ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن الاعتذار المفقود لوزير الإعلام السوري

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ليست مشكلة زعرور أنه متديّن، المشكلة أن تصل رؤاه وتديّنه الخاصّ إلى وزارة الإعلام. هنا لا تبقى قناعاته ضميراً فردياً أو آراء شخصية، إنما قد تتحوّل إلى معيار داخل مؤسّسة عامّة تشمل حيوات السوريين كلهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خالد زعرور، وزير الإعلام السوري الجديد، يُقدَّم رسمياً بصفته أكاديمياً متخصصاً في الإعلام الرقمي، وعند تعيينه تمّ نشر سيرته الرسمية في محاولة لإبراز أن لديه تجربة في تطوير مناهج الإعلام والذكاء الصناعي والأمن السيبراني.

لكن بعد تعيينه وزيراً للإعلام برز فيديو سابق يستخدم فيه تعابير قاسية ومهينة، أبرزها تكرار استخدامه تعبير “الدياثة” لوصف نشر صور النساء أو العائلة على وسائل التواصل. الفيديو مقتطع من محاضرة طويلة، لكنّه كاشف وصادم إذ يبدو فيه زعرور يشرح نظرية أسماها بـ”المجتمع الديّوثي” في محاولة منه لتوصيف ما يراه مجتمعاً منفلتاً. 

هل من هذه الخلفية سيُقارب وزير الإعلام واقعاً معقّداً مثل الواقع السوري؟

هل سيقيس حرّية الظهور والتعبير بمعايير “الغيرة” و”الستر” ووصم العائلات؟

الرجل يتكلّم من داخل عالم يراه منطقياً، فهو يرى الغيرة حماية، والستر فضيلة، والبيت والعائلة مساحة يجب حراستها وتحصينها بالدين. ليس الفيديو مفاجئاً في زمن سطوة الذكورة والدين وثقافة الوصم.

عرفنا فيديوهات الوزير من سلسلة له على منصّة “الرواد” الإلكترونية، ثم من مقابلات حوارية على قناة “كربلاء” العراقية. محاضراته عن الإعلام تبدأ كلها من انطلاقات ذات وصم أخلاقي.

في المحاضرة التي اقتُطع منها فيديو الدياثة الذي جرى تداوله بشكل واسع بعد نشره على منصّة “الرواد” الإلكترونية، يقدّم زعرور الإعلام كأداة للترميز وبذلك قسم الناس الى ما وصفهم بـ “مجتمع الميم” و”مجتمع الدال”. 

نعرف جميعنا على الأغلب من هو مجتمع الميم، لكن “مجتمع الدال” فهو إنتاج الوزير المعرفي الشخصي، ليتّضح أنه يقصد “مجتمع الدياثة”، أو مجتمع “لا غيرة”، بحسب وصفه وتوكيداته. كلمة ديّوث تُعاد في الفيديو بطريقة منفّرة لا تحمل سوى الوصم المجتمعي والأخلاقي.

في حديثه تداخلت الأسماء المرجعية الغربية في المحاضرة دون سياق، “علم الدماغ”، “الفطرة”، “السلوك”، وأشياء أخرى لا يمكن أن نعرف كيف يستخدمها أو لماذا يستدعيها. لا يظهر أن لديه دراية كافية بما تعنيه هذه الأسماء أو بما تستدعيه في سياقاتها الطبيعية. وللعلم، المحاضرة تخلط الدين بالأخلاق بالاقتصاد، بالذكورة، وبالخوف من عوالم السوشال ميديا.

إسهابه في شرح ما وصفه بـ”مجتمع الدياثة” يثير التوتّر، فالدياثة تمسّنا كلنا تقريباً، تمسّ خجلنا من لحظاتنا اليومية التي نعرضها كشيء روتيني وعادي، فنصبح كلنا قابلين لأن نُدفع إلى هذه التسمية. رؤيته تجمع كل شيء في وعاء واحد: مستخدمو السوشال ميديا، التعبير عن الذات، أعمار المستخدمين، غياب الرقابة، ظهور النساء، العلاقات، المال والبيت. 

أساس نظريته قائم جلّه على موقف محدّد بشأن المرأة لا كقيمة إنسانية واسعة، إنما بالمعنى الرجولي الضيّق للغيرة عليها، وعلى شكل ظهورها، وعلى الصورة التي يسمح لها بها الرجل.

المرأة في قاموس الوزير الجديد، لا تُمدح لأنها تعمل أو تظهر أو تنتج. عليها أن تظهر وفق نمط لا نعرفه نحن ولا هو، لأنه لا يحدّده أبداً. المرأة المنتجة عبر السوشال ميديا تتحوّل عنده إلى مشكلة، لأن مالها، في فهمه، سيكون لفرديتها، وبذلك ستزاحم الزوج، وهذا، بحسب منطقه، ليس حقّاً لها. لا يحقّ لها أن تزاحمه، أو أن تملك حقّاً مالياً منفصلاً. إنتاجها المالي يفصلها عن زوجها، أو يهدّد معنى الزوج بوصفه مالكاً للبيت والستر والغيرة. وزوجها “ديّوث” أصلاً لأنه يسمح لها بأن تظهر عبر السوشال ميديا كما يقول في محاضرته الطويلة. إنها جدلية مرعبة لإنتاج العار.

في المحاضرة نفسها، لا يتعامل الوزير مع ما يعتبره مسلّمات كأفكار قابلة للنقاش. هو ضدّ مصافحة النساء والرجال، ويضع المسألة كأنها بديهية دينية لا تحتاج إلى تفكير. ثم ينتقل إلى تسمية نزوح السوريين ولجوئهم “هجرة”، كأن اللغة قادرة على تخفيف الفاجعة أو تغيير معناها. يطالب بجمعيات حقوق الرجل، ويرفض المنظّمات النسوية، ويتحدّث عن كتاب سينشره حول الفرق بين “عقوق المرأة وحقوقها”. نحن بالتأكيد لم نستمع إلى محاضرة، إنما استمعنا إلى حفلة شتائم ووصم وتمييز واستخفاف بالمرأة وبنا.

المفارقة الأكثر إيلاماً أنه لا يرى السوريين النازحين كأناس ناجين أو مقهورين. لا يربط هويّتهم بالقهر والخوف والحرمان والقتل والاعتقال. ولا يرى في المجتمع الأوروبي مساحة نجاة وتضامن ومشاريع حياة. يرى اندماج السوريين في الغرب كمسألة تحتاج إلى رقابة دينية، لا حتى رقابة عادات وتقاليد، كأن السوري الذي خرج من الحرب لا يحمل جرحاً، إنما يحمل خطراً لأنه قد يندمج في الحياة كلها.

لا يسأل الوزير الجديد لماذا اضطرّ الناس إلى اللجوء، ولا أين كانت أخلاق الجوار والدين والتعاضد حين احتاج السوريون إلى مأوى. لا يسائل دولاً في الخليج، ولا المنصّات التي يتحدّث عبرها ناشطون خليجيون، عن معنى أنهم لم يستقبلوا السوريين باسم الإسلام والتآخي والتعاضد والتشابه. يجد فقط في أوروبا تهديداً، ولا يرى فيها مساحة نجاة مُنحت للسوريين.

النفور، الخوف، والعار هي لغة خالد زعرور. بالنسبة إليه تتحوّل المرأة التي تقول عن نفسها إنها مندمجة في الغرب إلى مشكلة، يتحوّل السوري المندمج إلى مشكلة، وكما تصبح الصورة العائلية باباً لـ”الدياثة”، يصبح اللجوء، بدل كونه هروباً ونجاة، اتّهاماً بكسر المسلّمات. 

السوري لا يظهر عنده كضحيّة حرب تبحث عن حياة، إنما كسلعة دينية لها صفات جوهرية فوق كل ظروفها، وعليها أن تلتزم بها. والغرب لا يظهر كمكان استقبل واحتمل وفتح مؤسّسات ومدارس وبيوتاً، إنما كخطر يبتلع الهويّة والدين. حتى الاندماج الذي يقدّمه يتحوّل إلى دياثة.

ثم يظهر الطابع الديني فجأة، لا كعمق روحي بالطبع، إنما كختم على الحكم الأخلاقي. يستدعي أحاديث الرسول، ويهدّد بأحاديث الديوث، فيصير الدين في نهاية المحاضرة أداة لتثبيت رؤيته. لا يعود الدين هنا رحمة، ولا فهماً، ولا عدالة، إنما ختم أخير على العار.

التوضيح المواراب والاعتذار المستحيل؟

ما إن أصبح الزعرور عميداً لكلية الإعلام، حتى ظهر تصريح له مع موقع “المدن”، يضع ما قاله في الفيديو الشهير جداً، خاصّة لمتابعيه، كاملاً أنه قد عبّر عن آراء شخصية. لكن ما هي مخاطر الآراء الشخصية؟ كيف نفهمها؟ كيف نتجاوزها؟ قال الوزير إنه عبّر عن رأيه، دون تقديم اعتذار. 

لا أعرف كيف ننزع من تاريخه تواتّرات كلمة ديّوث التي قالها على مسامعنا. بحدّ ذاته الفيديو كاملاً لم يحقّق أيّ مشاهدة، لا تتجاوز مشاهدة الحلقة كاملة له الألف متابع. إذاً لماذا اختير وزيراً؟

لم يعتذر الوزير أبداً. ما فعله أصعب وأخطر. غيّر موقعه داخل البنية الرمزية بين الأمس واليوم: من صاحب الكلمة إلى شارح لسياق وحالة، من مطلق الحكم إلى ضحيّة اقتطاعات وعدم فهم للسياقات، من رجل قويّ في الوصم وحرّ دون أيّ معيار مهني إلى شارح متمهّل. لكنّ السؤال الجدّي والمنطقي الذي سيطرحه الناس، وأيّ عقل: هل تغيّرت شبكة المعاني التي أنتجت نظرية الدياثة؟ هل كُسر النظام الدلالي والاجتماعي الذي جعل ظهور امرأة، أو عائلة، أو جسد، قابلاً لأن يُسمّى بهذه القسوة؟

المصيبة ليست في المصطلح، إنما في “مجتمع” الدال الذي تعمل داخله والذي أنتجه لنا. الكلمة لا تأتي عارية، ليست لفظاً مفرداً سقط سهواً في محاضرة، إنها علامة داخل جهاز كامل من المعاني والبنى: المرأة بوصفها ريبة وتُشرك ما إن تصل للكاميرا، الجسد بوصفه تهديداً، حتى هو لا يحدّد معالمه التي من الممكن أن يظهر بها، الصورة بوصفها انكشافاً للستر والشرّ، الرجل بوصفه إمّا حارساً وإمّا ديّوثاً، والبيت بوصفه منطقة شرف لا حياة يومية من الممكن عرضها.

لم يسحب الوزير تسميته للناس بهذه الطريقة العنيفة والرمزية. لم يقل إن تحويل الناس إلى موضوع للاستهلاك التقييمي ووضعهم في دائرة العار عنف يستحقّ الاعتذار… لم يقل إن الكلمة نفسها تكشف تصوّراً مشوّهاً للعلاقة بين الإعلام والجسد والمرأة. هو أعاد ترتيب المشهد الذي ظهر فيه وإدارته، كي تبدو الكلمة جزءاً من شرح، لا جزءاً من بنية أسّس لها بنظرية ودافع عنها بشراسة. إنه لن يتخلّى عن البنية التي أنتجت العبارة، إنما يحاول ترميمها أو رفضها، لا يخرج من اللغة التي صنعت الوصم.

لذلك لا تكون القضيّة: هل اعتذر السيد الوزير؟ القضيّة: هل تغيّر نظام التسمية عنده؟ هل خرجت المرأة، في لغته، من موقع الشبهة إلى موقع الذات؟

ثم نحن لا نعرف القوّة أو الاختصاص الذي يملكه الوزير ليستحقّ منصبه، حتى محاولته تأكيد اختصاصه وقدرته، في مقابلته على قناة سوريا، بشهاداته ورفعه من شأن الجامعة اللبنانية ليست مشكلة بحدّ ذاتها. المشكلة في المفارقة التي شاهدناه فيها  على قناة “سوريا” في مقابلة مع امرأة، بينما كانت ظهوراته الأخرى، مثل ظهوره على قناة “كربلاء”، داخل فضاء ذكوري شديد الوضوح: شيخ، وباحثون، ومحاضرون. والفيديو الذي استلم فيه الوزارة من الوزير السابق كان مع مجموعة من الذكور دون ظهور امرأة واحدة في اجتماع للمؤسّسات الإعلامية التابعة للوزارة.

خططه ورؤاه ظهرت للمرّة الأولى مع مذيعة في قناة “سوريا”، وهذا جيّد، لكنّ السؤال يبقى: هل يقبل فعلاً بأن تكون المرأة التي تملك راتباً، وصوتاً، وحضوراً عامّاً، شريكة طبيعية في المجال الإعلامي؟ ألا نحتاج توضيحاً للرؤى السابقة؟

ليست مشكلة زعرور أنه متديّن، المشكلة أن تصل رؤاه وتديّنه الخاصّ إلى وزارة الإعلام. هنا لا تبقى قناعاته ضميراً فردياً أو آراء شخصية، إنما قد تتحوّل إلى معيار داخل مؤسّسة عامّة تشمل حيوات السوريين كلهم.

الوزارة من مؤسّسات الدولة، وهذا بديهي، لذلك نخاف على شكل الوزارات نفسها. كيف يمكن أن نفهم حرّية الإعلام بعد اليوم، ونحن نعرف أن وزير الإعلام يحكم عبر خوفه الشخصي من الجسد والمرأة، وعبر تصوّره الخاصّ عن البيت والغرب والستر والعار، وعن ظهور رجل وامرأة في فيديو واحد؟

الوزارة ليست منبراً وعظياً، ولا امتداداً لعقيدة فردية، ولا مساحة كي يختبر الوزير قلقه الأخلاقي على المجتمع. المشكلة لا تقف عند كونه متديناً أو محافظاً، إنما عند احتمال أنه لا يرى الإعلام إلا من زاوية خطاب مبعثر، يتنقّل بين قناة “كربلاء”، والحديث عن الحداثة، والأمن السيبراني، وتعميمات غير مترابطة عن الغرب والمرأة والعائلة. مشكلتنا معه أعمق من فيديو واحد. مشكلتنا في طريقته في رؤية العائلات عبر الصور، وفي عجزه عن فهم الصورة والفيديو كجزء من الثقافة الحديثة، وعن رؤية الجسد كحضور إنساني عادي داخل الحياة العامّة. لذلك تبدو كلمة “دياثة” ردّاً أعمق من الشتيمة نفسها: ردّاً على خروج الناس من الخفاء إلى العلن. عنده لا يعود الإعلام مساحة ظهور، إنما مساحة خطر. ولا تعود العائلة حياة يومية تظهر أحياناً في صورة، إنما احتمال فضيحة يحتاج إلى حارس.

بإمكاننا أن ندخل على رابط المحاضرة التي ألقاها الوزير، ونرى التعليقات الجديدة عليها، كلمة “ديّوث” دخلت على يوميات الحياة السورية من خلاله كسخرية وشتم وشماتة. إنها داخل الاستعمال في الحياة العامّة اليوم، لم تعد الكلمة في المخيّلة القاموسية والكتابية، بل تعمل بين الناس، اللغة طريقة عيش ولعبة من السهل المشاركة فيها. لقد صنع لنا الوزير فزعاً هائلاً من الخوف من المرأة والعائلة. سندفع ثمناً ما لهذا الاعتذار الناقص.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
18.05.2026
زمن القراءة: 7 minutes

ليست مشكلة زعرور أنه متديّن، المشكلة أن تصل رؤاه وتديّنه الخاصّ إلى وزارة الإعلام. هنا لا تبقى قناعاته ضميراً فردياً أو آراء شخصية، إنما قد تتحوّل إلى معيار داخل مؤسّسة عامّة تشمل حيوات السوريين كلهم.

خالد زعرور، وزير الإعلام السوري الجديد، يُقدَّم رسمياً بصفته أكاديمياً متخصصاً في الإعلام الرقمي، وعند تعيينه تمّ نشر سيرته الرسمية في محاولة لإبراز أن لديه تجربة في تطوير مناهج الإعلام والذكاء الصناعي والأمن السيبراني.

لكن بعد تعيينه وزيراً للإعلام برز فيديو سابق يستخدم فيه تعابير قاسية ومهينة، أبرزها تكرار استخدامه تعبير “الدياثة” لوصف نشر صور النساء أو العائلة على وسائل التواصل. الفيديو مقتطع من محاضرة طويلة، لكنّه كاشف وصادم إذ يبدو فيه زعرور يشرح نظرية أسماها بـ”المجتمع الديّوثي” في محاولة منه لتوصيف ما يراه مجتمعاً منفلتاً. 

هل من هذه الخلفية سيُقارب وزير الإعلام واقعاً معقّداً مثل الواقع السوري؟

هل سيقيس حرّية الظهور والتعبير بمعايير “الغيرة” و”الستر” ووصم العائلات؟

الرجل يتكلّم من داخل عالم يراه منطقياً، فهو يرى الغيرة حماية، والستر فضيلة، والبيت والعائلة مساحة يجب حراستها وتحصينها بالدين. ليس الفيديو مفاجئاً في زمن سطوة الذكورة والدين وثقافة الوصم.

عرفنا فيديوهات الوزير من سلسلة له على منصّة “الرواد” الإلكترونية، ثم من مقابلات حوارية على قناة “كربلاء” العراقية. محاضراته عن الإعلام تبدأ كلها من انطلاقات ذات وصم أخلاقي.

في المحاضرة التي اقتُطع منها فيديو الدياثة الذي جرى تداوله بشكل واسع بعد نشره على منصّة “الرواد” الإلكترونية، يقدّم زعرور الإعلام كأداة للترميز وبذلك قسم الناس الى ما وصفهم بـ “مجتمع الميم” و”مجتمع الدال”. 

نعرف جميعنا على الأغلب من هو مجتمع الميم، لكن “مجتمع الدال” فهو إنتاج الوزير المعرفي الشخصي، ليتّضح أنه يقصد “مجتمع الدياثة”، أو مجتمع “لا غيرة”، بحسب وصفه وتوكيداته. كلمة ديّوث تُعاد في الفيديو بطريقة منفّرة لا تحمل سوى الوصم المجتمعي والأخلاقي.

في حديثه تداخلت الأسماء المرجعية الغربية في المحاضرة دون سياق، “علم الدماغ”، “الفطرة”، “السلوك”، وأشياء أخرى لا يمكن أن نعرف كيف يستخدمها أو لماذا يستدعيها. لا يظهر أن لديه دراية كافية بما تعنيه هذه الأسماء أو بما تستدعيه في سياقاتها الطبيعية. وللعلم، المحاضرة تخلط الدين بالأخلاق بالاقتصاد، بالذكورة، وبالخوف من عوالم السوشال ميديا.

إسهابه في شرح ما وصفه بـ”مجتمع الدياثة” يثير التوتّر، فالدياثة تمسّنا كلنا تقريباً، تمسّ خجلنا من لحظاتنا اليومية التي نعرضها كشيء روتيني وعادي، فنصبح كلنا قابلين لأن نُدفع إلى هذه التسمية. رؤيته تجمع كل شيء في وعاء واحد: مستخدمو السوشال ميديا، التعبير عن الذات، أعمار المستخدمين، غياب الرقابة، ظهور النساء، العلاقات، المال والبيت. 

أساس نظريته قائم جلّه على موقف محدّد بشأن المرأة لا كقيمة إنسانية واسعة، إنما بالمعنى الرجولي الضيّق للغيرة عليها، وعلى شكل ظهورها، وعلى الصورة التي يسمح لها بها الرجل.

المرأة في قاموس الوزير الجديد، لا تُمدح لأنها تعمل أو تظهر أو تنتج. عليها أن تظهر وفق نمط لا نعرفه نحن ولا هو، لأنه لا يحدّده أبداً. المرأة المنتجة عبر السوشال ميديا تتحوّل عنده إلى مشكلة، لأن مالها، في فهمه، سيكون لفرديتها، وبذلك ستزاحم الزوج، وهذا، بحسب منطقه، ليس حقّاً لها. لا يحقّ لها أن تزاحمه، أو أن تملك حقّاً مالياً منفصلاً. إنتاجها المالي يفصلها عن زوجها، أو يهدّد معنى الزوج بوصفه مالكاً للبيت والستر والغيرة. وزوجها “ديّوث” أصلاً لأنه يسمح لها بأن تظهر عبر السوشال ميديا كما يقول في محاضرته الطويلة. إنها جدلية مرعبة لإنتاج العار.

في المحاضرة نفسها، لا يتعامل الوزير مع ما يعتبره مسلّمات كأفكار قابلة للنقاش. هو ضدّ مصافحة النساء والرجال، ويضع المسألة كأنها بديهية دينية لا تحتاج إلى تفكير. ثم ينتقل إلى تسمية نزوح السوريين ولجوئهم “هجرة”، كأن اللغة قادرة على تخفيف الفاجعة أو تغيير معناها. يطالب بجمعيات حقوق الرجل، ويرفض المنظّمات النسوية، ويتحدّث عن كتاب سينشره حول الفرق بين “عقوق المرأة وحقوقها”. نحن بالتأكيد لم نستمع إلى محاضرة، إنما استمعنا إلى حفلة شتائم ووصم وتمييز واستخفاف بالمرأة وبنا.

المفارقة الأكثر إيلاماً أنه لا يرى السوريين النازحين كأناس ناجين أو مقهورين. لا يربط هويّتهم بالقهر والخوف والحرمان والقتل والاعتقال. ولا يرى في المجتمع الأوروبي مساحة نجاة وتضامن ومشاريع حياة. يرى اندماج السوريين في الغرب كمسألة تحتاج إلى رقابة دينية، لا حتى رقابة عادات وتقاليد، كأن السوري الذي خرج من الحرب لا يحمل جرحاً، إنما يحمل خطراً لأنه قد يندمج في الحياة كلها.

لا يسأل الوزير الجديد لماذا اضطرّ الناس إلى اللجوء، ولا أين كانت أخلاق الجوار والدين والتعاضد حين احتاج السوريون إلى مأوى. لا يسائل دولاً في الخليج، ولا المنصّات التي يتحدّث عبرها ناشطون خليجيون، عن معنى أنهم لم يستقبلوا السوريين باسم الإسلام والتآخي والتعاضد والتشابه. يجد فقط في أوروبا تهديداً، ولا يرى فيها مساحة نجاة مُنحت للسوريين.

النفور، الخوف، والعار هي لغة خالد زعرور. بالنسبة إليه تتحوّل المرأة التي تقول عن نفسها إنها مندمجة في الغرب إلى مشكلة، يتحوّل السوري المندمج إلى مشكلة، وكما تصبح الصورة العائلية باباً لـ”الدياثة”، يصبح اللجوء، بدل كونه هروباً ونجاة، اتّهاماً بكسر المسلّمات. 

السوري لا يظهر عنده كضحيّة حرب تبحث عن حياة، إنما كسلعة دينية لها صفات جوهرية فوق كل ظروفها، وعليها أن تلتزم بها. والغرب لا يظهر كمكان استقبل واحتمل وفتح مؤسّسات ومدارس وبيوتاً، إنما كخطر يبتلع الهويّة والدين. حتى الاندماج الذي يقدّمه يتحوّل إلى دياثة.

ثم يظهر الطابع الديني فجأة، لا كعمق روحي بالطبع، إنما كختم على الحكم الأخلاقي. يستدعي أحاديث الرسول، ويهدّد بأحاديث الديوث، فيصير الدين في نهاية المحاضرة أداة لتثبيت رؤيته. لا يعود الدين هنا رحمة، ولا فهماً، ولا عدالة، إنما ختم أخير على العار.

التوضيح المواراب والاعتذار المستحيل؟

ما إن أصبح الزعرور عميداً لكلية الإعلام، حتى ظهر تصريح له مع موقع “المدن”، يضع ما قاله في الفيديو الشهير جداً، خاصّة لمتابعيه، كاملاً أنه قد عبّر عن آراء شخصية. لكن ما هي مخاطر الآراء الشخصية؟ كيف نفهمها؟ كيف نتجاوزها؟ قال الوزير إنه عبّر عن رأيه، دون تقديم اعتذار. 

لا أعرف كيف ننزع من تاريخه تواتّرات كلمة ديّوث التي قالها على مسامعنا. بحدّ ذاته الفيديو كاملاً لم يحقّق أيّ مشاهدة، لا تتجاوز مشاهدة الحلقة كاملة له الألف متابع. إذاً لماذا اختير وزيراً؟

لم يعتذر الوزير أبداً. ما فعله أصعب وأخطر. غيّر موقعه داخل البنية الرمزية بين الأمس واليوم: من صاحب الكلمة إلى شارح لسياق وحالة، من مطلق الحكم إلى ضحيّة اقتطاعات وعدم فهم للسياقات، من رجل قويّ في الوصم وحرّ دون أيّ معيار مهني إلى شارح متمهّل. لكنّ السؤال الجدّي والمنطقي الذي سيطرحه الناس، وأيّ عقل: هل تغيّرت شبكة المعاني التي أنتجت نظرية الدياثة؟ هل كُسر النظام الدلالي والاجتماعي الذي جعل ظهور امرأة، أو عائلة، أو جسد، قابلاً لأن يُسمّى بهذه القسوة؟

المصيبة ليست في المصطلح، إنما في “مجتمع” الدال الذي تعمل داخله والذي أنتجه لنا. الكلمة لا تأتي عارية، ليست لفظاً مفرداً سقط سهواً في محاضرة، إنها علامة داخل جهاز كامل من المعاني والبنى: المرأة بوصفها ريبة وتُشرك ما إن تصل للكاميرا، الجسد بوصفه تهديداً، حتى هو لا يحدّد معالمه التي من الممكن أن يظهر بها، الصورة بوصفها انكشافاً للستر والشرّ، الرجل بوصفه إمّا حارساً وإمّا ديّوثاً، والبيت بوصفه منطقة شرف لا حياة يومية من الممكن عرضها.

لم يسحب الوزير تسميته للناس بهذه الطريقة العنيفة والرمزية. لم يقل إن تحويل الناس إلى موضوع للاستهلاك التقييمي ووضعهم في دائرة العار عنف يستحقّ الاعتذار… لم يقل إن الكلمة نفسها تكشف تصوّراً مشوّهاً للعلاقة بين الإعلام والجسد والمرأة. هو أعاد ترتيب المشهد الذي ظهر فيه وإدارته، كي تبدو الكلمة جزءاً من شرح، لا جزءاً من بنية أسّس لها بنظرية ودافع عنها بشراسة. إنه لن يتخلّى عن البنية التي أنتجت العبارة، إنما يحاول ترميمها أو رفضها، لا يخرج من اللغة التي صنعت الوصم.

لذلك لا تكون القضيّة: هل اعتذر السيد الوزير؟ القضيّة: هل تغيّر نظام التسمية عنده؟ هل خرجت المرأة، في لغته، من موقع الشبهة إلى موقع الذات؟

ثم نحن لا نعرف القوّة أو الاختصاص الذي يملكه الوزير ليستحقّ منصبه، حتى محاولته تأكيد اختصاصه وقدرته، في مقابلته على قناة سوريا، بشهاداته ورفعه من شأن الجامعة اللبنانية ليست مشكلة بحدّ ذاتها. المشكلة في المفارقة التي شاهدناه فيها  على قناة “سوريا” في مقابلة مع امرأة، بينما كانت ظهوراته الأخرى، مثل ظهوره على قناة “كربلاء”، داخل فضاء ذكوري شديد الوضوح: شيخ، وباحثون، ومحاضرون. والفيديو الذي استلم فيه الوزارة من الوزير السابق كان مع مجموعة من الذكور دون ظهور امرأة واحدة في اجتماع للمؤسّسات الإعلامية التابعة للوزارة.

خططه ورؤاه ظهرت للمرّة الأولى مع مذيعة في قناة “سوريا”، وهذا جيّد، لكنّ السؤال يبقى: هل يقبل فعلاً بأن تكون المرأة التي تملك راتباً، وصوتاً، وحضوراً عامّاً، شريكة طبيعية في المجال الإعلامي؟ ألا نحتاج توضيحاً للرؤى السابقة؟

ليست مشكلة زعرور أنه متديّن، المشكلة أن تصل رؤاه وتديّنه الخاصّ إلى وزارة الإعلام. هنا لا تبقى قناعاته ضميراً فردياً أو آراء شخصية، إنما قد تتحوّل إلى معيار داخل مؤسّسة عامّة تشمل حيوات السوريين كلهم.

الوزارة من مؤسّسات الدولة، وهذا بديهي، لذلك نخاف على شكل الوزارات نفسها. كيف يمكن أن نفهم حرّية الإعلام بعد اليوم، ونحن نعرف أن وزير الإعلام يحكم عبر خوفه الشخصي من الجسد والمرأة، وعبر تصوّره الخاصّ عن البيت والغرب والستر والعار، وعن ظهور رجل وامرأة في فيديو واحد؟

الوزارة ليست منبراً وعظياً، ولا امتداداً لعقيدة فردية، ولا مساحة كي يختبر الوزير قلقه الأخلاقي على المجتمع. المشكلة لا تقف عند كونه متديناً أو محافظاً، إنما عند احتمال أنه لا يرى الإعلام إلا من زاوية خطاب مبعثر، يتنقّل بين قناة “كربلاء”، والحديث عن الحداثة، والأمن السيبراني، وتعميمات غير مترابطة عن الغرب والمرأة والعائلة. مشكلتنا معه أعمق من فيديو واحد. مشكلتنا في طريقته في رؤية العائلات عبر الصور، وفي عجزه عن فهم الصورة والفيديو كجزء من الثقافة الحديثة، وعن رؤية الجسد كحضور إنساني عادي داخل الحياة العامّة. لذلك تبدو كلمة “دياثة” ردّاً أعمق من الشتيمة نفسها: ردّاً على خروج الناس من الخفاء إلى العلن. عنده لا يعود الإعلام مساحة ظهور، إنما مساحة خطر. ولا تعود العائلة حياة يومية تظهر أحياناً في صورة، إنما احتمال فضيحة يحتاج إلى حارس.

بإمكاننا أن ندخل على رابط المحاضرة التي ألقاها الوزير، ونرى التعليقات الجديدة عليها، كلمة “ديّوث” دخلت على يوميات الحياة السورية من خلاله كسخرية وشتم وشماتة. إنها داخل الاستعمال في الحياة العامّة اليوم، لم تعد الكلمة في المخيّلة القاموسية والكتابية، بل تعمل بين الناس، اللغة طريقة عيش ولعبة من السهل المشاركة فيها. لقد صنع لنا الوزير فزعاً هائلاً من الخوف من المرأة والعائلة. سندفع ثمناً ما لهذا الاعتذار الناقص.