عشتُ ستة عشر عاماً في قرية لبنانية صغيرة وبعيدة، من تلك القرى التي تغفو باكراً وتحفظ تضاريس وجوه أهلها. لكل صخرة فيها حكاية، ولكل شجرة اسم، والوقت يسير ببطء يشبه تدفق الينابيع. حين انتقلتُ إلى بيروت عام 2001 لأكمل دراستي، اكتشفتُ للمرة الأولى معنى أن يتغير المكان من تحتك؛ ذلك التيه اللذيذ والمخيف معاً، حيث الشوارع لا تنام والوجوه تمر دون أن تتوقف، والبيوت تتراص عمودياً وخلف كل جدار منها قصة لن تعرفها.
كنت أتوق الى السكن في المدينة منذ صغري، لكن حين جئتُها فعلاً، أدركتُ أن ثمة شيئاً يتبدّل فينا حين تتبدل الأمكنة. كلّفني التأقلم مع جغرافيا بيروت الكثير من روحي.
هذه التفاصيل كلها تمر أمامي اليوم لتذكرني بحال الجنوبيين وبوضع كل نازح ترك بيته وترك فيه حصاد العمر، أولئك الذين لم يتركوا قراهم باختيارهم، بل اقتُلعوا منها تحت القصف. بيوتهم صارت ركاماً يمحو معالم الأحياء والطرقات، حتى المقابر والأماكن الدينية لم تسلم. وباتَ خوفهم الأكبر ليس فقط ألّا يعودوا، بل ألّا يتعرفوا على المكان الذي كان بيتهم، وألّا يجدوا قبور أحبائهم ليصلّوا عليها. والآن، بعد وقف إطلاق نار غير معروف إن كان سيدوم أم لا، يعود الجنوبيون إلى قراهم، وربما لن يستطيعوا التعرّف إلى جغرافيا المكان الذي نشأوا فيه وكبروا وعاشوا فيه أجمل الذكريات.
استقبلتني بيروت بضوضائها الجميلة وأصدقائها الجدد وشوارعها التي كنت أمشي عليها للمرة الأولى وكأنني أكتشف قارة. فيها تعلمتُ كيف أشتاق لقريتي، وكيف أبني لنفسي مكاناً يشبهني وسط هذه العاصمة الصاخبة. لكنني لم أكن أعلم أن ما اختبرتُه طوعاً بسبب الدراسة والعمل، سيعيشه آلاف اللبنانيين قسراً وعنوةً، ليجدوا أنفسهم أمام سؤال لم يختاروه: ماذا يعني “البيت” حين لا يعود موجوداً؟
حين تصبح الذاكرة ركاماً
قرى الجنوب تشبه قريتي في وادعتها وبساطتها واخضرارها. اليوم، كثير منها أصبح ساحات ركام قاحل. وما تعلمتُه من أصدقائي الجنوبيين خلال هذه الحرب، أن البيت لم يكن يوماً مجرد جدران وسقف. كان مستودع العمر كله؛ الشرفة التي كان الجد يرتشف عليها قهوة الصباح، عتبة الباب التي شهدت زغاريد الأعراس ودموع الوداع، الحديقة الصغيرة حيث غُرست شجرة ليمون. وحين يُهدم بيت في الخيام أو بنت جبيل أو صريفا أو صور أو النبطية… لا تسقط حجارة فحسب، بل ينهار جزء من التاريخ الشخصي لأصحابه، وتتناثر تفاصيل حميمة لن يعيدها إعمار ولن يعوّضها مال.
نوستالجيا الحاضر: الغربة داخل الوطن
المفارقة المؤلمة في حال الجنوبيين أنك قد تفقد مكانك وأنت ما زلت تقيم فيه أو بالقرب منه. النازح الجنوبي الجالس في شقة مستأجرة في بيروت أو في مركز إيواء، يشتاق إلى ماضٍ بعيد احتضن ذكرياته، وإلى صباح عاشه بالأمس وتناول ألذّ فطور برفقه أولاده وأحفاده، صغاراً وكباراً. اليوم، مفتاح بيته لا يزال في جيبه، لكن الباب الذي يفتحه ذلك المفتاح لم يعد موجوداً.
إقرأوا أيضاً:
هذا الاقتلاع من البيت والأرض والجذور يفرز غربة وجودية من نوع آخر. أن تجد نفسك فجأة بعيداً عن جيرانك الذين يفهمون نبرة صوتك، عن الشوارع التي تحفظ خطواتك، عن الوجوه التي تعرف اسمك، عن الأسواق التي تفهم متطلباتك واحتياجاتك، عن المكتبات التي تجسد ثقافتك… يصبح يومك مقارنة دائمة بين “هناك” حيث كانت الروح مستقرة، و”هنا” حيث الجسد مؤقت ومترقب.
البقاء كفعل مقاومة صامت
في وجوه هؤلاء الذين تغيرت أمكنتهم، أرى إصراراً غريباً على استحضار المكان القديم أينما حلّوا، ولو من خلال صورة أو طبخة أو أمسية… ففي غرف النزوح الضيقة، تفوح رائحة الزعتر الجنوبي والمجدرة الحمراء وكمونة البندورة والفراكة… تجلس العائلات لتستذكر تفاصيل الشوارع والبيوت المهدومة بكثير من القهر، فهم لا يبكون الحجر، بل يبكون الأيام التي صُنعت داخل ذلك الحجر.
أن نبقى في لبنان وأن نروي قصص هذه الأمكنة، هو محاولة لتذكير الأرض بوجوهنا. نكتب عن القرى البعيدة وعن بيروت التي احتضنتنا وعن الجنوب الذي يهدم بشكل مريب، بما يمحو معه جغرافيا المكان بالكامل. لكن هذه المرة، لن تنفع مقولة “سنبنيها أجمل مما كانت”، لأن ما تهدّم معها لا يُبنى من جديد؛ الروح والذكريات والضحكات لا تُرمَّم بالوعود.
شاهد على التحول
العيش في وطن تُشنّ حروب الآخرين على أرضه، كلبنان، يشبه المشي في ألبوم صور يُحذف بعضها ويُضاف بعضها على عجلة. من قريتي إلى شوارع بيروت إلى قرى الجنوب المدمرة، نكتب لأننا أحياناً لا نملك إلا الكلمة. في ظل دويلة مستعدة للتضحية بكل شيء للحفاظ على سلاحها، ودولة تترنح بين ضغوط لا تقوى على مواجهتها، نكتب لأن الأمكنة المهدومة تحتاج من يؤنس وحشتها وينفض عنها غبار النسيان، بانتظار العودة.
واليوم، بعد وقفٍ لإطلاق النار لا يزال هشّاً ومفتوحاً على كل الاحتمالات، يعود الجنوبيون إلى قراهم بخطى مثقلة بالذاكرة والقلق معاً. لكن السؤال الذي يرافقهم عند كل بابٍ مهدّم وكل طريقٍ تغيّر: هل سيجدون بيوتهم كما تركوها، أم سيقفون أمام ركامها متأملين أن يعثروا فيه على أثرٍ صغير – صورة أو غرض أو تفصيل يُعيد إليهم ما كان يوماً حياةً كاملة داخل تلك الجدران؟
إقرأوا أيضاً:












