“دخل جنود إسرائيليون إلى المستشفى، وأحرقوا قسم الأرشيف، وطلبوا منا الخروج من الأقسام، وخلع الحجاب، ثم فتّشونا بعد رفع ملابسنا وتنزيل البنطال”، هذه شهادة الموظفة في قسم المختبر داخل مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، شروق الرنتيسي، حول اللحظات الأخيرة لوجودها داخل المنشأة الطبية الرئيسية في الشمال.
خرجت الرنتيسي برفقة عشرات الأطباء والممرضين والعاملين والجرحى من داخل المستشفى بعد اقتحامه من جنود الجيش الإسرائيلي، وإجراء عملية تفتيش دقيقة لهم، واعتقالهم لساعات، ثم الإفراج عنهم وهم مكبلو الأيدي.
كان آخر المشاهد التي التقطتها عيون الرنتيسي قبل مغادرتها مستشفى كمال عدوان، هو النار التي اشتعلت في غالبية أقسام المستشفى، الذي رفضت الخروج منه خلال شهور الحصار الثلاثة من الجيش الإسرائيلي.
نجت الرنتيسي من المداهمة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في المستشفى لتروي القصة، وما حدث داخل هذه المستشفى من أهوال وجرائم ضد الإنسانية.
تفاجأت الرنتيسي والطواقم الطبية والجرحى والمرضى داخل مستشفى كمال عدوان، باقتراب آليات الجيش الإسرائيلي من سور المستشفى الخارجي ثم اقتحامه والدخول إلى الأقسام، وإضرام النار في الممرات والغرف.
أخرج الجنود الرنتيسي وبعض الأطباء والجرحى المثقلين إلى الخارج بعد تفتيشهم ذاتياً، والاعتداء عليهم بالضرب، وأمروهم بالمشي تجاه مدينة غزة التي تبعد من مستشفى كمال عدوان قرابة الـ8 كيلومترات.
تركت الرنتيسي خلفها 25 إلى 30 شخصاً طلبهم الجيش ولم يسمح لهم بالخروج مع الطواقم الطبية والجرحى إلى مدينة غزة، ولم يعد أحد يعرف مصيرهم.
أحرق الجيش الإسرائيلي وحدة الجراحة وقسم الهندسة والصيانة وغرفة العمليات والمستودع الطبي داخل مستشفى كمال عدوان، ليصبح غير قادر على تقديم أي خدمة طبية لأي جريح أو مريض.
بعد وصول جزء من الطواقم الطبية والجرحى إلى مدينة غزة، تبين أن الجنود الإسرائيليين اعتقلوا عدداً من المصابين، وأطباء وممرضين، وأحرقوا أجزاء كبيرة من المستشفى.
اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى الأخير الذي لا يزال يقدم الخدمة الصحية شمال القطاع، الجمعة 27 كانون الأول/ ديسمبر الحالي. وجاء الاقتحام بعد أيام طويلة من محاصرة المستشفى وإطلاق النار عليه، وتفجير الروبوتات عند مداخله، وتدمير مولدات الطاقة، ومنع إدخال الطعام والشراب لمن فيه.
لم تخرج أي صورة بعد من داخل مستشفى كمال عدوان بعد إحراقه وتدميره من الجيش الإسرائيلي، لكن الشهادات التي تُروى تؤكد أن ما تعرض له مجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة تعرضت له آخر منشأة طبية رئيسية في شمال القطاع.
ناجية أخرى من مستشفى كمال عدوان، روت تفاصيل مروّعة حول ما حصل مع الجرحى من الجيش الإسرائيلي. تقول الطفلة مريم المقيد بعد وصولها إلى مدينة غزة: “صرخ الجنود على الطبيب حسام أبو صفية وطالبوه بالتوجه إلى الدبابات، وخلال خروجه ألقوا عليه قنابل من طائرة مسيرة، ثم شاهدتهم وهم يعتدون عليه بالضرب”.
حرق جنود الجيش الإسرائيلي، حسب رواية المقيد (14 عاماً)، أقسام المستشفى والصيدلية، بعد دخول الدبابات إلى الساحات. ضرب الجنود كل الجرحى الذين خرجوا من بوابة المستشفى، إضافة إلى إلقاء قنابل بجوار الأطباء.
تقول المقيد: “الجيش أجبر الفتيات على خلع ملابسهن، والتي كانت ترفض يتم ضربها، وهددونا بضرورة إخراج هواتفنا”.
وجّه الجنود أسئلة إلى المقيد حول مشاهدتها أياً من المسلحين أو وجود أسلحة داخل مستشفى كمال عدوان، وهو ما لم تشاهده الطفلة. أصعب ما تعرضت له الطفلة المقيد، هو مسك أحد الجنود شعرها بشدة داخل أحد حمامات مدرسة مجاورة للمستشفى.
“أوقات قاسية”
وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، وصفت الأوقات التي مر بها من كان داخل مستشفى كمال عدوان بالقاسية، بخاصة أنه تم إجلاء الطواقم والجرحى والمرضى قسراً إلى المستشفى الإندونيسي شبه المدمر أيضاً في الشمال، والذي دمّر الجيش الإسرائيلي البنية التحتية فيه مسبقاً قبل إجلاء المرضى قسراً إليه.
تؤكد الوزارة أنه تم إجلاء الطواقم والجرحى في وضع مزرٍ وصعب للغاية إلى المستشفى الإندونيسي، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا غطاء ولا طعام ولا مستلزمات، وبدء العد التنازلي لفقدان حياتهم، في ظل احتجاز الاحتلال معظم الكادر الصحي حتى لا يلتحق بالمرضى في المستشفى الإندونيسي.
منظمة الصحة العالمية عبّرت عن صدمتها من المداهمة التي تعرض لها مستشفى كمال عدوان، والتي أدت إلى خروج “آخر مرفق صحي رئيسي في شمال غزة عن الخدمة”، مؤكدة أن “التفكيك المنهجي” للنظام الصحي والحصار على شمال غزة على مدى أكثر من 80 يوماً، يعرضان حياة الـ 75 ألف فلسطيني المتبقين في المنطقة للخطر.
وفي بيان أصدرته يوم السبت 28 كانون الأول/ ديسمبر، قالت المنظمة إن 12 مريضاً أُجبروا على الإخلاء إلى المستشفى الإندونيسي المدمر والخارج عن الخدمة، حيث لا يمكن تقديم أي رعاية، بينما نُقل معظم الموظفين والمرضى المستقرين والمرافقين إلى مكان قريب.
وأضافت أن بعض الأشخاص “تم تجريدهم من ملابسهم وإجبارهم على السير باتجاه جنوب غزة”.
وأشارت منظمة الصحة العالمية الى أن مستشفى كمال عدوان أصبح الآن فارغاً، بعد شهرين من الهجمات شبه اليومية على المستشفى ومحيطه، والتي أسفرت عن مقتل العشرات من الأشخاص، بمن فيهم العاملون الصحيون.
وأعربت المنظمة عن قلقها العميق بشأن 15 مريضاً حالتهم حرجة، نُقلوا مساء إلى المستشفى الإندونيسي، وكذلك بشأن مدير مستشفى كمال عدوان الذي وردت أنباء عن اعتقاله أثناء المداهمة. وقالت إنه يتم التخطيط لمهمة لنقل المرضى من المستشفى الإندونيسي بأمان إلى جنوب غزة لمواصلة رعايتهم.
وتابعت الوكالة الأممية: “مع خروج مستشفى كمال عدوان والمستشفى الإندونيسي بالكامل عن الخدمة، وفيما مستشفى العودة بالكاد قادر على العمل بعد تضرّره بشدة بسبب الغارات الجوية الأخيرة، فإن شريان الحياة الصحي لأولئك في شمال غزة يصل إلى نقطة الانهيار”.
المنظمة دعت إلى “ضمان دعم المستشفيات في شمال غزة بشكل عاجل لإعادة تشغيلها. لقد أصبحت المستشفيات مرة أخرى ساحات معارك”.
اعتقال أبو صفية
بعد يوم على إحراق مستشفى كمال عدوان، خرجت صورة للعالم، للحظة ذهاب مدير المستشفى بردائه الأبيض صوب دبابات الجيش الإسرائيلي. تظهر الصورة تماسك الطبيب الذي قتل الجيش الإسرائيلي ابنه داخل ساحة المستشفى في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وإصابته بشظايا عدة أيضاً.
خطا أبو صفية وحيداً بين ركام منازل مدينته المدمرة صوب الدبابات حتى وصل إليهم، لتنقطع بعدها أي أخبار حوله ولم يعرف مصيره، رغم مرور ثلاثة أيام على اعتقاله من الجيش الإسرائيلي.
اختزل طبيب الأطفال الذي يحمل الجنسية الروسية، وفقاً لتأكيدات وزارة الصحة الفلسطينية لـ”درج”، أيام الحصار الطويلة لمستشفى كمال عدوان بصورته الأخيرة أمام الدبابات الإسرائيلية التي كانت تنتظره كالوحش الذي يترقب فريسته.
وزارة الصحة حمّلت الجيش الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن حياة مدير مستشفى كمال عدوان أبو صفية وأمنه، بعدما لفقت له تهمة الانتماء الى حركة “حماس”، واعتقلته.
الوزارة قالت: “الطبيب حسام أبو صفية أمانة في رقاب كل العالم يتحمّلها عن حياته، إن كان هناك من يتحمل الأمانة في العالم”.
إقرأوا أيضاً:









