ليس ما سمعناه على لساني بشّار الأسد ولونا الشبل في الفيديوهات المسرّبة لهما عن طبيعة قتال “حزب الله” في سوريا، مؤشّراً وحيداً على العلاقة الغريبة العجيبة بين رفاق السلاح والشركاء في الدم السوري، ومن المرجّح أن الشبل قُتلت في هذا السياق، لكنّ مؤشّرات أخرى سبقت تسريب الفيديوهات، ومنها ما يعرفه لبنانيون شيعة، كانت تصل إلى مسامعهم روايات مقاتلين في الحزب من أقاربهم ممن شاركوا في القتال في سوريا.
حكايات وحكايات عن جيش النظام السوري المندحر، إلى حدّ كنا نسأل أنفسنا نحن المستمعين، عن طبيعة تلك المهمّة الرهيبة المتمثّلة في القتال إلى جانب نظام يقول المقاتلون إنه على هذا القدر من السوء والقذارة.
لا بأس، ففي المقابل كانت روايات الضبّاط السوريين عن “حزب الله” وجماعاته العراقية والأفغانية لا تقلّ سوءاً. ففي وثيقة مسرّبة من أحد الفروع الأمنية اطّلع عليها “درج”، يشكو ضابط سوري لرئيسه من ممارسات السطو و”الزعرنة” التي يُقدم عليها عناصر لبنانيون وعراقيون في مدينة دير الزور، ويشير إلى عجزه عن التصدّي لهم و”حماية الناس منهم”.
في دمشق، تسمع من الناس، كلّ الناس، حكايات لا تنتهي عن حواجز “حزب الله” في المدينة وعن ممارساتهم، وعن الطبيعة الاحتلالية لانتشارهم في المدينة، وعن تشييع الشام، ليس عبر “التبشير”، إنما عبر غزوها وشراء العقارات وتضخيم المزارات، والانتشار الأمني في محيط المسجد الأموي.
تسريب الفيديوهات، لا سيّما ذلك المشهد الذي يسخر فيه الأسد والشبل من كفاءة “حزب الله” مقارنة بكفاءة الجنود الروس، مناسبة جديدة للتفكير بمستقبل العلاقة بين الجماعة الشيعية في لبنان، وبين أكثريات هذا المشرق وأقلّياته، التي ضرب “حزب الله” عرض الحائط بعلاقته معها. ذاك أن سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا، كشف عن دور رهيب لعبه الحزب في المأساة السورية، وهو ليس فقط لم يجرِ مراجعة للطبيعة الارتزاقية لهذا الدور، إنما يواصل اعتبار هذا الدور “مهمّة مقدّسة” على نحو ما يعتبر مهمّته في جنوب لبنان وفي غزّة وغيرها. في الخطاب التأبيني الذي أقامه الحزب لرئيس أركانه هيثم طبطبائي عدّد أمينه العام نعيم قاسم مآثر الرجل ومن بينها قتاله لسنتين في سوريا!
إقرأوا أيضاً:
إذاً، المهمة ما زالت “مقدّسة”، ويبدو أن الحزب ليس بصدد مراجعتها، وهو وإن وطّن نفسه لهذا الاحتمال، ليس معدّاً للإقدام على ما تطلبه من محاسبة. فقرار القتال في سوريا، إيراني، ومراجعة هذه الخطوة ونقدها يفترض تعريض قرار إيراني للنقد والمحاسبة، وهو ما لم يسبق أن أقدمت عليه جهة مستتبَعة في حقّ وجهة مستتبِعة.
إذاً، الجماعة الشيعية اللبنانية عالقة في هذا الاستعصاء، وهو استعصاء واحد من بين عدد من الاستعصاءات التي وضعها “حزب الله” فيها. فمواصلة العيش في الكنف المشرقي في ظلّ اضطراب على هذا القدر من الصعوبة، سيكون مهمّة شاقّة، والوقائع سائرة نحو تكريس مظلومية الأكثرية السورية، لا بل تحويل هذه المظلومية إلى جوهر السلطة في سوريا.
لبنان لن يحمي شيعته من تبعات مهمّة “حزب الله” في سوريا، وما يعزّز هذا الاعتقاد أن الحزب نفسه ليس بصدد صياغة علاقة مع مكوّناته تنطوي على طلب حماية. الحزب يواصل في لبنان ما كان يفعله في سوريا، وأكثر من نصف اللبنانيين، يشعرون بأن ما يعرضه عليهم الحزب لا يقلّ عمّا عرضه على السوريين.
كثيرون تساءلوا عن طبيعة ردود فعل كثير من الشيعة اللبنانيين على فيديو بشّار ولونا، وعن القتال لحماية نظام يكنّ احتقاراً لمن هبّوا لحمايته. ومن بين مقرّبين من الحزب شرعوا بالقول إنهم تحفّظوا على المهمّة في سوريا منذ البداية، من يعرف لماذا توجّه “حزب” الله للقتال في سوريا؟
الجواب الوحيد هو أن الحزب لم يتوجّه للقتال في سوريا بقرار من قيادته اللبنانية. لقد كان جزءاً من أذرع إيرانية تقاتل هناك، وهو إلى اليوم ذراع إيرانية تقاتل في لبنان، ولا سبيل لرأب الصدع مع المشرق إلا ببزوغ خيار غير “حزب الله”، وهو ما ليس بالمتناول اليوم.
إقرأوا أيضاً:













