لم أكن أعرف أن المغادرة تحدث على دفعات، وأن الغياب لا يهبط مرّة واحدة، بل يتسرّب مثل هواء خفيف، لا تراه، لكنّه يعبث بكلّ تفاصيل حياتك.
غادرت صديقتي منذ سنوات. ومنذ نحو السنتين، حزم أخي الأصغر حقائبه وهاجر إلى كندا، مستوفياً كلّ الشروط للموافقة على طلبه، للحصول على امتياز الهجرة إلى تلك البلاد البعيدة، التي يعمّها السكون والاستقرار واحترام الإنسان، بغضّ النظر عن مهنته، أو دينه، أو مكانته الاجتماعية. أخي الذي لم يكن يوماً يفكّر في الهجرة، إلى أن ضاق لبنان الصغير بأحلامه الكبيرة، وطموحه الذي لا حدود له. كان كلّ من صديقتي وأخي يخطّطان للرحيل منذ زمن، لكنّني كنت أتعامل مع الفكرة كما أتعامل مع الأخبار السيّئة، التي نظنّ أنها ستحدث “لغيرنا” دائماً.
في البداية، بدا كلّ شيء عادياً. جلساتنا، رسائلنا السريعة، أحاديثنا الصغيرة عن اللا شيء. لم يكن في الأفق ما يُوحي بأن هذه الحياة اليومية، بكلّ تكرارها ومللها الجميل، ستفقد توازنها قريباً. حتى جاء يوم الرحيل، وكأن أحداً سحب السجادة من تحت العالم كلّه.
ودّعت صديقتي في منزلها بعيداً عن بوابة المطار، هذا المكان الذي يُشعرني بأن روحي تُقتل مع كلّ غياب. كانت ترتجف وهي تضحك، وأنا كنت أضحك لأخبّئ الغصّة.
أما أخي فودّعته بطريقة أكثر صمتاً: نظرة طويلة، حضن سريع، جملة مبتورة. لم أعد أذكر الكلمات، لكنّي أذكر الثقل الذي استقرّ في صدري، بعدما سلّمت عليه السلام الأخير قبل المغادرة، من دون أن أنظر إلى الوراء، كي لا تخونني دموعي التي سالت كثيراً كلّما تذكّرته في أكلة أحبّها، وفي مكان زرناه سوياً، وفي كلّ لحظة جميلة أمضيناها معاً.
لم يكن الغياب صاخباً كما كنت أتخيّل. لم ينفجر شيء. لم ينهر شيء. فقط، فجأة، صارت الأيّام أكثر برودة، والمناسبات أقلّ ضجيجاً. صارت الأماكن التي نتشاركها فارغة، والأحاديث أكثر خفوتاً.
ودّعت صديقتي في منزلها بعيداً عن بوابة المطار، هذا المكان الذي يُشعرني بأن روحي تُقتل مع كلّ غياب. كانت ترتجف وهي تضحك، وأنا كنت أضحك لأخبّئ الغصّة.
الهجرة كلمة ثقيلة. لكنّها في حقيقتها حركة خفيفة: خطوة واحدة فقط، ثم يتحوّل كلّ شيء. ينتقل شخص من مقعدك إلى طائرة. من بيتك إلى قارّة أخرى، من حياتك الضيّقة الى مكان أكثر اتساعاً، من “هنا” إلى “هناك”. تبقى أنت واقفاً، تعدّ الأيام، تتعلّم كيف تتأقلم مع نكهة جديدة للوحدة، وتنتظر بشغف لحظة اللقاء.
في محادثاتنا اليومية عبر الهاتف، أحاول أن ألحق بحياتيهما الهادئتين وبالصور التي يرسلانها: شوارع مغطّاة بالثلج، منازل هادئة، حكايات عن حياة جديدة. أفرح لهما، بصدق. وأحزن، بصدق أكبر.
أحياناً أسأل نفسي إن كان الرحيل عدوى. هل سأجد نفسي، ذات يوم، أحزم حقائبي بدوري؟ هل سأسير على الخطى نفسها؟ أم أن البقاء هو أيضاً شكل من أشكال المغامرة في بلد يجعلك غير مستقرّ، اجتماعياً، إنسانياً، وأمنياً؟
لا أعرف بعد. كلّ ما أعرفه أن الهجرة لم تأخذهما فقط إلى مكان آخر، بل أخذت معهما جزءاً مني ومن روحي، وتركت لي عالماً أقلّ امتلاءً، أكثر صمتاً، وأشدّ حاجة إلى رؤيتهما، وإلى تمضية أوقات معهما لا تحتوي سوى اللحظات السعيدة التي تردّ الروح إليّ، مهما تتالت الأحزان والصعوبات.
لم تكد جراح الغياب تلتئم قليلاً، حتى غادرت صديقة أخرى، حديثاً، إلى كندا أيضاً.
لم تكن صداقتنا صاخبة، لكنّها كانت من تلك العلاقات التي تنسج حضورها بهدوء، مثل ضوء مصباح صغير لا تلاحظه إلا حين ينطفئ.
في يوم وداعها، جلست أراقب كلماتها العابرة، نكاتها المرتبكة، محاولاتها لتخفيف ثقل اللحظة، وعرفت أن شيئاً في داخلي سينكسر مجدداً.
لم أبكِ. لكنّ شيئاً ما في روحي مال قليلاً إلى الجانب، ولم يعد بعدها كما كان.
أشعر أن العالم ينحسر أكثر من حولي، وأن صداقات العمر، التي كنت أظنّها ثابتة كالأرض، قابلة لأن تتفكّك بسهولة تحت خطوات السفر.
على رغم محاولاتي المستمرّة لملء الفراغات، أدرك أن شيئاً من النقص سيبقى دائماً هناك، مثل مقعد فارغ لا يملأه حضور جديد.
صرت أتعلّم أن الحبّ أيضاً قد يكون صامتاً، بعيداً، وأن الأصدقاء والأخوة الذين يسكنون القلب لا يغادرونه حقاً، حتى لو تباعدت المسافات.
بعض الغيابات لا نتخطّاها، بل نعتاد التعايش معها، كما نعتاد العيش مع ظلّ دائم لا يفارقنا، يذكّرنا بأن أجمل الأشياء، في النهاية، هي تلك التي نفتقدها كلّ يوم، ولا نستطيع أن ننساها.
إقرأوا أيضاً:










