بدا فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك، في عالمنا العربي، كأنه فوز خاص للإسلام والعروبة والجنوب وللمضطهدين، بدلالة الاحتفاء الواسع به في وسائط التواصل الاجتماعي.
في الواقع، يعبّر هذا الاحتفاء، وهو شكلاني، عن نزعات ثلاث خاطئة ومضرّة.
الأولى، تتمثّل بعزل ذلك الفوز عن السياق، أو الشرط، الاجتماعي والثقافي والسياسي، في بلده، أي في الولايات المتحدة الأميركية، باعتباره مواطناً، في بلد يعطي مكانة المواطنة أولوية في الدستور، مع ضمان الحق في الحرية والمساواة والكرامة، بغض النظر عن رأينا في السياسة الخارجية الأميركية والنظام الرأسمالي في الولايات المتحدة، التي ترى في الانتخابات وسيلة للتعبير عن الرأي، والمقارنة بين خيارات، والاحتكام بين القوى الفاعلة في السياسة.
الثانية، تتمثّل في اعتبار ممداني بمثابة بطل، أي إنه بطلنا، أيضاً، في دلالة على الحاجة إلى بطل مماثل، أو أبطال مماثلين، في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو موقف يدلّل على افتقار تلك المجتمعات الى السياسة والثقافة والاجتماع، وإحالة الأمر إلى فعل أفراد، أو إلى فعل مصادفات وأقدار، وليس إلى فعل جمعي، إذ إن نجاح ممداني هو نجاح لكتلة مجتمعية كبيرة، في الولايات المتحدة، وفي نيويورك تحديداً، وهو نجاح في تحدّي إدارة الرئيس دونالد ترامب، لذا فهو ليس نجاحاً فردياً، إلا بمقدار ما لممداني من ميزات شخصية، أدت إلى اختياره هذا السباق الانتخابي.
الثالثة، تتمثل بجلد الذات، أو الإحساس بالدونية، مع تغييب، أو نسيان، التاريخ، والواقع، إذ في حياتنا ثمة أبطال كثر، ولكن هؤلاء الأبطال يموتون، سواء بالقتل أو بالتغييب في السجون، إذ إن الشرط السياسي والثقافي والاجتماعي لهؤلاء الأبطال يكتب سيرتهم سلفاً. وبإمكان أي فرد في بلداننا، بخاصة في سوريا وفلسطين ولبنان، أن يفكر، أو أن يتذكر، كثراً من أمثال ممداني، أو الذين يملكون إمكاناته، لكنهم افتقدوا الشروط التي مكّنته من أن يكون على نحو ما صار عليه، إلى درجة أن يتحدى رأس دولته علناً، وأن يعلن أنه مهاجر، ومسلم، واشتراكي ديمقراطي، وضد إسرائيل ومع الفلسطينيين، وهذا بالطبع شيء كبير، وينم عن شخصية قوية، وعنيدة، ومخلصة لأفكارها.
مع ذلك، ربما الأحرى بالمعجبين بفوز ممداني، وهو يستحق ذلك، أن يروا في فوزه نجاحا لأميركا، أي لنظام الليبرالية الديمقراطية، والذي يضع الدستور فوق رئيس الدولة، ويعتمد المساواة بين كل مواطنيها، من دون أن تمييز، ولا لأي سبب، وهو الأمر ذاته الذي أوصل رئيساً ملوناً الى رئاستها (باراك أوباما)، وهو ما حصل في بريطانيا، أيضاً، التي ترأس حكومتها رئيس يعود في أصوله إلى مستعمرتها السابقة (الهند).
إقرأوا أيضاً:
كان يجدر، أيضاً، بهؤلاء المحتفين، بخاصة الذين اعتبروا ذلك نصراً لهم ولقضاياهم، أن ينتبهوا إلى أن خطاباته تختلف عن مفاهيمهم وخطاباتهم، التي يضج معظمها بنوع من عصبية، أو عنصرية، ساذجة، في الغالب، تنبع من مصدر إثني أو ديني أو أيديولوجي، لما في ذلك من تناقض، ينم عن الأخذ بالشكل على حساب الجوهر، تماماً مثل الأخذ بأدوات الحداثة التكنولوجية، السيارة والطيارة والتلفزيون والآيفون، والإنترنت، وتجاهل مدخلاتها الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية.
فوق ما تقدّم، يفترض بهؤلاء تذكّر أن الأبطال عندنا، على مثال ممداني، منذورون للموت، أو للتغييب، كما ثبت في التجربة، ما يعني أن الاحتفاء بممداني، على وجاهته، هو بمثابة قتل ثان لهؤلاء، أو عدم وفاء لهم على الأقل.
أخيراً، ليس ممداني البطل الوحيد الذي يسعى إلى فرض بصمته في الولايات المتحدة وفي العالم، فثمة، أيضاً، شخصيات مثل بيل غيتس ووارن بافيت، وستيف جوبز (وهو من أصل سوري)، وإيلون ماسك، وذلك على سبيل المثال، فهؤلاء العباقرة غيروا التاريخ، ليس الأميركي، وإنما تاريخ العالم، ونقلوه، بفضل مبتكراتهم التكنولوجية ووسائل الاتصال إلى مرحلة متقدمة، تختلف كثيراً عن سابقاتها.
القصد، أننا ونحن نحتفي بفوز أو نجاح شخصية عالمية في أي مجال، علينا التفكير في الأسباب التي مكّنتها من ذلك، وتلك التي تحول دون ذلك في مجتمعاتنا، وبخاصة حال التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لأن ذلك هو ما يتيح التخلص من الانفصام في الشخصية، وازدواجية المعايير، والعصبية العمياء في التعامل مع الواقع والعالم والتاريخ، وفي وعي حاجتنا لمجتمعات بطلة، وليس إلى مجرد بطل.
شكرا لممداني أنه أتاح لنا رؤية واقعنا، ورؤية ذاتنا، يبقى أن ندرك تماماً الفجوة بيننا وبين العالم.
إقرأوا أيضاً:














