جلست في السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر لأكتب عن الناس الذين اضطروا إلى الهروب للنجاة بأنفسهم وبأولادهم، فارّين من وجه القصف الهمجي الأعمى، مخلّفين وراءهم حيواناتهم الأليفة التي ظلت قلوبهم مربوطة بها بحبال حبّ يشعرون به تجاهها، ولا يفهمه إلا من يكنّ لربيبه غير الآدمي شعوراً شبيهاً.
جلست لأكتب عن سليم الذي لم يجد من يستجيب لندائه ويقضي عنه مهمةً رآها تستحق المجازفة بحياته، فعاد بعد يومين إلى قريته الجنوبية، تحت وقع الصواريخ، ليتفقد بقيّة عائلته. فلسليم بالإضافة إلى ابنيه، أبناء كثر يحبهم ويحبونه، ويشارك عبر “فايسبوك” مشاهد من حياته معهم. قطط يطعمها وكلبة صغيرة تعيش في كنفه، وحيوانات أخرى محتاجة، مرشحة دائماً لتنضم الى عائلته. عاد ليترك لها مؤونة من الأكل والشرب والقبلات والعناق والحب تعينها على البقاء أياماً وأسابيع، وليأخذ منها جرعة حب غير مشروط تعينه على الصمود، ريثما يعود أو يجد سبيلاً إلى لمّ شمل كل عائلته.
جلست لأكتب عن حسين الذي يجول قرى الجنوب المقصوفة باحثاً عن كلاب وقطط لم يتمكن أصحابها من اصطحابها معهم، وبعضهم تركها مربوطة داخل تصوينة منزله أو في قفص ظاناً أنه سيعود خلال ساعات، ولما اكتشف أن الأمد قد يطول أصابه هلع من موتها جوعاً وعطشاً، فاستنجد بحسين المعروف برفقه بالحيوانات وتكريسه حياته لرعاية المحتاجة منها في ملجأ أسسه لهذه الغاية. حسين أطعم الكلاب التي وجدها وسقاها ثم حررها من قيودها علّ ذلك يزيد من فرصها في النجاة وفي البحث عن طعام في مقبل الأيام. ومثله فعلت جمعيات عدة، جازف متطوعوها بحياتهم ليذهبوا إلى الجنوب المنكوب وينقذوا ما يمكنهم إنقاذه من حيوانات أليفة أفقدها تدجينها القدرة على البقاء من دون عون ممن تبناها.
جلست لأكتب عن هاني، الذي أخرج أمّه من ضاحية بيروت الجنوبية، وعاد لأنه لم يستطع أن يترك ثلاث قطط للمجهول، متخلّياً عن المسؤولية التي يشعر بها تجاهها. هاني الذي يعتني بتلك القطط عناية الأب بأبنائه كتب منشوراً يشرح فيه للأصدقاء سبب بقائه في الضاحية على رغم الخطر المحدق، وطلب منهم مساعدته في نقل القطط، ومن بينها قطة في أواخر أيام حملها لا تقوى على الحركة، الى مكان آمن لكي يطمئن على مصيرها فيتحرر من العبء الذي يُثقل كاهله. وقد جعل المنشور مقصوراً على الأصدقاء لأنه لا يتحمل سخرية الغرباء. نعم سخرية، فهاني يعرف أن كثراً قد يسخرون أو يستسخفون أو في أفضل الأحوال يستغربون هذا القلق والاهتمام بالحيوانات، وذلك لأنهم لا يعرفون…
لأنني أعرف ولأنني عشت موت كلبي قبل سنتين، كما لو كان موتاً لابنٍ أنجبته، جلست لأكتب عن هذه العلاقة التي تربطنا بحيواننا الأليف، الذي يستطيع أن يكون “موضوعاً للحب” نتعلّق به ونفتقده حين يغيب.
كنت أهمّ بالكتابة عن ازدياد الأبحاث التي تنظر إلى العلاقة مع الحيوانات من منظار نظرية التعلّق، حين استُهدف المقر الرئيسي لـ”حزب الله” في حارة حريك بكمية هائلة من المتفجرات، نسفت واحداً من أواخر أوهامي حول الحدود التي يمكن أن يقف عندها إجرام إسرائيل، فلا شيء ولا أحد يوقف هذه المذبحة المنقولة على الهواء مباشرة، التي يتفرج عليها العالم صامتاً كما تفرّج على محو غزة من الوجود على مدى أشهر، وهو يكرّر عبارة تثير الغثيان عن حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، كنت أهم بكتابة هذا كله لكنني توقفت.
سأصمد هنا إلى آخر لحظة ممكنة قرب هذا الدمار العظيم، وفي القلب حسرة وحرقة وحزن كثير.
مضت أيام وأنا أحاول استيعاب ما جرى وهضمه، وأنا أراقب منشورات الأصدقاء على “فايسبوك” وأرى تفجّع كثيرين منهم على اغتيال السيد نصرالله حتى ممن يعتبرون أنفسهم خصوماً للحزب، وأرى كذلك الهجوم الذي شنّه على هؤلاء رفاق لهم لم يفهموا مشاعر الأسى والحزن التي يعبرون عنها.
فجلست لأكتب هذه المرة عن القائد، عن حاجة الأفراد إلى الأمان والاستقرار التي يلبيها وجوده. هذا الأمان الذي يشبه إلى حد بعيد ما يُشعرهم به وجود الأب. فحين كانوا أطفالاً كانوا يرونه حامياً كلّي القدرة، يتماهون معه ويعتنقون فكره ويطيعون أوامره. فكلما زاد شعور الإنسان بالضعف والقهر كلما عظّم شأن القائد والزعيم وحلف باسمه ونزّهه عن كل نقصٍ أو قصور وقدّس ذكره، واتخذ حياله، كما يشرح الدكتور مصطفى حجازي، الوضعية الطفلية الاتكالية وسلّمه مقاليد أمره ومهمة تدبير مصيره، ما يجعل القائد في صورة مناقضة تماماً لصورة الفرد المقهور عن نفسه، التي يجهد في الهروب منها لأنها نموذج للنقص والمهانة.
كنت قد وصلت إلى هذه المرحلة من البحث والكتابة حين باغتني استهداف بيروت للمرة الأولى، فزال وهم آخر حول حدود الإجرام الإسرائيلي الجغرافية هذه المرة، ولكي يكتمل زوال الأوهام الجغرافية بدأت الأخبار الملفقة عن تهديدات هنا وإنذارات بإخلاء مبانٍ هناك تتوسع، حتى وصلت إلى عين الرمانة حيث أسكن وحيث أوهمت نفسي أنني في مأمن من الاستهداف المباشر، وأن الخطر المحدق بي هنا هو أصوات الانفجارات وانبعاثات غازات الاحتراق، لا خطر الموت.
بدأ عدد من المحبين بينهم أهلي وابنتاي المغتربتان وبعض الأقارب والأصدقاء يعبّرون عن قلقهم على سلامتي، إن بالتصريح أو بالاتصال ليليّاً بعد كل غارة أو صباحاً للسؤال عن الليلة الفائتة وكيف أمضيتها. بعض الأصدقاء أخبرني أنه ينتظر ما أشاركه على صفحتي على “فايسبوك” ليطمئن أنني ما زلت هنا.
أصبح خيار النزوح مطروحاً بجدّية وربما بإلحاح، وفي مقابله احتشدت في رأسي أسئلة كثيرة عما يجعلني أتمسك بالبقاء، على الرغم من أنني في معظم الليالي لا أنام ويهتز منزلي على وقع الانفجارات. سابقاً، لم أتردد في المغادرة، حملت ابنتيَّ وهربت مع أول ضربة وجهّتها الطائرات الإسرائيلية إلى المطار في تموز/ يوليو العام 2006. كما أني كنت قد احتطت لهذا اليوم منذ بداية الحرب على غزة، ووضعت خطة للنجاة، لأنني ظننت أنني لن أتحمل ما أعرف اليوم أنني قادرة على تحمله. وهذا وهم آخر تبخّر لأن خطتي فشلت لسبب لم أحسبه، والمكان الآمن الذي حماني من القلق طيلة أشهر لم يعد متاحاً، وكنت أظن أن ذلك سيرعبني، لكنني وجدت في نفسي قدرة على التأقلم والتحمّل والسيطرة على القلق فاقت كل توقعاتي.
بقيت لدي خيارات أقلّ مثالية من الخطة الأصلية، كالنزوح إلى قريتي والعيش في حدود أسوار حديقة منزل أهلي، لأن وهم عدم استهدافها، أسوة بما حصل في “حرب تموز”، زال هو الآخر أو على الأقل تصدّع.
كما بقي أيضاً خيار اللجوء، عند اشتداد القصف إلى واحد من بيوت عدة منتشرة في مناطق متنوعة، يكرر أصدقاء لي دعوتي إليها.
لكنني لا أريد المغادرة، ومجرد تخيلي العيش نازحة ولو إلى بيت الأهل أو الأصدقاء، يجعل قلبي ينقبض، فالمنازل ليست مجرد هياكل مادية نبيت فيها ونحتمي من الأخطار، على الرغم من أهمية هذا الدور البالغة، التي يدركها بعمق كل من عاش أو شهد مأساة النوم في العراء. المنازل هي مساحات حميمة آمنة نكوّن في أرجائها ذكريات تعمّق انتماءنا إلى أسرتنا وإليها، تُشعرنا بالاستقرار والثبات. هي جزء من هويتنا وشاهد على تاريخنا، لذا فإن فقدانها أو مغادرتها تسبب صدمة عميقة يحتاج التعافي منها إلى وقت ودعم كبيرين.
لذا سأصمد هنا إلى آخر لحظة ممكنة قرب هذا الدمار العظيم، وفي القلب حسرة وحرقة وحزن كثير.
إقرأوا أيضاً:










