اقتراب المعارك من حماة بعد تحرير حلب في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي إثر عمليّة “ردع العدوان”، دفع بسلمى (اسم مستعار) السيّدة العشرينية الحامل في شهرها الأخير للخروج من بيتها في قرية أرزة، وبعد سقوط النظام عادت إلى منزلها، لتقضي أيّام النفاس فيه، لكن البيت لم يكن كما تركته، عادت لتجده من دون نوافذ وتدفئة، ومحتوياته كلّها سُرقت، ومع ذلك لم يدم بقاؤها فيه طويلاً.
خرجت عائلات كثيرة من قُراها مع تسارع عمليّة “ردع العدوان”، ووفقاً لتقرير برنامج الأغذية العالمي الصادر في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2024، فقد نزح أكثر من مليون شخص داخلياً منذ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، نتيجة التدهور الأمني المفاجئ، وامتداد الاشتباكات إلى مناطق مدنية في محافظات عدّة، من بينها حماة وريفها، وجاء في التقرير أن “النزوح الجماعي الأخير أطلقته التحوّلات الميدانية المتسارعة التي خلقت حالة من انعدام اليقين، ودفعت مئات الآلاف لمغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان”.
لاحقاً في 31 كانون الثاني/ يناير داهم مسلّحون قرية أرزة، وطرقوا أبواب بعض منازلها، وقتلو عشرة مدنيين بينهم طفل، في عمليّة دقيقة وسريعة وصامتة تبنّتها مجموعة تُعرف بـ”سرايا أنصار السنّة”، يقودها “أبو عائشة الشامي”، وتتبنّى عمليّات لا مركزية بأسلوب الذئاب المنفردة، الهجوم مرّ بلا محاسبة.
قرية أرزة، التي انتشرت صورة لافتة تقول إن اسمها تحوّل إلى “خطّاب الجديدة” لم تكن وحدها، فقد وثّق “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن ريف حماة شهد بعد أسابيع قليلة من سقوط النظام، واحدة من أولى موجات النزوح الداخلي في سوريا الجديدة. عائلات كاملة غادرت قراها بدافع الخوف من استهداف طائفي مباشر، لتّتجه نحو بلدات الساحل أو مناطق مجاورة بحثاً عن الأمان.
وفي السياق نفسه، جاء في تقرير EUAA – Syria: Country Focus (آذار/ مارس 2025) عن تعرّض عدد من القرى العلوية في ريف حماة لمداهمات نفّذتها جماعات مسلّحة، يرتدي عناصرها زيّاً مشابهاً لـزيّ “هيئة تحرير الشام” أو فصائل المعارضة السابقة، مما أدّى إلى تهجير واسع النطاق، تَرافق مع سرقة ممتلكات ووقوع قتلى.
في السابع من آذار/ مارس 2025، كانت المجزرة في أرزة علنية، تقول سلمى (اسم مستعار) التي خرجت من منزلها وهي تحمل طفلها الرضيع، بعدما تلقّى الأهالي إنذاراً بإخلاء ما تبقّى من بيوتهم خلال ثلاث ساعات فقط. حين تواصلتُ معها، خيّم الصمت على المكالمة، لم تتكّلم كثيراً، التفاصيل جاءت لاحقاً من زوجها، الذي بدت كلماته وكأنها محاولة لتفريغ ذاكرة مثقلة: “صار اللي صار يوم الجمعة… يوم مجازر الساحل. الظهر، 200 أو 300 شخص من قرية خطّاب اجتاحوا الضيعة”.
نُفّذت المجزرة على يد مسلّحين من قرية خطّاب المجاورة لأرزة، حسب سكّان المنطقة، تابع زوج سلمى قائلاً: “حاجز الهيئة حاول يوقف المجزرة، أنقذوا عشرة شبان من الموت، بس العدد كان أكبر من قدرتهم، عطونا أمان لنغادر… وتركنا الضيعة كلّها”.
وفي تقرير لصحفية “الغارديان” وثّق المجزرة ميدانياً، قال أبو جابر الخطّابي أحد القياديين المحلّيين في بلدة خطّاب، إن سكّان أرزة “استحقّوا ما جرى”، مبرّراً ما حدث بأنه ردّ فعل انتقامي لما تعرّض له أبناء قريته خلال سنوات حكم النظام السابق، بما في ذلك مقتل أحدهم بحجر على يد مسؤول أمني من أرزة، على حدّ زعمه، وأضاف: “شو بتتوقّع من القرى اللي عاشت هالشي، نوزعلهم ورد؟”.

