات وانتهت بانفجار الرابع من آب. ذاك الكابوس العالق في الصندوقين معاً. بين الصندوقين تكمن حكاية الخوف والأمن المرجو، حكاية الوطن والهجرة وكل تضاعيف الذاكرة الجمعية. صندوقان لرواية كنت أحسب أنها خاصة حتى باتت عامة ومشتركة ومتداولة. تجربة جاهزة للتصدير عند بدء أي حديث عن لبنان.

أخرجنا روايتنا إلى العلن وبتنا جزءاً من مشهد عام بكامل تفاصيله. لقد أخرجنا السؤال الذي لطالما أخفيناه، من نحن أصلاً

بعدما تمكنا من تدبير مستلزمات رحلة البعد من لبنان قدر المستطاع، وضعنا أحلامنا البسيطة على وجه الصندوق وأقفلناه على وجه السرعة وأرسلناه إلى بقعة نعتقد أنها آمنة، راهنا على هذا الصندوق كثيراً وحمّلناه أكثر من قدرته الاستعابية. وصلنا إلى محطتنا التالية مع كل الحظ الجيد الذي رافقنا خلال وجودنا فيها حتى الآن. وصل الصندوق الذي حسبناه خشبة خلاصنا، الصندوق الذي فيه أشياء خاصة، هذا ما اعتقدناه على الأقل حتى فتحناه، وأخرجنا منه كل ما تبقى لنا، وكل ما تبقى منا. أخرجنا منه أحلامنا والكابوس واضطرابات الذاكرة السقيمة. أخرجنا صور الذين نحبهم الموضوعة في إطار الخوف عليهم. أخرجنا الخيبات والنكسات الموروثة، وتلك التي حصلنا عليها بجهدنا. أخرجنا أصواتاً وأحاديث حفظناها. أخرجنا الكثير من المشاهد التي تراكمت منذ عشرات السنين. كما أننا أخرجنا روايتنا إلى العلن وبتنا جزءاً من مشهد عام بكامل تفاصيله. لقد أخرجنا السؤال الذي لطالما أخفيناه، من نحن أصلاً؟

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
11.11.2020
زمن القراءة: 4 minutes

من نحن؟ نحن تلك القصص المنثورة التي لم تعد قادرة على الوصول إلى خواتيمها في البقعة الجغرافية التي يطلق عليها اسم لبنان.

منذ أشهر، يكاد لا يخلو أسبوع واحد من قراءة مقال يحكي عن وجع تجربة لكاتبه أو لكاتبته. مقالات كثيرة، تعج بالسرديات الفردية التي تعكس حجم الأزمات التي واجهناها وما زالت تواجهنا، كُتبت بصدق وبحسرة وخوف. سرديات لمن بقي في لبنان وسرديات لمن هجره. نحن لم نعد أفراداً يتحكمون بمصائرهم وتجاربهم. لم نعد قصصاً مختلفة وإن تمايزنا بالتفاصيل. لم نعد قادرين على تجنب تعميم الخاص فينا. بتنا قضية عامة. قضية جيل تعرض للانتهاكات بشكل غير مسبوق. جيل اختبر معظم أدوات التعذيب وفنون النهب وأساليب القتل التي مارسها حكامه. جيل ذنبه أنه حلم يوماً ببقعة آمنة وبأن من حقه أن يعيش.

من نحن؟ نحن تلك القصص المنثورة التي لم تعد قادرة على الوصول إلى خواتيمها في البقعة الجغرافية التي يطلق عليها اسم لبنان. نحن حكايا الجيل السابق والجيل الحالي والجيل الآتي. نحن ورثة النكبات والنكسات. نحن من بقي بعد الحرب وخلال السلم الهش. نحن شهود الحروب الصغيرة والمتنقلة بين بيوتنا في ظل السلم الأهلي. نحنا أولاد المصادفة الذين يحصلون على أمنهم وسلامتهم بين رصاص الابتهاج وقذائف الإشكالات الفردية. نحن من نجا من القتل المتعمد الذي مارسه النظام الحاكم لعشرات السنوات. نحن هؤلاء الذين تعرضوا للإذلال والإفقار والنهب الموصوف، من دون أي حيلة له سوى الصراخ في الشارع. في الشارع الذي نجونا منه بأعين مقلوعة. هذه “النحن” التي عرفناها، مشحونة بالذكريات والانفعال والإحساس والأفكار والهوامات والأدلجة. نحن ذاك الحقل الذي راكم التشوهات فوق التشوهات على المستويات المعيشة كافة. نحن جماعة هُزمت، فمنها من غادر ومنها من راح يبحث “ربما” عن خاتمة أفضل. نحن شهادات حيّة عن الناجين بأجسادنا على أبعد تقدير. 

في صندوق خشبي تكمن القصة كلها، بطابعها الخاص وبطابعها العام. في صندوق، يتسع لجثّة، هجرنا مجتمعنا وحملنا معنا كل ما استطعنا حمله، أما البقية فحملناها بصندوق الذاكرة المؤلمة.

لم يعد يفصل قصصنا الفردية أي هامش، بتنا جماعة اللاشيء، جماعة اللاوطن واللاغربة. جماعة جُرّدت من الإنماء، لا بل جُرّدت من ذواتها حتى أصبحنا فيها أهداف رماية لمجموعة من القتلة المهووسين بتعذيب ضحاياهم قبل القتل. لذلك حين أقرأ المقالات المختلفة عن تجارب أفراد حول الوطن والهجرة، لا أقرأها إلا كحالة عامة مشتركة تورطنا فيها جميعاً، على رغم خصوصياتها. لا يعنيني الانتماء إلى وطن بقدر ما تعنيني ذاكرتي بشقيها: تلك التي فُرضت علينا وأخرى راكمناها برضانا. ذاكرتي التي يعيش فيها كل من أحب وكل ما أحب. الذاكرة حقيبة ظهر تجعلني أحدب الرحلة الطويلة. رحلة تبدأ بقصة فردية وتنتهي بقصة جماعة تطارد لحظات الأمان أينما وجد. جماعة الذين هاجروا هذه البلاد، ويعيشون بذاكرتين: ذاكرة المكان والناس التي هجرناها وذاكرة المكان والناس التي نراكمها. كل خطوة في المهجر يعمل فيها الدماغ تحت تأثير المقارنة وتختلط المشاعر بين الحزن والفرح والحنين والدهشة المستجدة، بين الاستمتاع بالتجربة الحديثة والشعور بالذنب… هكذا دوليك حتى تحسب أنك في عالمين متوازيين لا يلتقيان إلا في ذاكرتك. 

صندوق خشبي 

في صندوق خشبي تكمن القصة كلها، بطابعها الخاص وبطابعها العام. في صندوق، يتسع لجثّة، هجرنا مجتمعنا وحملنا معنا كل ما استطعنا حمله، أما البقية فحملناها بصندوق الذاكرة المؤلمة. في الصندوق الخشبي ترتاح شهادة الدكتوراه من غبار بيروت، حيث انتظرت 8 سنوات لاستخدامها ولم أفلح في ذلك. في الصندوق عينه أدوات الرسم ولوحات ظلت خارج “سيستام البزنس” الفني لصالات العرض في بيروت. وفي الصندوق أيضاً، أدوات العمل الحرفي (النجارة) الذي اخترته بديلاً لمنعي من التعليم في الجامعة. أدوات منحنتني فرصة عيش وصنعت منها مستقبلاً لثلاث سنوات وانتهت بانفجار الرابع من آب. ذاك الكابوس العالق في الصندوقين معاً. بين الصندوقين تكمن حكاية الخوف والأمن المرجو، حكاية الوطن والهجرة وكل تضاعيف الذاكرة الجمعية. صندوقان لرواية كنت أحسب أنها خاصة حتى باتت عامة ومشتركة ومتداولة. تجربة جاهزة للتصدير عند بدء أي حديث عن لبنان.

أخرجنا روايتنا إلى العلن وبتنا جزءاً من مشهد عام بكامل تفاصيله. لقد أخرجنا السؤال الذي لطالما أخفيناه، من نحن أصلاً

بعدما تمكنا من تدبير مستلزمات رحلة البعد من لبنان قدر المستطاع، وضعنا أحلامنا البسيطة على وجه الصندوق وأقفلناه على وجه السرعة وأرسلناه إلى بقعة نعتقد أنها آمنة، راهنا على هذا الصندوق كثيراً وحمّلناه أكثر من قدرته الاستعابية. وصلنا إلى محطتنا التالية مع كل الحظ الجيد الذي رافقنا خلال وجودنا فيها حتى الآن. وصل الصندوق الذي حسبناه خشبة خلاصنا، الصندوق الذي فيه أشياء خاصة، هذا ما اعتقدناه على الأقل حتى فتحناه، وأخرجنا منه كل ما تبقى لنا، وكل ما تبقى منا. أخرجنا منه أحلامنا والكابوس واضطرابات الذاكرة السقيمة. أخرجنا صور الذين نحبهم الموضوعة في إطار الخوف عليهم. أخرجنا الخيبات والنكسات الموروثة، وتلك التي حصلنا عليها بجهدنا. أخرجنا أصواتاً وأحاديث حفظناها. أخرجنا الكثير من المشاهد التي تراكمت منذ عشرات السنين. كما أننا أخرجنا روايتنا إلى العلن وبتنا جزءاً من مشهد عام بكامل تفاصيله. لقد أخرجنا السؤال الذي لطالما أخفيناه، من نحن أصلاً؟

11.11.2020
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية