ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن الجزائر والابتسامة الغائبة من شفاه النظام

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يعزى غياب الابتسامة لديهم إلى حسابات وتكتيكات تتلاوح بين مصالحهم من جهة وخوفهم على مكانتهم لدى العليين، وهو خوف مختلط بمشاعر أقوى من مجرد لحظة فرح عادية وبراءة النية في ما يفعلونه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا يبتسم بوعلام بوعلام، مدير ديوان الرئاسة الجزائرية، كثيرًا، على رغم أن بعض من يعرفونه يقولون إنه صاحب نكتة وظرافة… هذه مرتبطة بسياقات مختلفة، كأن يكون مع أقرب مقربيه من الأصدقاء أو في خلوة مع العائلة. وقلما تُظهر شاشات التلفزيون ابتسامات الفريق أول السعيد شنڨريحة، فالرجل منضبط وصارم، وهي صفات يتمتع بها كل عسكري، فلا يمكن أن تبرز الابتسامة إلا بقدر معلوم، وفي كثير من الأوقات لأسباب بروتوكولية بحتة. ولا تفكر إطلاقًا في ابتسامة الفريق محمد مدين، المشهور بتوفيق، الغامض والرجل السابق لجهاز الاستخبارات. ولا تفتش عن شكلها لدى العميد موساي فتحي، الشهير بالصادق، مدير الأمن الخارجي، ولا عن فصلها عند عبد القادر آيت أوعراب، الملقب بحسان، المدير العام للأمن الداخلي. فهذه من المستحيلات السبعة، فهي ممحوة تمامًا ولا أثر لها لا سمعاً ولا بصراً، موضوعة ومحفوظة في خانة المحرمات. ومع ذلك، فمن الصعب أن نتخيل شنڨريحة أو غيره من الضباط الكبار لا يتمتعون بحس فكاهي خفي. وقد نجت الضحكة المجلجلة للراحل خالد نزار، وهو يلتقي بعد تقاعده ببعض الإعلاميين، من مقصلة “التشناف” والتجهم. ولا نعدم أن تكون هناك ابتسامات غزيرة تسري في قلب النظام وحواشيه، لا نراها نحن الرعية والناس البسطاء، الذين نضحك علناً ونبتسم بسبب أو بدون سبب.

التاريخ البصري المغيب للابتسامة

وجوه المسؤولين، من وزراء وعسكريين وغيرهم، الذين لا تطفو على شفاههم الابتسامات، علامة فارقة ومحيرة داخل النظام الجزائري، وتحيل إلى الكثير من الأسئلة، أبرزها: لماذا هم هكذا؟… فمن وجه الرئيس تبون، الصافي في الكثير من الأحيان، من الابتسامات، مرورًا برئيس ديوانه الذي لا يوزعها على أي كان، إلى رئيس حكومته الذي يشذبها، وإلى رئيس الأركان الذي يسربها قطرة قطرة، وانتهاءً بوزرائه الذين يهربونها على الهوامش التي لا تُـرى، ويطبقون أفواههم تمامًا في حضرة المناسبات الرسمية أو في الاجتماعات، حتى تخال أن على رؤوسهم طيوراً سوداء.

جولة سريعة على الكثير من الصفحات الرسمية للوزارات عموماً وفي الكثير من توابعها، حيث تضج هذه الصور وتتنوع حسب الظرف، تكشف، غالباً، عن غياب الابتسامة الجميلة والظريفة من وجوه أصحاب القرار. كأن المسؤولية الثقيلة تجعلهم دائمًا في وضع لا يسمح لهم بمطلق ابتسامة أو حتى لمحة من الفرح والسرور. هل الحمل فعلاً بهذا العسر الى درجة تُطمس معه البهجة والمرح والزهو عن وجوههم؟… كان يمكن، أيها الوزير، أن تبتسم، لتضفي على الجو شيئًا من الراحة، وتخفف من توتره، ناشرًا بعض الطمأنينة.

أحياناً، يخيل إلينا أن ابتسامة المسؤولين هي جزء من السلطة ذاتها، تحتاج أن تقرر بمرسوم وتنشر علناً، ليعرف المسؤول متى يُسمح له بالتبسم، وبأي طريقة وأسلوب، وتمنعه من الإطالة فيها أو حذفها نهائياً من يومياته متى ما باشر مهمته حتى لا تتحول إلى عادة يمكنها أن تستحوذ على العقول والقلوب، وتظن الرعية أن الطريق سالك نحو أحضان النظام الدافئة… وقد تتطور بشكل مثالي، إلى قوة ناعمة، وتساهم في تغيير فوضى الوجوه المكفهرّة، وتعيد إنتاج الواقع القاسي الذي يعيشه المواطن العادي، الذي، كما أسلفنا يبتسم بسبب وبغيره… فلنتصور لو نهض هذا الأخير وذهب لقضاء مشاغله التي يلاحقها منذ أشهر، لو أنه قابل الوالي أو المير أو أي مسؤول، مهما كانت درجته، وقد أبان عن ابتسامة بدلاً من تكشير أنيابه وكأنه يتهيأ للانقضاض على المواطن – الفريسة.

غياب الابتسامة، كمدلول عاطفي وإنساني، كبح بقاء المسؤول في مخيلة الشعب، فمن يمكنه أن يتذكر الوزراء والمسؤولين الذين ابتسموا أو ضحكوا… يميل الجزائريون إلى الوجه البشوش، المرتبط غالباً بمواقف معينة، ولكن لم يرتبط أي من المسؤولين بأي من هذه المواقف كي تبقى في الذاكرة. بل، تحول الكثير منهم إلى ما يشبه المهرجين، يثيرون الضحك والسخرية بسبب تصريحات تصدر عنهم أو تعليقاتهم الهزلية أو خطبهم المهلهلة في تجمعات شعبية. ولعل أشهر من طبع هذا المشهد، رئيس الحكومة السابق عبد المالك سلال، ووزير التضامن السابق محمد ولد عباس، المسجونان اليوم في قضايا وملفات فساد.

عُد الوجه المتحجر والخشن والبارد الشكل الأنسب للحكم والسلطة في الجزائر، وترسخ كواجهة في كل  المستويات، ولم يقتصر الأمر فقط على رجالات النظام، بل شمل أيضاً الأوساط السياسية والثقافية والمجتمعية… الابتسامة لم تعد تعمل كهبة لدى هؤلاء، بل نمّطوها في قالب موحد بملامح مشدودة وحزينة ومهمومة وغارقة في الشرود.

ليس هناك تاريخ بصري يمكن أن يساعد في عرض أشهر الابتسامات لرؤساء الجزائر، ففي خزائن الأرشيف نتف من صور ولقطات يكاد يبتلعها النسيان، فلا نفرت ابتسامة بن بلة من حيزها المرتبط بلحظة الاستقلال، حيث لم ينعم بها كثيراً حتى انقلب عليه بومدين وكشر له عن أنيابه، بل كانت له نظرة جافة مخيفة صاحبته إلى مثواه الأخير، ومُحي عن ملامحه الانشراح والمودة، ليعوضه فجأة الشاذلي بوجه مرتخ، مقطب الحاجبين، أحكم على الابتسامة وقبض عليها حتى لا تنفلت، وحمل بوضياف بشائر كادت أن تحيي الابتسامة من الرميم، غير أنه لم يُسعدنا بها، واغتيل في مشهد أقفل نهائياً على كل الشفاه، وتشققت من شدة الحزن والألم. وكان على زروال أن يمحو آثار الغبن والمحن في لمحة صفاء، ولكن التراكم الذي خلفته أحزان عشرية الدم والإرهاب حال دون أن تجد الابتسامة طريقها بين الصفوف والفرص والبرهة لتتجدد، لتصير عند بوتفليقة بسمة ممزوجة بالغضب والسخط، وذبلت لدى تبون، الذي أرهقه الاضطراب الحاصل في البلاد، فلا تعرف متى هي حقيقية، ومتى هي مصطنعة؟

الحراك المبتسم في مواجهة سلطة مكفهرة

جاء الحراك المبتسم، كما تمّ نعـْـتـُه، ظـُـنّ أن مرحلة الوجوم قفلت إلى غير رجعة بعد فترة حكم سادت فيه نصف ابتسامة معلنة في الصورة والمشهد، دارت بين عصب وجهات وأطراف وشبكات، استفادت وسيطرت على مقدرات البلاد. ولكن، في الجانب الآخر من هذه الصورة والمشهد، وفي السر أحياناً كثيرة، في جلسات خاصة على شاي و”قاتو”، كانوا يضحكون ملء أفواههم على الشعب، وكانت هذه بمثابة شرارات تكاثرت وتضخمت في الوسائط والوشوشات، حتى اشتعلت ولفح لهيبها في الشارع. أحتضنها على رغم سخونتها، وسرت في انتفاضة باردة وسلمية، كان عنوانها الأبرز الابتسامات. من هنا، احتدّت النظرة إلى كل مسؤول أفقدته القدرة على الوقوف في الخضم الهائل للأفواه التي تبتسم، فغادر الساحة. انتفضت ابتسامة أخرى من الصمت، زحزحت الخوف والرعب والتجهم، وكان لها حضور واسع في الشارع، انتقلت من مناطق الهامش، وتحولت من عادي إلى استثناء، وتعبئة وثورة ضد الحقرة والظلم.

بدّل الشارع لونه الغائم طوال فترة الحراك، وضبطه على إيقاع كل الابتسامات التي لم تفرق بين شيخ وشاب، بين فتى صغير ويافع، بين سيدات محترمات وبين سيدات يذهبن إلى كل مكان… بين مسلم وعاص، وبين علماني ومؤدلج، بين النساء والرجال… الكل أخذ حظه منها، واختفى المسؤول من الواجهة وخفت حسّه… تقدمت الابتسامة في خطوات جبارة على ذقن الدولة العابسة.

لم يعد المسؤول، الذي أقلقته هذه الابتسامات، إلى رشده ليتشارك ويتذوق حلاوة أن يظل مبتسماً، مثلما فعل الشارع طوال عامين وأكثر، ولم تخطر بباله، وفي حسبانه، أنها قد تكون شرط وجاهة وقبول، بل في مفصل هائج من التحولات كان لها أن تتيح التغير، ولكن الرجل النافذ، وسيد تلك المرحلة، الفريق قايد صالح، واجهها في كل خرجاته، فعبس في وجهها، لم يأذن للابتسامة أن تستبيحه، مثلما فعلت في الشارع، داس عليها حتى لا تسقط الدولة، أو توهم أنها ستسقط بمجرد أن تعتلي وجوه جديدة السدة بشفاه مبتسمة.

في عرفه وعرف العائلة الحاكمة (أو الآباء المؤسسين للحكم في الجزائر)، من المستحيلات أن يتغير النظام إلى نظام سلسل منقتح ومبتكر ومتحرر من القيود التاريخية، إذ ظلّت الرؤية المتجذرة في فهم الحكم مؤسسة على ثقافة مغلقة، محاطة بالحذر والشك والريبة، وأضيفت لها في السنوات الأخيرة حكاية “المؤامرات”، بوصفها “سندروما” مقلقاً، لا تتسع معه الأمكنة إلا لنزر قليل من الضحك والمرح والبساطة، ويجب أن تبقى كذلك. فالظرف لا يسمح، كي تنتصر الابتسامة، مهما كانت نيتها وسحرها، لذا فضل النظام أن يظل على تصلبه، ولونه، وشكله، وجوهره. وما زالت شفاهه الغليظة تتماهى مع الكآبة، والطيور على الرأس، كلما مرت صور بعض الوزراء والمسوؤلين عبر الشاشات. سيلزمكم وقت، أيتها الرعية، حتى ينضج، ويفزع هذا الوضع من كمونه، ويتفتح كالزهور على مشهدية نظيفة، مزركشة بثغور تلهم ببشاشتها وحبورها.

سقطت الابتسامة من واجهة الحراك، الذي لوح بعهد جديد، مفرغ من ثقل نظام ضحك على الشعب سنوات طويلة، حتى ترهل من كثرة النفاق والكذب والهيمنة والخداع والزيف. ولمسنا سريعاً أن ممارسة فعل الابتسامة لم يطابق الطموح والرغبة التي ارتفعت في الشارع إلى مستويات عالية، لتوفير عيش كريم واستقرار وازدهار. فالفريق الجديد للحكم أذهلته أنهر النفوذ الذي يجري بين أيديهم، فلا هو صدق أنه يتحكم، في الرقاب، ولا هو كذب أنه يمكن أن يضيع من بين يديه… لا ضحك، ولا زهو، خوف وارتياب وقلق… بل دهشة أيضاً من الحظ الذي اختارهم وزراء ومستشارين ومسؤولين، كما تظهر على محيا وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي التي يندر ألا تكون باسمة، مهما كان المكان الذي توجد فيه، على عكس وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو، ذات الوجه المتشنج، وكأنها تخشى في أي لحظة أن يخطف منها الكرسي، وغير بعيد عنها، وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، الغائصة دوماً في لحظة فلسفية تأملية، وهي تنظر إلى الواقع الثقافي المنتكس… هذا فنان مريض، هذا كاتب غاضب، هذا مسرحي يائس، هذا مخرج مفلس… وهكذا.. فكيف لها أن تبتسم؟

مستقبل الابتسامات في الجزائر

وعلى هذا، تبدو الابتسامة في الجزائر تعاني من الاندماج وسط صنّاع القرار، لا تتدوال إلا بما يتفق وتوجهات الدولة، حيادية عندما تلتقطها الكاميرات، أو مبهرة وعفوية عندما تُختطف على حين غرة، لكنها سرعان ما تتلاشى وتنتهي، ويعود الوزير أو المسؤول إلى وجهه البارد والعبوس، ممتثلاً لقانون الصرامة والرزانة، المغلف بنوع من التروي وحتى بالخشونة.

لا ينطبق الحال فقط على هؤلاء، فعلى الجانب الآخر، هناك أيضا الإسلاميون والعلمانيون على حد سواء، ومديرو التنظيمات، ورؤساء الأحزاب الأشهر منهم والمغمورون، بن قرينة، وفاتح بوطبيق، أو عبد الكريم بن مبارك، ولمين عصماني و عبد العالي حساني شريف، كأمثلة يمكن استدعاؤها لنرى مدى وزن ابتسامتهم، منذ أن سكنوا المشهد، نزنها بمقاييس الحضور والتأثير.

يعزى غياب الابتسامة لديهم إلى حسابات وتكتيكات تتلاوح بين مصالحهم من جهة وخوفهم على مكانتهم لدى العليين، وهو خوف مختلط بمشاعر أقوى من مجرد لحظة فرح عادية وبراءة النية في ما يفعلونه. فهم يعتاشون على تأويل ما يسمح به النظام ولا يتعدونه أبدًا، وأي اقتباس خارج هذا التأويل مرفوض.

بخلاف هؤلاء، ربما هذا هو الدرس الذي وعته لويزة حنون، درس تعلمته وحفظته منذ قارعت النظام وفهمته جيدًا، وتعاطت معه في السراء والضراء، وأدى للأسف إلى غياب ابتسامتها كأيها أنثى، بخاصة في ندواتها الصحافية، حيث تظهر دوماً بوجه محتقن متمرد وساخط، وهذا من شدّة إتقانها للعبة السياسة مع سلطة تدرك جيداً من خلال خبرتها معها أن هذا هو مرادها، ولا يمكن الحياد عنه مهما كانت المواقف والظروف. وإلا، تعرضت للعواصف، كما حدث لها في حادثة “التآمر على الدولة” الشهيرة التي سُجنت على إثرها.

ليس بعيدًا عن ذلك كمثال آخر مختلف قليلاً، ما حدث لرجل سياسي آخر ورئيس حزب “جيل جديد” السابق، سفيان جيلالي، الذي جرب حظه مع النظام، جال وصال وتعذب على أعتاب القصر، وبرر الأخطاء والمعالجات المعوجة، على أمل أن يحظى بموقع مشرف ضمن هرم وسلاسل القرار (وهذه في الحقيقة رغبة الكثير ممن يركضون بلهثة ولهفة وراء السلطة، مهما كان الثمن حتى ولو خلف إطار خشبي وضعت فيه صورة الرئيس الراحل بوتفليقة، وتمسحوا به في مشهد مؤسف خلخل الوعي والعقل، وتفهّه). ولكن سفيان لم يفهم اللعبة جيدًا، التي ببساطة تقول إن القالب الذي يُصنع فيه رجال ونساء الدولة أول شروطه التقليل من الضحك والابتسامات، وأن الرجل المبتسم دوماً لن يحظى بمكانة على طول. فامتـُص ونــُـبذ وأُقصي ونــُـشف ريقه وابتسامته ثم ألقي به في غياهب النسيان.

السلطة مضنية ومريرة، ولسعتها مثيرة، مخيفة وقاسية، تـــُطير العقل، وتـــُذهل كل من تعاطى معها.. أجاءته حظاً أو نالها برضى، مفروشة على طبق ملمع بالذهب أو في صحن مطرز من خيوط العنكبوت… سيان… فما إن يلج أعتابها حتى ينطبع بها، ويقتنع أن حديث الابتسامة في وجه الأخ صدقة، هو مجرد قول مغلف بالسراب وخداع.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
08.01.2026
زمن القراءة: 8 minutes

يعزى غياب الابتسامة لديهم إلى حسابات وتكتيكات تتلاوح بين مصالحهم من جهة وخوفهم على مكانتهم لدى العليين، وهو خوف مختلط بمشاعر أقوى من مجرد لحظة فرح عادية وبراءة النية في ما يفعلونه.

لا يبتسم بوعلام بوعلام، مدير ديوان الرئاسة الجزائرية، كثيرًا، على رغم أن بعض من يعرفونه يقولون إنه صاحب نكتة وظرافة… هذه مرتبطة بسياقات مختلفة، كأن يكون مع أقرب مقربيه من الأصدقاء أو في خلوة مع العائلة. وقلما تُظهر شاشات التلفزيون ابتسامات الفريق أول السعيد شنڨريحة، فالرجل منضبط وصارم، وهي صفات يتمتع بها كل عسكري، فلا يمكن أن تبرز الابتسامة إلا بقدر معلوم، وفي كثير من الأوقات لأسباب بروتوكولية بحتة. ولا تفكر إطلاقًا في ابتسامة الفريق محمد مدين، المشهور بتوفيق، الغامض والرجل السابق لجهاز الاستخبارات. ولا تفتش عن شكلها لدى العميد موساي فتحي، الشهير بالصادق، مدير الأمن الخارجي، ولا عن فصلها عند عبد القادر آيت أوعراب، الملقب بحسان، المدير العام للأمن الداخلي. فهذه من المستحيلات السبعة، فهي ممحوة تمامًا ولا أثر لها لا سمعاً ولا بصراً، موضوعة ومحفوظة في خانة المحرمات. ومع ذلك، فمن الصعب أن نتخيل شنڨريحة أو غيره من الضباط الكبار لا يتمتعون بحس فكاهي خفي. وقد نجت الضحكة المجلجلة للراحل خالد نزار، وهو يلتقي بعد تقاعده ببعض الإعلاميين، من مقصلة “التشناف” والتجهم. ولا نعدم أن تكون هناك ابتسامات غزيرة تسري في قلب النظام وحواشيه، لا نراها نحن الرعية والناس البسطاء، الذين نضحك علناً ونبتسم بسبب أو بدون سبب.

التاريخ البصري المغيب للابتسامة

وجوه المسؤولين، من وزراء وعسكريين وغيرهم، الذين لا تطفو على شفاههم الابتسامات، علامة فارقة ومحيرة داخل النظام الجزائري، وتحيل إلى الكثير من الأسئلة، أبرزها: لماذا هم هكذا؟… فمن وجه الرئيس تبون، الصافي في الكثير من الأحيان، من الابتسامات، مرورًا برئيس ديوانه الذي لا يوزعها على أي كان، إلى رئيس حكومته الذي يشذبها، وإلى رئيس الأركان الذي يسربها قطرة قطرة، وانتهاءً بوزرائه الذين يهربونها على الهوامش التي لا تُـرى، ويطبقون أفواههم تمامًا في حضرة المناسبات الرسمية أو في الاجتماعات، حتى تخال أن على رؤوسهم طيوراً سوداء.

جولة سريعة على الكثير من الصفحات الرسمية للوزارات عموماً وفي الكثير من توابعها، حيث تضج هذه الصور وتتنوع حسب الظرف، تكشف، غالباً، عن غياب الابتسامة الجميلة والظريفة من وجوه أصحاب القرار. كأن المسؤولية الثقيلة تجعلهم دائمًا في وضع لا يسمح لهم بمطلق ابتسامة أو حتى لمحة من الفرح والسرور. هل الحمل فعلاً بهذا العسر الى درجة تُطمس معه البهجة والمرح والزهو عن وجوههم؟… كان يمكن، أيها الوزير، أن تبتسم، لتضفي على الجو شيئًا من الراحة، وتخفف من توتره، ناشرًا بعض الطمأنينة.

أحياناً، يخيل إلينا أن ابتسامة المسؤولين هي جزء من السلطة ذاتها، تحتاج أن تقرر بمرسوم وتنشر علناً، ليعرف المسؤول متى يُسمح له بالتبسم، وبأي طريقة وأسلوب، وتمنعه من الإطالة فيها أو حذفها نهائياً من يومياته متى ما باشر مهمته حتى لا تتحول إلى عادة يمكنها أن تستحوذ على العقول والقلوب، وتظن الرعية أن الطريق سالك نحو أحضان النظام الدافئة… وقد تتطور بشكل مثالي، إلى قوة ناعمة، وتساهم في تغيير فوضى الوجوه المكفهرّة، وتعيد إنتاج الواقع القاسي الذي يعيشه المواطن العادي، الذي، كما أسلفنا يبتسم بسبب وبغيره… فلنتصور لو نهض هذا الأخير وذهب لقضاء مشاغله التي يلاحقها منذ أشهر، لو أنه قابل الوالي أو المير أو أي مسؤول، مهما كانت درجته، وقد أبان عن ابتسامة بدلاً من تكشير أنيابه وكأنه يتهيأ للانقضاض على المواطن – الفريسة.

غياب الابتسامة، كمدلول عاطفي وإنساني، كبح بقاء المسؤول في مخيلة الشعب، فمن يمكنه أن يتذكر الوزراء والمسؤولين الذين ابتسموا أو ضحكوا… يميل الجزائريون إلى الوجه البشوش، المرتبط غالباً بمواقف معينة، ولكن لم يرتبط أي من المسؤولين بأي من هذه المواقف كي تبقى في الذاكرة. بل، تحول الكثير منهم إلى ما يشبه المهرجين، يثيرون الضحك والسخرية بسبب تصريحات تصدر عنهم أو تعليقاتهم الهزلية أو خطبهم المهلهلة في تجمعات شعبية. ولعل أشهر من طبع هذا المشهد، رئيس الحكومة السابق عبد المالك سلال، ووزير التضامن السابق محمد ولد عباس، المسجونان اليوم في قضايا وملفات فساد.

عُد الوجه المتحجر والخشن والبارد الشكل الأنسب للحكم والسلطة في الجزائر، وترسخ كواجهة في كل  المستويات، ولم يقتصر الأمر فقط على رجالات النظام، بل شمل أيضاً الأوساط السياسية والثقافية والمجتمعية… الابتسامة لم تعد تعمل كهبة لدى هؤلاء، بل نمّطوها في قالب موحد بملامح مشدودة وحزينة ومهمومة وغارقة في الشرود.

ليس هناك تاريخ بصري يمكن أن يساعد في عرض أشهر الابتسامات لرؤساء الجزائر، ففي خزائن الأرشيف نتف من صور ولقطات يكاد يبتلعها النسيان، فلا نفرت ابتسامة بن بلة من حيزها المرتبط بلحظة الاستقلال، حيث لم ينعم بها كثيراً حتى انقلب عليه بومدين وكشر له عن أنيابه، بل كانت له نظرة جافة مخيفة صاحبته إلى مثواه الأخير، ومُحي عن ملامحه الانشراح والمودة، ليعوضه فجأة الشاذلي بوجه مرتخ، مقطب الحاجبين، أحكم على الابتسامة وقبض عليها حتى لا تنفلت، وحمل بوضياف بشائر كادت أن تحيي الابتسامة من الرميم، غير أنه لم يُسعدنا بها، واغتيل في مشهد أقفل نهائياً على كل الشفاه، وتشققت من شدة الحزن والألم. وكان على زروال أن يمحو آثار الغبن والمحن في لمحة صفاء، ولكن التراكم الذي خلفته أحزان عشرية الدم والإرهاب حال دون أن تجد الابتسامة طريقها بين الصفوف والفرص والبرهة لتتجدد، لتصير عند بوتفليقة بسمة ممزوجة بالغضب والسخط، وذبلت لدى تبون، الذي أرهقه الاضطراب الحاصل في البلاد، فلا تعرف متى هي حقيقية، ومتى هي مصطنعة؟

الحراك المبتسم في مواجهة سلطة مكفهرة

جاء الحراك المبتسم، كما تمّ نعـْـتـُه، ظـُـنّ أن مرحلة الوجوم قفلت إلى غير رجعة بعد فترة حكم سادت فيه نصف ابتسامة معلنة في الصورة والمشهد، دارت بين عصب وجهات وأطراف وشبكات، استفادت وسيطرت على مقدرات البلاد. ولكن، في الجانب الآخر من هذه الصورة والمشهد، وفي السر أحياناً كثيرة، في جلسات خاصة على شاي و”قاتو”، كانوا يضحكون ملء أفواههم على الشعب، وكانت هذه بمثابة شرارات تكاثرت وتضخمت في الوسائط والوشوشات، حتى اشتعلت ولفح لهيبها في الشارع. أحتضنها على رغم سخونتها، وسرت في انتفاضة باردة وسلمية، كان عنوانها الأبرز الابتسامات. من هنا، احتدّت النظرة إلى كل مسؤول أفقدته القدرة على الوقوف في الخضم الهائل للأفواه التي تبتسم، فغادر الساحة. انتفضت ابتسامة أخرى من الصمت، زحزحت الخوف والرعب والتجهم، وكان لها حضور واسع في الشارع، انتقلت من مناطق الهامش، وتحولت من عادي إلى استثناء، وتعبئة وثورة ضد الحقرة والظلم.

بدّل الشارع لونه الغائم طوال فترة الحراك، وضبطه على إيقاع كل الابتسامات التي لم تفرق بين شيخ وشاب، بين فتى صغير ويافع، بين سيدات محترمات وبين سيدات يذهبن إلى كل مكان… بين مسلم وعاص، وبين علماني ومؤدلج، بين النساء والرجال… الكل أخذ حظه منها، واختفى المسؤول من الواجهة وخفت حسّه… تقدمت الابتسامة في خطوات جبارة على ذقن الدولة العابسة.

لم يعد المسؤول، الذي أقلقته هذه الابتسامات، إلى رشده ليتشارك ويتذوق حلاوة أن يظل مبتسماً، مثلما فعل الشارع طوال عامين وأكثر، ولم تخطر بباله، وفي حسبانه، أنها قد تكون شرط وجاهة وقبول، بل في مفصل هائج من التحولات كان لها أن تتيح التغير، ولكن الرجل النافذ، وسيد تلك المرحلة، الفريق قايد صالح، واجهها في كل خرجاته، فعبس في وجهها، لم يأذن للابتسامة أن تستبيحه، مثلما فعلت في الشارع، داس عليها حتى لا تسقط الدولة، أو توهم أنها ستسقط بمجرد أن تعتلي وجوه جديدة السدة بشفاه مبتسمة.

في عرفه وعرف العائلة الحاكمة (أو الآباء المؤسسين للحكم في الجزائر)، من المستحيلات أن يتغير النظام إلى نظام سلسل منقتح ومبتكر ومتحرر من القيود التاريخية، إذ ظلّت الرؤية المتجذرة في فهم الحكم مؤسسة على ثقافة مغلقة، محاطة بالحذر والشك والريبة، وأضيفت لها في السنوات الأخيرة حكاية “المؤامرات”، بوصفها “سندروما” مقلقاً، لا تتسع معه الأمكنة إلا لنزر قليل من الضحك والمرح والبساطة، ويجب أن تبقى كذلك. فالظرف لا يسمح، كي تنتصر الابتسامة، مهما كانت نيتها وسحرها، لذا فضل النظام أن يظل على تصلبه، ولونه، وشكله، وجوهره. وما زالت شفاهه الغليظة تتماهى مع الكآبة، والطيور على الرأس، كلما مرت صور بعض الوزراء والمسوؤلين عبر الشاشات. سيلزمكم وقت، أيتها الرعية، حتى ينضج، ويفزع هذا الوضع من كمونه، ويتفتح كالزهور على مشهدية نظيفة، مزركشة بثغور تلهم ببشاشتها وحبورها.

سقطت الابتسامة من واجهة الحراك، الذي لوح بعهد جديد، مفرغ من ثقل نظام ضحك على الشعب سنوات طويلة، حتى ترهل من كثرة النفاق والكذب والهيمنة والخداع والزيف. ولمسنا سريعاً أن ممارسة فعل الابتسامة لم يطابق الطموح والرغبة التي ارتفعت في الشارع إلى مستويات عالية، لتوفير عيش كريم واستقرار وازدهار. فالفريق الجديد للحكم أذهلته أنهر النفوذ الذي يجري بين أيديهم، فلا هو صدق أنه يتحكم، في الرقاب، ولا هو كذب أنه يمكن أن يضيع من بين يديه… لا ضحك، ولا زهو، خوف وارتياب وقلق… بل دهشة أيضاً من الحظ الذي اختارهم وزراء ومستشارين ومسؤولين، كما تظهر على محيا وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي التي يندر ألا تكون باسمة، مهما كان المكان الذي توجد فيه، على عكس وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو، ذات الوجه المتشنج، وكأنها تخشى في أي لحظة أن يخطف منها الكرسي، وغير بعيد عنها، وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، الغائصة دوماً في لحظة فلسفية تأملية، وهي تنظر إلى الواقع الثقافي المنتكس… هذا فنان مريض، هذا كاتب غاضب، هذا مسرحي يائس، هذا مخرج مفلس… وهكذا.. فكيف لها أن تبتسم؟

مستقبل الابتسامات في الجزائر

وعلى هذا، تبدو الابتسامة في الجزائر تعاني من الاندماج وسط صنّاع القرار، لا تتدوال إلا بما يتفق وتوجهات الدولة، حيادية عندما تلتقطها الكاميرات، أو مبهرة وعفوية عندما تُختطف على حين غرة، لكنها سرعان ما تتلاشى وتنتهي، ويعود الوزير أو المسؤول إلى وجهه البارد والعبوس، ممتثلاً لقانون الصرامة والرزانة، المغلف بنوع من التروي وحتى بالخشونة.

لا ينطبق الحال فقط على هؤلاء، فعلى الجانب الآخر، هناك أيضا الإسلاميون والعلمانيون على حد سواء، ومديرو التنظيمات، ورؤساء الأحزاب الأشهر منهم والمغمورون، بن قرينة، وفاتح بوطبيق، أو عبد الكريم بن مبارك، ولمين عصماني و عبد العالي حساني شريف، كأمثلة يمكن استدعاؤها لنرى مدى وزن ابتسامتهم، منذ أن سكنوا المشهد، نزنها بمقاييس الحضور والتأثير.

يعزى غياب الابتسامة لديهم إلى حسابات وتكتيكات تتلاوح بين مصالحهم من جهة وخوفهم على مكانتهم لدى العليين، وهو خوف مختلط بمشاعر أقوى من مجرد لحظة فرح عادية وبراءة النية في ما يفعلونه. فهم يعتاشون على تأويل ما يسمح به النظام ولا يتعدونه أبدًا، وأي اقتباس خارج هذا التأويل مرفوض.

بخلاف هؤلاء، ربما هذا هو الدرس الذي وعته لويزة حنون، درس تعلمته وحفظته منذ قارعت النظام وفهمته جيدًا، وتعاطت معه في السراء والضراء، وأدى للأسف إلى غياب ابتسامتها كأيها أنثى، بخاصة في ندواتها الصحافية، حيث تظهر دوماً بوجه محتقن متمرد وساخط، وهذا من شدّة إتقانها للعبة السياسة مع سلطة تدرك جيداً من خلال خبرتها معها أن هذا هو مرادها، ولا يمكن الحياد عنه مهما كانت المواقف والظروف. وإلا، تعرضت للعواصف، كما حدث لها في حادثة “التآمر على الدولة” الشهيرة التي سُجنت على إثرها.

ليس بعيدًا عن ذلك كمثال آخر مختلف قليلاً، ما حدث لرجل سياسي آخر ورئيس حزب “جيل جديد” السابق، سفيان جيلالي، الذي جرب حظه مع النظام، جال وصال وتعذب على أعتاب القصر، وبرر الأخطاء والمعالجات المعوجة، على أمل أن يحظى بموقع مشرف ضمن هرم وسلاسل القرار (وهذه في الحقيقة رغبة الكثير ممن يركضون بلهثة ولهفة وراء السلطة، مهما كان الثمن حتى ولو خلف إطار خشبي وضعت فيه صورة الرئيس الراحل بوتفليقة، وتمسحوا به في مشهد مؤسف خلخل الوعي والعقل، وتفهّه). ولكن سفيان لم يفهم اللعبة جيدًا، التي ببساطة تقول إن القالب الذي يُصنع فيه رجال ونساء الدولة أول شروطه التقليل من الضحك والابتسامات، وأن الرجل المبتسم دوماً لن يحظى بمكانة على طول. فامتـُص ونــُـبذ وأُقصي ونــُـشف ريقه وابتسامته ثم ألقي به في غياهب النسيان.

السلطة مضنية ومريرة، ولسعتها مثيرة، مخيفة وقاسية، تـــُطير العقل، وتـــُذهل كل من تعاطى معها.. أجاءته حظاً أو نالها برضى، مفروشة على طبق ملمع بالذهب أو في صحن مطرز من خيوط العنكبوت… سيان… فما إن يلج أعتابها حتى ينطبع بها، ويقتنع أن حديث الابتسامة في وجه الأخ صدقة، هو مجرد قول مغلف بالسراب وخداع.