يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن العراق المقصوف من الداخل والخارج ومن نفسه!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يحدث في العراق ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو مشهد مستمر من الصراع المركب، حيث تتقاطع السياسة الداخلية مع الحسابات الدولية، والحشد الشعبي مع البيشمركة، والمدنيون مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

العراق اليوم يبدو كأرض قاحلة تحت نار متصاعدة من كل الجهات، حيث لم تعد الحوادث الأمنية مجرد خيوط منفصلة في نسيج الحياة اليومية، بل تحولت إلى إيقاع يفرض نفسه على المدينة والريف، على المطار والقرية الحدودية، على مقرات الحشد الشعبي والبيشمركة، وعلى قلب العاصمة بغداد.

الأنبار على خط النار

محافظة الأنبار، البوابة الغربية للعراق، كانت الأكثر تأثرًا بالضربات الجوية الأميركية، بخاصة قاعدة الحبانية التي شهدت أعنف استهداف منذ مطلع الشهر، وذلك في سياق انكشاف الجبهة العراقية خلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية. 

الحصيلة الأولية تشير إلى 30 ضحية بين قتيل وجريح، بينهم قائد عمليات الحشد سعد دواي، فيما ارتفع عدد القتلى الإجمالي إلى 15 وفق البيانات الرسمية للهيئة، مع استمرار تلقي الجرحى العلاج وسط حالات حرجة.

وفي بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع العراقية، أكدت الوزارة أن مستوصف الحبانية العسكري وشعبة أشغال الحبانية التابعة لأمرية موقع الحبانية تعرضا إلى “ضربة جوية أميركية أعقبها رمي بمدفع الطائرة”، ما أدى إلى استشهاد 7 من المقاتلين وإصابة 13 آخرين أثناء آدائهم واجبهم الوطني والإنساني، موضحة أن فرق الإنقاذ ما زالت تواصل عمليات البحث داخل موقع الحادث.

القائم وعكاشات لم تكونا بمنأى عن القصف الأميركي، إذ تعرضت مقرات اللواء 19 (أنصار الله الأوفياء) لهجمات أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، بينما طاولت ضربات مماثلة مواقع الألوية 18 و19، إضافة إلى استهداف نقاط حدودية مباشرة مع سوريا. كما شملت الهجمات مناطق الفلوجة والثرثار ومواقع الحشد العشائري، في مؤشر إلى تصاعد وتيرة العمليات الأميركية واتساع نطاقها.

إقليم كردستان

في أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة، تكاثرت الهجمات الصاروخية والمسيّرة على مواقع عسكرية ومدنية وحقول طاقة، بما فيها حقل خور مور للغاز، ما تسبب بانقطاع الكهرباء وإلحاق أضرار بالمرافق الحيوية. واستهدفت هذه الهجمات إقليم كردستان بأكثر من 267 ضربة منذ 28 شباط/ فبراير، شملت مقرات البيشمركة في سوران وأربيل، واللواء السابع مشاة في سوران. وأعلنت وزارة شؤون البيشمركة في إقليم كردستان سقوط 36 ضحية بين قتيل وجريح، بينهم 14 جريحًا من قوات البيشمركة الإيرانية المعارضة.

الملاحظ في هذه الهجمات هو التنوع الكبير للأهداف: مواقع عسكرية، منشآت للطاقة، مناطق سكنية، مطار أربيل الدولي، محيط القنصلية الأميركية، وحتى مقرات أحزاب كردية معارضة لإيران. ذلك كله يشير إلى استراتيجية تصعيد مستمرة، تربط بين الصراع الإقليمي وخلق ساحات مواجهة داخلية في العراق، حيث تتحول المدن والحقول والمطارات إلى مسرح للتهديدات المركبة.

وفي تطور لافت، أكد رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني أن إيران أقرت بأن قصف قوات البيشمركة جاء “عن طريق الخطأ”، وقدمت تعازيها ووعدت بإجراء تحقيق، فيما دعت بغداد إلى تحمل مسؤولياتها الدستورية ووقف الهجمات وضمان أمن الإقليم.

بغداد على حافة القلق

مع كل يوم، تنهمر صواريخ ومسيّرات على مناطق حساسة: العرصات، المنصور، السيدية، حي الجهاد، أبو غريب، النباعي، الطارمية، ومعسكر صقر، مطار بغداد، فندق الرشيد والسفارة الأميركية.

الحصيلة البشرية تتراوح بين قتلى وجرحى من الفصائل المسلحة، عناصر أمن، موظفين، ومدنيين، فيما لا تزال بعض المنظومات الدفاعية عاجزة عن صد الهجمات بشكل كامل، ما يجعل العاصمة رهينة وضع أمني هش ومشاهد نزف يومية.

صلاح الدين: ضربات متواصلة

محافظة صلاح الدين شهدت هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع الحشد الشعبي، اللواء 31 في الصينية، اللواء 52 في طوز خورماتو، ومعسكر برواجلي، بالإضافة إلى مقرات الشرطة الاتحادية ومراكز الأمن في تكريت والدجيل والرياض. هذه الهجمات أسفرت عن 7 قتلى و11 جريحًا، بينهم عناصر الحشد الشعبي ومواطنون مدنيون.

بابل: استهداف مواقع حدودية وحيوية

في محافظة بابل، تعرضت مواقع الحشد الشعبي في قضاء المسيب والعتّبة لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، إضافة إلى ضرب خطوط الكهرباء والمراكز الصحية. الحصيلة الأولية تشير إلى 5 قتلى و11 جريحًا.

الحشد والبيشمركة

الضربات المتكررة استهدفت تشكيلات الحشد الشعبي المختلفة: الألوية 19 و18 و45 ولواء الطفوف، بالإضافة إلى كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق.

في الوقت ذاته، تعرضت مقرات البيشمركة لهجمات في أربيل والسليمانية، ما يؤكد استهداف قوات رسمية متعددة.

الرد والسيادة

في مواجهة هذا التصعيد، عقد المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي اجتماعًا طارئًا برئاسة القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.

البيان الرسمي الذي صدر على لسان الناطق باسم القائد العام، صباح النعمان، أكد تخويل هيئة الحشد الشعبي والأجهزة الأمنية بالرد على أي اعتداء، مع التأكيد أن قرار الحرب والسلم هو حق حصري للدولة وفق الدستور، وأن أي جهة أو فرد يحاول مصادرة هذا الحق سيواجه الإجراء القانوني.

وللمرة الأولى منذ بداية موجة التصعيد الأخيرة، قرر المجلس استدعاء القائم بالأعمال الأميركي والسفير الإيراني في بغداد، لتسليمهما مذكرة احتجاج رسمية على الاعتداءات التي استهدفت المواقع الأمنية العراقية، بما يشمل مقار الحشد الشعبي ومقرات البيشمركة في إقليم كردستان.

حدود الرد العراقي وقيود الدفاع

لكن الواقع العملي يفرض سؤالًا أساسيًا هو كيف سيرد العراق، وبماذا، في ظل هذا التصعيد المتواصل؟ القوة الجوية العراقية، على رغم كونها أحد أركان الجيش، تفتقر إلى منظومات دفاع جوي متقدمة تغطي كامل الأراضي، كما أن الرادارات المتوافرة غير قادرة على رصد كل الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية بدقة، ما يجعل أي محاولة للرد العسكري المباشر محفوفة بالمخاطر، وقد تكون محدودة التأثير.

العراق يمتلك قدرة محدودة على الدفاع الفعلي عن سمائه ومواقعه، والرد العسكري المباشر قد يكون رمزيًا أكثر من كونه فعالاً، ما يجعل البعد الدبلوماسي والتحركات السياسية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الدولة للحفاظ على السيادة والردع.

هشاشة وتمثيل مفقود

المجلس السياسي الوطني حذر من تصاعد تهديدات الجماعات المسلحة المنفلتة التي تستهدف مؤسسات الدولة ومقار دبلوماسية وأمنية، مؤكدًا ضرورة تمثيل المكونات الأساسية في إدارة المؤسسات الأمنية والاجتماعات العسكرية العليا، لما لذلك من دور في تعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.

البعثات الدولية

بعثة الناتو ومستشارو التحالف الدولي بدأوا الانسحاب المؤقت من مواقعهم في بغداد ومعسكر الدعم باتجاه الأردن ضمن إجراءات احترازية، لا تعكس تهديدًا مباشرًا، لكنها توضح مستوى القلق من تداعيات الحرب الإقليمية. البعثة حافظت على وجود محدود ضمن مقرات وزارة الدفاع، مؤكدة أن انسحابها مؤقت وسيتم تقييم عودتها وفق الوضع الأمني.

العراق اليوم ليس فقط ساحة صراع مسلح داخلي، بل ملعب مفتوح لتفاعلات إقليمية معقدة. 

الهجمات الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة على الحشد الشعبي والبيشمركة، تزامنت مع أزمة سياسية داخلية تتمثل في ضعف التمثيل وإدارة المؤسسات الأمنية، ما يزيد من هشاشة الدولة أمام التصعيد.

الرد العسكري الذي منحه المجلس الوزاري للأمن الوطني للحشد الشعبي يعكس محاولة للحفاظ على سيادة الدولة، لكنه أيضًا يحمل مخاطرة تصعيدية، إذ إن أي رد مكثف قد يتقاطع مع الحسابات الإقليمية.

الأمر الأكثر إيلامًا هو أن الصراع الإقليمي أصبح يفرض نفسه على كل زاوية من العراق، من الأنبار غربًا، صلاح الدين شمالًا، بابل، بغداد قلب العاصمة، وصولاً إلى إقليم كردستان. كل منطقة تحمل بصمتها من العنف، وكل ضربة هي رسالة سياسية وعسكرية في آنٍ واحد.

العراق بين الدولة والفواعل المسلحة

حيدر سعيد، رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يرى أن النخبة الشيعية الحاكمة، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، توصلوا إلى قناعة مفادها أن المؤسسة الأمنية وحدها غير قادرة على حفظ الاستقرار في مواجهة التحديات الإقليمية، مثل الثورة في سوريا والربيع العربي. ولذلك، ظهرت مؤسسات أمنية رديفة وموازية مثل داعش، وأعطت فتوى الجهاد الكفائي الإطار لصناعة هذه المؤسسات.

ويشير سعيد إلى “أن هذه المؤسسات، على رغم أنها تتبع رسميًا القوات المسلحة وتتلقى رواتبها من الدولة، فإن القرارات داخلها ليست بيد الدولة. وجود مثل هذه المؤسسات البديلة يشكل خطرًا على النظام والدولة، كما ظهر في اختلاف القرارات بين هذه الجهات وبين ما تريده الدولة، التي ترغب في إبقاء العراق بعيدًا عن الصراع الإقليمي، بينما تسعى بعض الأحزاب والفصائل الى مخاطبة مصالحها ضمن ساحة الصراع”.

ويضيف “أن العراق يحتاج إلى قرارات استراتيجية حاسمة وإعادة صياغة النظام السياسي لضمان حصانة الدولة، مع التأكيد على أهمية مجتمع مندمج وغير منقسم وفق الطائفة والدين والعرق”. كما يحذر من أن سقوط النظام في إيران قد يطلق طموحات جماعات عراقية متعددة ويعيد إشعال الصراعات الداخلية، بخاصة بين السنة والشيعة والكرد، كما ظهر في انتفاضة 2019.

فشل الحماية وأزمة الردع

أعلن جهاز المخابرات العراقي، في 21 آذار/ مارس الحالي، عن مقتل ضابط في صفوفه إثر هجوم بطائرة مسيرة على مقرّه في العاصمة بغداد، في محاولة يائسة لتعطيل دوره الأمني وملاحقة الفاعلين وراء الهجوم.

يأتي هذا الحادث في ظل استمرار استهداف مقرات الأجهزة الأمنية العراقية من فواعل مسلحة، وسط عجز الدولة عن توفير الحماية الكاملة لتكنولوجياتها وقدراتها الأمنية، وهو ما يعكس هشاشة منظومة الردع وأزمة إدارة الأزمات الأمنية في البلاد.

بين الصواريخ والمسيرات، وتكرار الاستهداف لمؤسسات الدولة، يؤكد مهند سلوم، أستاذ الدراسات الأمنية في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن استهداف أجهزة المخابرات والرادارات في العراق ليس جديدًا، وأن الاتهامات تتكرر منذ عهد الكاظمي، مشيرًا إلى أن العراق لا يملك القدرة الفنية لحماية أجهزته مثل الدول الأخرى، والتكنولوجيا الغربية قد تكون مخترقة، لكن ذلك لا يبرر قتل عناصر عراقيين سواء كانوا ضباطًا أو من الحشد أو الميليشيات.

ويضيف أن العراق ليس طرفًا رسميًا في الصراع الإقليمي الحالي، والحكومة لا تريد الحرب، على رغم أن بعض الفواعل شبه الدولة تدخل في المعارك بشكل مستقل، ما يجعل العراق جزءًا من حرب هجينة بدون إرادته الرسمية.

كما يوضح “أن الدول المجاورة مثل السعودية، الأردن، سوريا وتركيا، لا ترغب في حرب مباشرة مع العراق، لكنها تتعامل مع الفواعل المسلحة بوسائل استخباراتية وإعلامية وتجفيف أموال. العراق محاصر بين هذه الفواعل والولايات المتحدة، وتوسيع الصراع لن يؤثر إلا إذا واجهت إيران أزمة عسكرية كبيرة”.

يشرح سلوم أن الوضع الحالي ليس حربًا هجينة بالكامل، ولا حربًا رسمية، بل صراع معقد داخل البلد تتداخل فيه مصالح محلية وإقليمية ودولية.

العراق في معضلة معقدة

يعيش العراق تحت وطأة ضربات جوية متواصلة، هجمات صاروخية ومسيرات، انسحابات وتحركات احترازية للبعثات الدولية، وتصعيد داخلي يعكس ضعف التنسيق الأمني والسياسي.

في النهاية، ما يحدث في العراق ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو مشهد مستمر من الصراع المركب، حيث تتقاطع السياسة الداخلية مع الحسابات الدولية، والحشد الشعبي مع البيشمركة، والمدنيون مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

هذا التدهور المتراكم يمثل أكبر التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، ويضع العراق أمام معضلة معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين الدفاع عن سيادته والقدرة على الحفاظ على استقرار داخلي في ظل تصعيد مستمر بلا نهاية واضحة.

26.03.2026
زمن القراءة: 7 minutes

ما يحدث في العراق ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو مشهد مستمر من الصراع المركب، حيث تتقاطع السياسة الداخلية مع الحسابات الدولية، والحشد الشعبي مع البيشمركة، والمدنيون مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

العراق اليوم يبدو كأرض قاحلة تحت نار متصاعدة من كل الجهات، حيث لم تعد الحوادث الأمنية مجرد خيوط منفصلة في نسيج الحياة اليومية، بل تحولت إلى إيقاع يفرض نفسه على المدينة والريف، على المطار والقرية الحدودية، على مقرات الحشد الشعبي والبيشمركة، وعلى قلب العاصمة بغداد.

الأنبار على خط النار

محافظة الأنبار، البوابة الغربية للعراق، كانت الأكثر تأثرًا بالضربات الجوية الأميركية، بخاصة قاعدة الحبانية التي شهدت أعنف استهداف منذ مطلع الشهر، وذلك في سياق انكشاف الجبهة العراقية خلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية. 

الحصيلة الأولية تشير إلى 30 ضحية بين قتيل وجريح، بينهم قائد عمليات الحشد سعد دواي، فيما ارتفع عدد القتلى الإجمالي إلى 15 وفق البيانات الرسمية للهيئة، مع استمرار تلقي الجرحى العلاج وسط حالات حرجة.

وفي بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع العراقية، أكدت الوزارة أن مستوصف الحبانية العسكري وشعبة أشغال الحبانية التابعة لأمرية موقع الحبانية تعرضا إلى “ضربة جوية أميركية أعقبها رمي بمدفع الطائرة”، ما أدى إلى استشهاد 7 من المقاتلين وإصابة 13 آخرين أثناء آدائهم واجبهم الوطني والإنساني، موضحة أن فرق الإنقاذ ما زالت تواصل عمليات البحث داخل موقع الحادث.

القائم وعكاشات لم تكونا بمنأى عن القصف الأميركي، إذ تعرضت مقرات اللواء 19 (أنصار الله الأوفياء) لهجمات أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، بينما طاولت ضربات مماثلة مواقع الألوية 18 و19، إضافة إلى استهداف نقاط حدودية مباشرة مع سوريا. كما شملت الهجمات مناطق الفلوجة والثرثار ومواقع الحشد العشائري، في مؤشر إلى تصاعد وتيرة العمليات الأميركية واتساع نطاقها.

إقليم كردستان

في أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة، تكاثرت الهجمات الصاروخية والمسيّرة على مواقع عسكرية ومدنية وحقول طاقة، بما فيها حقل خور مور للغاز، ما تسبب بانقطاع الكهرباء وإلحاق أضرار بالمرافق الحيوية. واستهدفت هذه الهجمات إقليم كردستان بأكثر من 267 ضربة منذ 28 شباط/ فبراير، شملت مقرات البيشمركة في سوران وأربيل، واللواء السابع مشاة في سوران. وأعلنت وزارة شؤون البيشمركة في إقليم كردستان سقوط 36 ضحية بين قتيل وجريح، بينهم 14 جريحًا من قوات البيشمركة الإيرانية المعارضة.

الملاحظ في هذه الهجمات هو التنوع الكبير للأهداف: مواقع عسكرية، منشآت للطاقة، مناطق سكنية، مطار أربيل الدولي، محيط القنصلية الأميركية، وحتى مقرات أحزاب كردية معارضة لإيران. ذلك كله يشير إلى استراتيجية تصعيد مستمرة، تربط بين الصراع الإقليمي وخلق ساحات مواجهة داخلية في العراق، حيث تتحول المدن والحقول والمطارات إلى مسرح للتهديدات المركبة.

وفي تطور لافت، أكد رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني أن إيران أقرت بأن قصف قوات البيشمركة جاء “عن طريق الخطأ”، وقدمت تعازيها ووعدت بإجراء تحقيق، فيما دعت بغداد إلى تحمل مسؤولياتها الدستورية ووقف الهجمات وضمان أمن الإقليم.

بغداد على حافة القلق

مع كل يوم، تنهمر صواريخ ومسيّرات على مناطق حساسة: العرصات، المنصور، السيدية، حي الجهاد، أبو غريب، النباعي، الطارمية، ومعسكر صقر، مطار بغداد، فندق الرشيد والسفارة الأميركية.

الحصيلة البشرية تتراوح بين قتلى وجرحى من الفصائل المسلحة، عناصر أمن، موظفين، ومدنيين، فيما لا تزال بعض المنظومات الدفاعية عاجزة عن صد الهجمات بشكل كامل، ما يجعل العاصمة رهينة وضع أمني هش ومشاهد نزف يومية.

صلاح الدين: ضربات متواصلة

محافظة صلاح الدين شهدت هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع الحشد الشعبي، اللواء 31 في الصينية، اللواء 52 في طوز خورماتو، ومعسكر برواجلي، بالإضافة إلى مقرات الشرطة الاتحادية ومراكز الأمن في تكريت والدجيل والرياض. هذه الهجمات أسفرت عن 7 قتلى و11 جريحًا، بينهم عناصر الحشد الشعبي ومواطنون مدنيون.

بابل: استهداف مواقع حدودية وحيوية

في محافظة بابل، تعرضت مواقع الحشد الشعبي في قضاء المسيب والعتّبة لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، إضافة إلى ضرب خطوط الكهرباء والمراكز الصحية. الحصيلة الأولية تشير إلى 5 قتلى و11 جريحًا.

الحشد والبيشمركة

الضربات المتكررة استهدفت تشكيلات الحشد الشعبي المختلفة: الألوية 19 و18 و45 ولواء الطفوف، بالإضافة إلى كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق.

في الوقت ذاته، تعرضت مقرات البيشمركة لهجمات في أربيل والسليمانية، ما يؤكد استهداف قوات رسمية متعددة.

الرد والسيادة

في مواجهة هذا التصعيد، عقد المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي اجتماعًا طارئًا برئاسة القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.

البيان الرسمي الذي صدر على لسان الناطق باسم القائد العام، صباح النعمان، أكد تخويل هيئة الحشد الشعبي والأجهزة الأمنية بالرد على أي اعتداء، مع التأكيد أن قرار الحرب والسلم هو حق حصري للدولة وفق الدستور، وأن أي جهة أو فرد يحاول مصادرة هذا الحق سيواجه الإجراء القانوني.

وللمرة الأولى منذ بداية موجة التصعيد الأخيرة، قرر المجلس استدعاء القائم بالأعمال الأميركي والسفير الإيراني في بغداد، لتسليمهما مذكرة احتجاج رسمية على الاعتداءات التي استهدفت المواقع الأمنية العراقية، بما يشمل مقار الحشد الشعبي ومقرات البيشمركة في إقليم كردستان.

حدود الرد العراقي وقيود الدفاع

لكن الواقع العملي يفرض سؤالًا أساسيًا هو كيف سيرد العراق، وبماذا، في ظل هذا التصعيد المتواصل؟ القوة الجوية العراقية، على رغم كونها أحد أركان الجيش، تفتقر إلى منظومات دفاع جوي متقدمة تغطي كامل الأراضي، كما أن الرادارات المتوافرة غير قادرة على رصد كل الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية بدقة، ما يجعل أي محاولة للرد العسكري المباشر محفوفة بالمخاطر، وقد تكون محدودة التأثير.

العراق يمتلك قدرة محدودة على الدفاع الفعلي عن سمائه ومواقعه، والرد العسكري المباشر قد يكون رمزيًا أكثر من كونه فعالاً، ما يجعل البعد الدبلوماسي والتحركات السياسية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الدولة للحفاظ على السيادة والردع.

هشاشة وتمثيل مفقود

المجلس السياسي الوطني حذر من تصاعد تهديدات الجماعات المسلحة المنفلتة التي تستهدف مؤسسات الدولة ومقار دبلوماسية وأمنية، مؤكدًا ضرورة تمثيل المكونات الأساسية في إدارة المؤسسات الأمنية والاجتماعات العسكرية العليا، لما لذلك من دور في تعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.

البعثات الدولية

بعثة الناتو ومستشارو التحالف الدولي بدأوا الانسحاب المؤقت من مواقعهم في بغداد ومعسكر الدعم باتجاه الأردن ضمن إجراءات احترازية، لا تعكس تهديدًا مباشرًا، لكنها توضح مستوى القلق من تداعيات الحرب الإقليمية. البعثة حافظت على وجود محدود ضمن مقرات وزارة الدفاع، مؤكدة أن انسحابها مؤقت وسيتم تقييم عودتها وفق الوضع الأمني.

العراق اليوم ليس فقط ساحة صراع مسلح داخلي، بل ملعب مفتوح لتفاعلات إقليمية معقدة. 

الهجمات الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة على الحشد الشعبي والبيشمركة، تزامنت مع أزمة سياسية داخلية تتمثل في ضعف التمثيل وإدارة المؤسسات الأمنية، ما يزيد من هشاشة الدولة أمام التصعيد.

الرد العسكري الذي منحه المجلس الوزاري للأمن الوطني للحشد الشعبي يعكس محاولة للحفاظ على سيادة الدولة، لكنه أيضًا يحمل مخاطرة تصعيدية، إذ إن أي رد مكثف قد يتقاطع مع الحسابات الإقليمية.

الأمر الأكثر إيلامًا هو أن الصراع الإقليمي أصبح يفرض نفسه على كل زاوية من العراق، من الأنبار غربًا، صلاح الدين شمالًا، بابل، بغداد قلب العاصمة، وصولاً إلى إقليم كردستان. كل منطقة تحمل بصمتها من العنف، وكل ضربة هي رسالة سياسية وعسكرية في آنٍ واحد.

العراق بين الدولة والفواعل المسلحة

حيدر سعيد، رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يرى أن النخبة الشيعية الحاكمة، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، توصلوا إلى قناعة مفادها أن المؤسسة الأمنية وحدها غير قادرة على حفظ الاستقرار في مواجهة التحديات الإقليمية، مثل الثورة في سوريا والربيع العربي. ولذلك، ظهرت مؤسسات أمنية رديفة وموازية مثل داعش، وأعطت فتوى الجهاد الكفائي الإطار لصناعة هذه المؤسسات.

ويشير سعيد إلى “أن هذه المؤسسات، على رغم أنها تتبع رسميًا القوات المسلحة وتتلقى رواتبها من الدولة، فإن القرارات داخلها ليست بيد الدولة. وجود مثل هذه المؤسسات البديلة يشكل خطرًا على النظام والدولة، كما ظهر في اختلاف القرارات بين هذه الجهات وبين ما تريده الدولة، التي ترغب في إبقاء العراق بعيدًا عن الصراع الإقليمي، بينما تسعى بعض الأحزاب والفصائل الى مخاطبة مصالحها ضمن ساحة الصراع”.

ويضيف “أن العراق يحتاج إلى قرارات استراتيجية حاسمة وإعادة صياغة النظام السياسي لضمان حصانة الدولة، مع التأكيد على أهمية مجتمع مندمج وغير منقسم وفق الطائفة والدين والعرق”. كما يحذر من أن سقوط النظام في إيران قد يطلق طموحات جماعات عراقية متعددة ويعيد إشعال الصراعات الداخلية، بخاصة بين السنة والشيعة والكرد، كما ظهر في انتفاضة 2019.

فشل الحماية وأزمة الردع

أعلن جهاز المخابرات العراقي، في 21 آذار/ مارس الحالي، عن مقتل ضابط في صفوفه إثر هجوم بطائرة مسيرة على مقرّه في العاصمة بغداد، في محاولة يائسة لتعطيل دوره الأمني وملاحقة الفاعلين وراء الهجوم.

يأتي هذا الحادث في ظل استمرار استهداف مقرات الأجهزة الأمنية العراقية من فواعل مسلحة، وسط عجز الدولة عن توفير الحماية الكاملة لتكنولوجياتها وقدراتها الأمنية، وهو ما يعكس هشاشة منظومة الردع وأزمة إدارة الأزمات الأمنية في البلاد.

بين الصواريخ والمسيرات، وتكرار الاستهداف لمؤسسات الدولة، يؤكد مهند سلوم، أستاذ الدراسات الأمنية في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن استهداف أجهزة المخابرات والرادارات في العراق ليس جديدًا، وأن الاتهامات تتكرر منذ عهد الكاظمي، مشيرًا إلى أن العراق لا يملك القدرة الفنية لحماية أجهزته مثل الدول الأخرى، والتكنولوجيا الغربية قد تكون مخترقة، لكن ذلك لا يبرر قتل عناصر عراقيين سواء كانوا ضباطًا أو من الحشد أو الميليشيات.

ويضيف أن العراق ليس طرفًا رسميًا في الصراع الإقليمي الحالي، والحكومة لا تريد الحرب، على رغم أن بعض الفواعل شبه الدولة تدخل في المعارك بشكل مستقل، ما يجعل العراق جزءًا من حرب هجينة بدون إرادته الرسمية.

كما يوضح “أن الدول المجاورة مثل السعودية، الأردن، سوريا وتركيا، لا ترغب في حرب مباشرة مع العراق، لكنها تتعامل مع الفواعل المسلحة بوسائل استخباراتية وإعلامية وتجفيف أموال. العراق محاصر بين هذه الفواعل والولايات المتحدة، وتوسيع الصراع لن يؤثر إلا إذا واجهت إيران أزمة عسكرية كبيرة”.

يشرح سلوم أن الوضع الحالي ليس حربًا هجينة بالكامل، ولا حربًا رسمية، بل صراع معقد داخل البلد تتداخل فيه مصالح محلية وإقليمية ودولية.

العراق في معضلة معقدة

يعيش العراق تحت وطأة ضربات جوية متواصلة، هجمات صاروخية ومسيرات، انسحابات وتحركات احترازية للبعثات الدولية، وتصعيد داخلي يعكس ضعف التنسيق الأمني والسياسي.

في النهاية، ما يحدث في العراق ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو مشهد مستمر من الصراع المركب، حيث تتقاطع السياسة الداخلية مع الحسابات الدولية، والحشد الشعبي مع البيشمركة، والمدنيون مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

هذا التدهور المتراكم يمثل أكبر التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، ويضع العراق أمام معضلة معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين الدفاع عن سيادته والقدرة على الحفاظ على استقرار داخلي في ظل تصعيد مستمر بلا نهاية واضحة.