الصراع بين قريتي أرزة وخطّاب ليس بجديد، وبالأخص أن القريتين كانتا على شفير الصراع بين النظام السابق، الذي أيّدته الأولى والمعارضة المسلّحة التي دعمتها الثانية، وسبق أن سيطرت فصائل إسلامية مسلّحة على القريتين، تحت ما يسمّى “غزوة بدر الشام الكبرى” التي قادها عدد من الفصائل المسلّحة آنذاك في ريف حماة، ثم انسحبت منها بعد أقلّ من شهر.
أخبرني زوج سلمى أيضاً أنهم لم يتوقّعوا أن يحدث أكثر مما جرى في كانون الثاني/ يناير، لذا زرعوا موسم البطاطا في أرضهم، لعلّهم يعوّضون ما سُرِق، لكنّ تفاؤلهم لم يكن في محلّه، وعند سؤاله عن وضع أرضه أخبرني أنه تركها في عهدة جاره الذي يرعاها، فهو لا يمكنه زيارتها، وأنه يرغب في بيعها لأنه كما أكّد لي في نهاية المكالمة لا يعتقد بأنه سيعود إلى القرية يوماً.
شكت لي سلمى التي تسكن وعائلتها في مدينة مصياف الآن، ضيق الحال قائلة: “خرجنا بملابسنا ولا نملك شيئاً، ولولا مساعدة الناس كان حالنا في الويل”، الآن اعتماد أسرة سلمى الأساسي على المساعدات، أو ما يمكن لزوجها أن يحصّله من عمله في المزارع المجاورة، ورغم كلّ المآسي ما فكّرت به سلمى كان طفلها الصغير: “نحنا بس بدنا حليب لهالصغير”.
قرية التويم: لا نوم والمجزرة خارجاً
كانت مجزرة التويم مفاجئة، فالقرية الوادعة كما وصفتها باسمة (اسم مستعار) هزّتها المجزرة التي حصلت في التاسعة مساء بعد عدّة ساعات من مجزرة أرزة ، أخبرتني باسمة أنهم شعروا بحركة غير طبيعية خلال ساعات النهار يوم 7 آذار/ مارس، من سيّارات ودرّاجات نارية تتحرّك، ورغم التطمينات لم يطمئنّوا قط، حاول بعض السكّان الخروج من القرية لكنّ الحاجز منع كلّ من يحمل أغراض بيته وعائلته من الخروج.
في المساء، ورغم فرض حظر التجوال لضمان سلامة المواطنين، ازدادت الحركة بشكل متسارع لتعلو أصوت التكبير، وتبدأ تصل إلى باسمة وأسرتها أخبار الموت من الجهة الأخرى من القرية، فتركض ليلاً وهي تحمل أطفالها بين أشجار الزيتون. هوّية الفاعلين كانت مجهولة، وكلّ ما قالته باسمة عنهم كان توصيفات: “رجال بشعر طويل يرتدون السواد وذوو ملامح لئيمة”.
آثرت باسمة السكوت عن هوّية الفاعلين لتحمي أسرتها، ومن بقي من سكّان القرية التي تهجّر أغلبها بفعل المجزرة، ارتجف صوتها وهي تقول: “قتلوا أطفالاً هل يمكنك تصديق ذلك”، مردفة: “لا أجرؤ على إرسال أطفالي إلى المدرسة، ونحن مضطرّون للبقاء في القرية، لا مكان آخر نذهب إليه، لا نملك مالاً ولا مصدر رزق ولا مأوى”.
القرية بعد المجزرة التي راح ضحيتها 31 شخصاً بينهم نساء و10 أطفال، باتت كمدينة الأشباح على حدّ وصفها. لا يمكن للنساء التحرّك كما اعتدن في القرية، والحجاب بات خياراً لتفادي الشبهات بعد تخويف سيّدة قريبة لباسمة، إذ قالت لها: “هدّدوني بقتل زوجي إن لم أتستّر”. الحديث عن مصدر معيشة السكّان في القرية ألم آخر، فما زُرع في وقت سابق من هذا العام، قُضي عليه بالرعي عمداً. التويم تعيش اليوم على ما يساعدها به سكّان القرى المجاورة الذين يرسلون لهم الخبز كلّ يوم.
قرية المبطن: “كلّها شغلة يومين وبنرجع”
قرية المبطن في ريف حماة الشمالي كانت إحدى القرى التي هجّرت بالكامل، وكما أخبرتني رانيا (اسم مستعار) التي راسلتها لآخذ شهادتها، وصمتت لأيام قبل أن ترسل لي فجأة رسائل تخبرني بها بتفاصيل ما حدث.
في 30 من تشرين الثاني/ نوفمبر خرجت رانيا من منزلها تحمل بعض الأغراض، معتقدة “إنه كلّها شغلة يومين وبنرجع”، تنقّلت بين دمشق وطرطوس لأيّام، قبل أن تستقرّ في منزل هي وثلاث أسر أخرى في إحدى قرى منطقة مصياف مع نهاية 2024.
كان جوابها عن سبب الخروج هو اقتراب المعارك خلال عمليّة “ردع العدوان” من قريتها، وأن جيش النظام كان قد تمركز فيها، فخرجت مع أطفالها، وقتل شخص من قريتها عاد بعد سقوط النظام بأيّام، كان قتله رسالة لهم بعدم التفكير بالعودة حسب قولها.
تعيش رانيا ظروفاً سيّئة نتيجة تدهور حالتها الصحية، فالصبية الثلاثينية باتت تعاني من مشاكل في القلب وأمراض ضغط الدم وأمراض عصبية أخرى ، ورغم أنها حاولت جهدها لمساعدة زوجها الذي سُرّح من وظيفته، حيث كان متعاقداً مع وزارة الإدارة المحلّية ضمن الناجحين في مسابقة العام 2021 للمسرّحين من الخدمة الإلزامية، فإن المرض أجلسها.
الحديث عن الأرض كان المسيطر على كلامها، والخوف من خسارتها كان أكثر ما كان واضحاً، تقول: “عرضوا علينا شراء أرضنا بربع الثمن، كانوا كُثراً، بعضهم من الجيران من القرى المجاورة… ونخاف أن يستمرّ ضيق الحال ونضطرّ للبيع في الخريف المقبل”.
الأمر مؤلم لرانيا، فأشجار الفستق الحلبي بالكاد طرحت أوّل مواسمها في العام الماضي، تقول: “عمر الشجر من عمر بنتي 8 سنين”، رغم كلّ التعب الذي كان بادياً على رانيا، كانت تقاوم بطريقة مختلفة، حيث أخبرتني أنها رفضت أن تتنازل عن تعليم بناتها الصغيرات.
الأولويات بالنسبة إلى مهجّرة أخرى من قرية المبطن مختلفة، فالسلامة أهمّ من خيار التعليم، حيث امتنعت السيّدة ربا (اسم مستعار) عن إرسال أطفالها إلى المدارس وابنتها الجامعية جلست في المنزل هذا العام، تقول:”روحها وسلامتها أهمّ من الدنيا كلّها”، الخوف من الخطف قلق إضافي تواجهه العائلات المهجّرة.
خرجت ربا من المبطن في 1/12/2024 إلى قرية أقرباء لها في ريف مصياف، واستقرّت فيها قرابة الشهرين ونصف الشهر، قبل أن يقرّروا الانتقال إلى سهل عكار في طرطوس للبحث عن عمل، تقول ربا: “اليوم اللي بنشتغل فيه بناكل وإذا ما اشتغلنا بعين الله”.
ربا التي خضعت سابقاً لستّ عمليّات جراحية بالكاد تبلغ ال45 من عمرها، متمسّكة بآخر نفس لها لتعيل أسرتها، حيث تخرج للعمل في الأراضي الزراعية مع زوجها، بحسرة قالت: “كان لدي محلّات تجارية وأرضٍ زراعية وماشية، كلّها راحت يا خالتي”.
الهدوء والحزن في صوتها وطاقتها على الحياة كانت تحرّك الكلام، في حين أصابني الصمت عندما تحدّثت عن سارق أغراض منزلها الذي حصل على رقم هاتف ابنتها من أوراق رسمية تخصّها، وبدأ بالاتّصال بهم بشكل يومي ليخبر زوجها بالأشياء التي سرقها من منزلها.
أكّدت لي ربا أن قرية المبطن خرجت بالكامل، وقالت بصوت مقهور: “ما بظن بقا في رجعة”، وعند سؤالها عن أرضهم وأملاكهم ساد صمت طويل، قبل أن أسمعها تقول بصوت خافت محدّثة زوجها: “عم تسألني عن الأرض تعال اشرحلها”، ليخبرني أنهم عرضوا عليهم شراء الأرض إلا أنهم رفضوا، وأنه لم يتعرّض للضغط للبيع كما حدث مع غيرهم، وعندما سألته عن الجهة التي أرادت شراء الأرض، أخبرني أنه مستثمر ما، لا يعرف تفاصيل عنه.
في الحديث مع السيّدات المهجرات كان الجواب عن هوّية من سرق منازلهن واستقرّ بها مجهولة. رانيا قالت لي جماعة يسمّون: “عَرَب الشحرة”، لكن لم يتواصل معها أو مع غيرها أحد ليعرض مبلغاً لاستئجار المنزل، كلّ ما كنّ جميعاً متأكّدات منه، أن منازلهن باتت مستباحة من أشخاص آخرين قادمين من الشمال من الرقّة أو إدلب.
قرية الشيخ علي كاسون: “دخلوا منزلي وسرقوه وحرقوه”
لكن، وعلى عكس الجميع كان إحساس الخذلان يرافق بادية (اسم مستعار) من قرية الشيخ علي كاسون في ريف حماة الشمالي، التي تهجّر أهلها بشكل جزئي، فهي تعرف الجاني جيّداً: “الجيران البدو في القرية هم من دخلوا منزلي وسرقوه وحرقوه”، فقد أشار “المرصد السوري” إلى حالات تهجير جزئية من بعض قرى ريفيْ السلمية والحمرا.
بادية التي عانت التهجير بفعل الرعب مرّتين، بعدما ما استقرّت وعائلتها في إحدى قرى حمص تقول: “الشائعات وأصوات إطلاق الرصاص دفعتنا للرحيل إلى طرطوس مع بداية شهر شباط”. تستند العائلة التي انهارت بعد فيديو لمنزلهم (تحويشة العمر) محترقاً، على بادية التي باتت تعمل في دار خياطة في قرية برمانة في طرطوس مع ابنتها الصغيرة، وهي متفائلة رغم قلّة المردود.
تقول بادية: “رغم كلّ ما حصل من سوء ورغم كلّ الألم، فقد تعرّفنا على أشخاص طيبين ساعدونا وفتحوا لنا منازلهم”، بحسرة تحدّثت عن مؤونة الشتاء التي بيعت في بسطات في قريتها تحت مسمّى “مؤونة العلويين”، لم يأكلوا منها البتة، فكلّ شيء حصل فجأة على حدّ قولها: “بالكاد انتهينا من قطاف موسم الزيتون وفجأة جرى ما جرى”.
مع اقتراب المعارك من قريتهم في أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وعلى حدّ قولها بعد سقوط النظام، حاول وفد من القرية العودة بوساطة من المجلس الإسلامي الإسماعيلي، الذي كان له دور في التهدئة والوساطة مع قوّات النظام السابق، وتطمين السكّان عند وصول غرفة العمليّات المشتركة لعمليّة “ردع العدوان”، إلى مدينة سلمية في 5 كانون الأول/ ديسمبر 2024 “لولا وساطة المجلس اللي عطاهم الأمان كانوا قتلوهم”.
وتردف: “اتّجه 7 من رجال العائلة إلى القرية للاطمئنان على أرزاقهم في شهر شباط/ فبراير، إلا أنهم تعرّضوا للضرب ومحاولة الإذلال، “أخذوا أحذيتهم وساروا حفاة إلى سرايا سلمية حيث بقوا لأيام قبل أن يقرّروا أن الرحيل محسوم وأن العودة أصبحت أمراً مستحيلاً”، وتختم بادية:”السنة الجاية راح إبعت ولادي عالمدرسة وان شا الله بنرجع ليش حتى ما نرجع؟”.
إقرأوا أيضاً:










