ثمة ما أفرزته الحرب القائمة في لبنان، يحتاج إلى أدوات تفسير جديدة. الجماعة الشيعية تشعر بأن الحرب تهدف، بين ما تهدف، إلى تغيير جوهري في موقعها وفي شكل وجودها واندراجها في السياق اللبناني. وهو شعور لم يقتصر على بيئة حزب الله، وعلى الحاضنة الأوسع لهذا الحزب، إنما امتدّ ليشمل خصوماً شيعة للحزب، أو على الأقل غير مؤيدين وغير مندرجين في خطابه السياسي والاجتماعي.
أصدقاء كثر في محيطنا، وبعد أيام معدودة انقضت على إطلاق الحزب الصواريخ الستة، باشروا إعادة تموضع من الحدث ومن الحرب، وبدأوا بإعطاء إشارات وانفعالات توحي بأن القصة هذه المرة تلامس خيارات تتعدى السياسة بوصفها ردود أفعال على أفعال لطالما أقدم عليها حزب الله، ووجدوا أنفسهم في السابق على الضفة الأخرى من الفعلة. هذه المرة جرفهم الحزب وراءه. ليست الصواريخ الستة ما أشعل فتيل مشاعرهم، إنما شعور عميق بأن الحرب هي مقدمة لحدث جوهري سيصيب ليس سلاح حزب الله، إنما الوظيفة الاجتماعية التي نمت بموازاة هذا السلاح، وفي ظلّه.
الطائفية في لبنان أعمق من سلاح حزب الله، وهي تختبئ خلف طبقات من الوعي، وتستيقظ وفق إيقاعات مختلفة. الأرجح أن كثيرين منا توهموا أنهم شُفيوا منها، لتعود عوارضها وتستيقظ على وقع حدث أو عارض. والطائفية بوجهها “الثقافي”، غير اجتماعية، أي أنها قد لا تشبه نمط العيش، ولا تشبه نموذجها السائد. إنها الحاسة السابعة في لبنان، وهي حاسة أُسِّس لها عبر تراكم أقوى من إرادة الأفراد للتخلص منها.
عبارة “الغرائز الطائفية” ابتُذلت في سياق لغة التخاطب التعايشي بين الجماعات اللبنانية، لكن على رغم ما أصابها من ابتذال، ما زالت تصلح لتفسير المشاعر الطائفية في لبنان. فالغريزة ليست معطى فيزيولوجي وحسب، فغرائز كثيرة تشكلت، بحسب مدارس التحليل النفسي، في سياق ممارسات جماعية وفردية، تولت لاحقاً تشكيل لا وعي الجماعات والأفراد. والطائفية بهذا المعنى هي شيء جوهري وغير عابر، ولا تعالجه انتماءات طرأت بفعل الوعي والتعليم والعمل والاختلاط.
ليس الأصدقاء الشيعة وحدهم من أصابهم عارض الطائفة وردهم إلى وجدانها. لطالما ترافقت اللحظات المصيرية التي مرت بها الطوائف في لبنان مع ظاهرة انشقاقات عن الأحزاب غير الطائفية وعودة إلى أحضان الطائفة. في مطلع الحرب الأهلية اللبنانية، عاد مسيحيون يساريون كثر إلى بيئاتهم التي سبقت ولاءاتهم الحزبية. وأيضاً شكّل اغتيال رفيق الحريري في لبنان انعطافة لدى كثيرين ممن كانوا قد ابتعدوا عن طائفتهم من أهل السنة، إذ وجدوا أنفسهم مجدداً في موقع الطائفة التي كانوا غادروها.
وهنا يمكن أن يُسجل لحزب الله نجاحه في اختراق “لا وعي” طائفي لشرائح كانت تجاوزته بخياراتها السياسية والحياتية. يضاف إلى ذلك نجاحه أيضاً في إدراج قضيته غير اللبنانية في منظومة غرائز عادة ما تتصارع على مواضيع لبنانية كتلك التي أصابت المسيحيين مطلع الحرب الأهلية، أو السنة في أعقاب اغتيال رفيق الحريري. فـ”قتيل” حزب الله ليس لبنانياً، ولا نعني فقط علي الخامنئي، إنما الـ”قتيل” هنا يمثِّل تَشيّعاً بعيداً عن لبنان، وعن قضاياه وهمومه التي لا تمت الى شيعة لبنان بصلة مباشرة.
وهنا يحضرنا مؤشر جديد يمكن رصده في سياق الصواريخ الستة التي أطلقت انتقاماً لقتل إسرائيل المرشد الإيراني، ويتمثل في شعور بعلاقة عاطفية مع المصدر الإيراني للتشيع الجديد، ونحن هنا لا نتحدث عن الأعلام الإيرانية التي رُفعت في تظاهرات “يساريين” و”نسويين” داعية لإسقاط حكومة نواف سلام في بيروت، إنما لما شاع من أحاديث، غير مسبوقة، في حلقات النازحين عن “المارد الإيراني الذي لن يتركنا لوحدنا في هذه الحرب”. فجأة صار لإيران حضور في أمر يتعدى علاقة حزب الله بها. ثمة تعويل “عاطفي” على دور لإيران لا يقتصر على البيئة المباشرة لحزب الله، والأرجح أنه جديد، وهو من نتائج الاحتقان المذهبي الداخلي.
الشعور بالاستفراد عميق هذه المرة، وهو إلى حد كبير جدي وواقعي بمستوييه الداخلي والخارجي. فالشيعة اللبنانيون لم يُستهدفوا بوصفهم بيئة حزب الله فقط، إنما أيضاً بوصفهم شيعة. التمييز بين الحالين غير عملي. قرى الشيعة قُصفت على نحو منهجي، فيما يتم شبه تحييد لقرى المسيحيين والسنة والدروز في المناطق الحدودية. ولا يكفي رد الأسباب إلى حقيقة أن حزب الله متمركز في هذه القرى لموازنة المشاعر.
وبهذا المعنى، وفي بلد تشكل الطائفية فيه جوهراً سياسياً ووجودياً، يصير من الممكن، وإن كان من غير البديهي، أن يشعر من كان يعتقد أن شيعيته ليست جزءاً من خياراته ووعيه، أن الأمر هذه المرة يتعدى نمط حياة ابتعد فيه عن وجدان الجماعة وعن شعائرها، إلى شعور وجودي. وقد يكون لشائعة لا أساس لها من الواقع، من نوع “إرسال الشيعة إلى العراق”، أثر حقيقي يحرك مخاوف لطالما شهدنا مثلها في لبنان. وهنا علينا أن نتذكر شائعة البواخر التي ستتولى نقل المسيحيين إلى الدول الغربية في بداية الحرب الأهلية، وأثرها في شد عصب قتالي ودفاعي لدى هذه الجماعة.
وهنا أيضاً علينا أن نتذكر غياب المآثر الأهلية في لبنان، والتي يمكن أن يتولاها البلد للحد من شعور جماعة فيه بخطر وجودي. ويجب على المرء أن يسجل ألا مبادرات جدية حتى الآن للتعامل اللبناني مع هذه المخاوف. ناهيك بأن لحزب الله قدرات هائلة على استدراج الجماعة الشيعية إلى الموقع الذي يريدها أن تكون فيه.
إقرأوا أيضاً:












