يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن العلاقة الـ”توكسيك” بين عراقيين ومنتخبهم الوطني لكرة القدم!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إنها علاقة “توكسيك” بكل معنى الكلمة، يحب الجمهور منتخبه حتى الجنون، لكنه في الوقت نفسه لا يثق بالمؤسسة التي تديره، يقف في وجهه كل ما يمكن أن يفسد متعة الانتماء، ومع ذلك يظل يسانده، علاقة تستهلك العاطفة وتستنزف الثقة، لكنها لا تموت.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا شيء يوحّد العراقيين كما تفعل كرة القدم، لا الأحزاب ولا الخطابات ولا المناسبات الوطنية قادرة على أن تجمع هذا البلد المتعب مثلما يفعل فوز لمنتخبهم الوطني، حين يسجل أحد “أسود الرافدين” هدفًا. حينها تذوب الفوارق الطائفية والعشائرية، ويصبح الهتاف واحدًا، والعلم واحدًا، والفرح واحدًا. في تلك اللحظات، لا فرق بين بغداد والرمادي، بين البصرة وأربيل، بين الفقير والغني، الكل يتكئ على أمل صغير بأن هذا الفريق يمكن أن يعيد إليهم ما سلبته السياسة والحروب.

لكنها علاقة عاطفية معقّدة، أشبه بقصة حبٍّ من طرف واحد، الجمهور مخلص حتى الألم، والمنتخب ومعه الاتحاد يتصرف أحيانًا كعاشقٍ متعبٍ لا يعرف ماذا يريد، الفرح حين يأتي، يأتي على استحياء، ومعه خوف دفين من أن يتحول إلى خيبة جديدة. في كل تصفيات لكأس العالم يتجدد الحلم، يخرج الناس إلى الشوارع، يرفعون الرايات، ويؤمنون أن “هذه المرة مختلفة”، لكن سرعان ما تتبدد الأحلام في غبار الفوضى الإدارية والتخبط الفني، لتبدأ الدورة الأزلية: حلم، فرح، انكسار، ثم حلم جديد.

في بلدٍ أثقلته الحروب وبددت الأزمات موارده، لم تعد كرة القدم رياضة فحسب، بل متنفسًا جماعياً، حين تفرح الجماهير بفوز المنتخب، فهي لا تحتفل بنقاطٍ في جدول التصفيات، بل تنتزع لحظة نادرة من الفرح في واقع لا يمنحها الكثير منه. كرة القدم في العراق ليست تسلية، بل طقسٌ شعبيٌ يشبه الأعياد، إذ تمتزج فيها العواطف بالهوية والانتماء، والحنين بالمقاومة.

حتى أولئك الذين فقدوا الإيمان بكل شيء من السياسة إلى العدالة، ما زالوا يؤمنون بالمنتخب، يعلقون على صدورهم العلم، غير أن هذا الإيمان البسيط، الذي يمكن أن يكون رافعةً وطنية لو استُثمر بصدق، صار هو الآخر عرضة للتشويه، تمامًا كما شُوّهت مؤسسات الدولة الأخرى.

منذ سنوات، والعراقيون يسمعون عن “إصلاح” في اتحاد كرة القدم، وعن “خطة لبناء جيل جديد”، وعن “استراتيجية تأهيل” للمواهب الشابة، لكن الواقع يقول إن كل هذه الوعود تتعثر عند أول اختبار، غياب الإدارة الرشيدة، المحسوبيات، التعيينات السياسية، والتمويل المشبوه، كلها عوامل أفرغت الرياضة من مضمونها الوطني، وحوّلتها إلى حقل نفوذ ومصالح مالية.

ولم يعد الأمر مجرد كلام الشارع، فقبل أيام، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بيانًا مطولًا أعلنت فيه فرض عقوبات على عدد من الشخصيات العراقية بدعوى تورطها في دعم وتمويل جماعات مرتبطة بالنظام الإيراني، وتهريب أموال وسلع للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران. وجاء في البيان أن بعض هؤلاء الأفراد يحتلون مواقع حساسة في القطاع الرياضي ويمارسون أنشطة مالية لصالح جهات سياسية ومسلحة موالية لإيران، بينها مؤسسات يُفترض بها الحياد الوطني الكامل.

من بين الأسماء التي وردت في البيانات الأميركية، كان رئيس اللجنة الأولمبية العراقية علي مفتن خفيف البيضاني وشقيقه عقيل، اللذان اتُّهما وفق وزارة الخزانة بإدارة بنك عراقي مرتبط بـ”فيلق القدس”، وتسهيل عمليات غسيل أموال وتحويلات مالية لصالح جماعات مسلحة. الوزارة قالت إن الشقيقين استغلا مناصبهما الرسمية في الرياضة العراقية للحصول على الدولار الأميركي وتهريب عائدات الفساد، وإن ممتلكاتهما جُمّدت داخل الولايات المتحدة.

هذه الاتهامات، بغضّ النظر عن مسارها القضائي والسياسي، كانت كافية لتفتح باب التساؤل الأهم: لماذا لا توجد جهة عراقية مستقلة تعمل لمصلحة البلاد فقط؟ كيف تحوّل حتى الفرح الرياضي إلى مساحة للتربح والولاءات الخارجية؟

منذ عام 1986، حين شارك العراق للمرة الأولى في كأس العالم بالمكسيك، لم يفقد العراقيون الأمل بتكرار تلك اللحظة، تلك المشاركة كانت رمزًا للكرامة أكثر منها حدثًا رياضيًا، فقد جاءت في زمن الحرب، وكانت رسالة أن العراق قادر على النهوض برغم الجراح، ومنذ ذلك الحين، صار التأهل إلى كأس العالم حلمًا وطنياً مؤجلًا، يتجدد كل أربع سنوات، ثم ينهار بفعل الإهمال، التخطيط المرتجل، وتسييس الرياضة.

في كل مرة يخوض المنتخب تصفيات جديدة، تتكرر الحكاية، منتخب يبدأ قوياً، ثم يضعف أمام ضغط الإدارات المتصارعة والقرارات الارتجالية، المدرب يُقال قبل أن يكمل مشروعه، اللاعبون يعيشون حالة من اللااستقرار، والجمهور يكتشف مجددًا أن “المنتخب ضحية نظامٍ لا يعرف كيف يدير النجاح”.

إنها علاقة “توكسيك” بكل معنى الكلمة، يحب الجمهور منتخبه حتى الجنون، لكنه في الوقت نفسه لا يثق بالمؤسسة التي تديره، يقف في وجهه كل ما يمكن أن يفسد متعة الانتماء، ومع ذلك يظل يسانده، علاقة تستهلك العاطفة وتستنزف الثقة، لكنها لا تموت.

في بلدان مستقرة، تكون كرة القدم وسيلة لتسويق الصورة الوطنية، أو حتى أداة دبلوماسية ناعمة، أما في العراق، فقد تحولت أحيانًا إلى وسيلة للتغطية على فشل سياسي، وإلى واجهة تجميل لمؤسسات غارقة في الفساد. 

السياسيون يدركون أن كرة القدم هي “اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع”، لذلك يتسابقون إلى الظهور مع المنتخب حين ينتصر، ويتوارون حين يخسر.

تدخُّل السياسة في الرياضة العراقية ليس جديدًا، لكنه بلغ في السنوات الأخيرة مستوى جعل الجمهور يشعر أن المنتخب لم يعد يمثلهم بالكامل، بل يمثل شبكة مصالح لا يمكن تفكيكها، من التعيينات المبنية على الولاء، إلى العقود المشبوهة، إلى استغلال ميزانيات التدريب والسفر، والنتيجة منتخب موهوب بلا إدارة، واتحاد رياضي بلا رؤية، وجمهور محبّ بلا أمل واضح.

كيف نصنع فرحًا نقيًا؟

السؤال الذي يطرحه العراقيون اليوم بمرارة هو: هل يمكن أن نحصل على فرحٍ خالص في بلدٍ يتقاسم فيه الجميع كل شيء حتى الأحلام؟


الإجابة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إعادة بناء العلاقة من أساسها، فإصلاح الرياضة يبدأ بتحريرها من السياسة، لتكون مؤسساتها عراقية خالصة، شفافة، وتحت رقابة مستقلة لا تخضع للنفوذ الحزبي أو الخارجي، إذ لا يمكن بناء منتخب قوي في ظل إدارة مسيّسة أو خاضعة للإملاءات.

كما أن الاستثمار في الجيل الجديد يمثل جوهر المشروع الرياضي الحقيقي، فالعراق بلد يفيض بالمواهب، لكنه يفتقر إلى إدارة قادرة على تحويل هذه الموهبة إلى إنجاز. بناء الأكاديميات وتوفير ملاعب التدريب في المحافظات وتأهيل المدربين محلياً، هي خطوات لا غنى عنها لخلق قاعدة صلبة للكرة العراقية.

ولن تكتمل الصورة من دون تمويل نزيه وواضح، فالأموال المخصصة للرياضة يجب أن تُدار عبر قنوات رسمية معلنة، وتُنشر تقاريرها المالية بشكل دوري أمام الرأي العام، كي لا تبقى رهينة للصفقات أو الجهات المالية الغامضة التي تعبث بآمال الجمهور.

أما الإعلام الرياضي، فدوره يجب أن يتجاوز التغطية إلى المساءلة، لأن الصحافة الرياضية ليست ترفاً ولا زينة للمشهد، بل أداة إصلاح حقيقية حين تمارس مهنيتها في كشف الفساد ومحاسبة الإدارات بلا مجاملة أو تحيّز.

في نهاية المطاف، ليست كرة القدم للعراقيين مجرد لعبة، إنها اللغة الأخيرة التي تجمعهم حين يفشل كل شيء آخر. لكن هذه اللغة مهددة بأن تُخطف مثلما خُطفت مؤسسات كثيرة من قبل. لذلك، فإن إصلاح الرياضة هو أكثر من إصلاحٍ إداري، إنه استعادةٌ لحق الشعب في الفرح، في الحلم، في أن يرى علمه مرفوعًا في المونديال لا بفضل مصادفة، بل بفضل جهدٍ وطني خالص.

العراقيون، الذين اعتادوا أن يحبوا على رغم الألم، يستحقون أن تُبادلهم بلادهم هذا الحب، يستحقون منتخبًا لا يُدار من خلف الكواليس، ولا يُستغل كواجهةٍ سياسية أو مالية، بل فريقًا يلعب باسمهم حقًا. يومها فقط، سيصبح الفرح العراقي حقيقيًا، وسيصبح حلم كأس العالم أكثر من مجرد ذكرى من عام 1986، بل وعدًا جديدًا بأن هذا البلد، على رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على أن يبتسم.

15.10.2025
زمن القراءة: 5 minutes

إنها علاقة “توكسيك” بكل معنى الكلمة، يحب الجمهور منتخبه حتى الجنون، لكنه في الوقت نفسه لا يثق بالمؤسسة التي تديره، يقف في وجهه كل ما يمكن أن يفسد متعة الانتماء، ومع ذلك يظل يسانده، علاقة تستهلك العاطفة وتستنزف الثقة، لكنها لا تموت.

لا شيء يوحّد العراقيين كما تفعل كرة القدم، لا الأحزاب ولا الخطابات ولا المناسبات الوطنية قادرة على أن تجمع هذا البلد المتعب مثلما يفعل فوز لمنتخبهم الوطني، حين يسجل أحد “أسود الرافدين” هدفًا. حينها تذوب الفوارق الطائفية والعشائرية، ويصبح الهتاف واحدًا، والعلم واحدًا، والفرح واحدًا. في تلك اللحظات، لا فرق بين بغداد والرمادي، بين البصرة وأربيل، بين الفقير والغني، الكل يتكئ على أمل صغير بأن هذا الفريق يمكن أن يعيد إليهم ما سلبته السياسة والحروب.

لكنها علاقة عاطفية معقّدة، أشبه بقصة حبٍّ من طرف واحد، الجمهور مخلص حتى الألم، والمنتخب ومعه الاتحاد يتصرف أحيانًا كعاشقٍ متعبٍ لا يعرف ماذا يريد، الفرح حين يأتي، يأتي على استحياء، ومعه خوف دفين من أن يتحول إلى خيبة جديدة. في كل تصفيات لكأس العالم يتجدد الحلم، يخرج الناس إلى الشوارع، يرفعون الرايات، ويؤمنون أن “هذه المرة مختلفة”، لكن سرعان ما تتبدد الأحلام في غبار الفوضى الإدارية والتخبط الفني، لتبدأ الدورة الأزلية: حلم، فرح، انكسار، ثم حلم جديد.

في بلدٍ أثقلته الحروب وبددت الأزمات موارده، لم تعد كرة القدم رياضة فحسب، بل متنفسًا جماعياً، حين تفرح الجماهير بفوز المنتخب، فهي لا تحتفل بنقاطٍ في جدول التصفيات، بل تنتزع لحظة نادرة من الفرح في واقع لا يمنحها الكثير منه. كرة القدم في العراق ليست تسلية، بل طقسٌ شعبيٌ يشبه الأعياد، إذ تمتزج فيها العواطف بالهوية والانتماء، والحنين بالمقاومة.

حتى أولئك الذين فقدوا الإيمان بكل شيء من السياسة إلى العدالة، ما زالوا يؤمنون بالمنتخب، يعلقون على صدورهم العلم، غير أن هذا الإيمان البسيط، الذي يمكن أن يكون رافعةً وطنية لو استُثمر بصدق، صار هو الآخر عرضة للتشويه، تمامًا كما شُوّهت مؤسسات الدولة الأخرى.

منذ سنوات، والعراقيون يسمعون عن “إصلاح” في اتحاد كرة القدم، وعن “خطة لبناء جيل جديد”، وعن “استراتيجية تأهيل” للمواهب الشابة، لكن الواقع يقول إن كل هذه الوعود تتعثر عند أول اختبار، غياب الإدارة الرشيدة، المحسوبيات، التعيينات السياسية، والتمويل المشبوه، كلها عوامل أفرغت الرياضة من مضمونها الوطني، وحوّلتها إلى حقل نفوذ ومصالح مالية.

ولم يعد الأمر مجرد كلام الشارع، فقبل أيام، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بيانًا مطولًا أعلنت فيه فرض عقوبات على عدد من الشخصيات العراقية بدعوى تورطها في دعم وتمويل جماعات مرتبطة بالنظام الإيراني، وتهريب أموال وسلع للالتفاف على العقوبات المفروضة على طهران. وجاء في البيان أن بعض هؤلاء الأفراد يحتلون مواقع حساسة في القطاع الرياضي ويمارسون أنشطة مالية لصالح جهات سياسية ومسلحة موالية لإيران، بينها مؤسسات يُفترض بها الحياد الوطني الكامل.

من بين الأسماء التي وردت في البيانات الأميركية، كان رئيس اللجنة الأولمبية العراقية علي مفتن خفيف البيضاني وشقيقه عقيل، اللذان اتُّهما وفق وزارة الخزانة بإدارة بنك عراقي مرتبط بـ”فيلق القدس”، وتسهيل عمليات غسيل أموال وتحويلات مالية لصالح جماعات مسلحة. الوزارة قالت إن الشقيقين استغلا مناصبهما الرسمية في الرياضة العراقية للحصول على الدولار الأميركي وتهريب عائدات الفساد، وإن ممتلكاتهما جُمّدت داخل الولايات المتحدة.

هذه الاتهامات، بغضّ النظر عن مسارها القضائي والسياسي، كانت كافية لتفتح باب التساؤل الأهم: لماذا لا توجد جهة عراقية مستقلة تعمل لمصلحة البلاد فقط؟ كيف تحوّل حتى الفرح الرياضي إلى مساحة للتربح والولاءات الخارجية؟

منذ عام 1986، حين شارك العراق للمرة الأولى في كأس العالم بالمكسيك، لم يفقد العراقيون الأمل بتكرار تلك اللحظة، تلك المشاركة كانت رمزًا للكرامة أكثر منها حدثًا رياضيًا، فقد جاءت في زمن الحرب، وكانت رسالة أن العراق قادر على النهوض برغم الجراح، ومنذ ذلك الحين، صار التأهل إلى كأس العالم حلمًا وطنياً مؤجلًا، يتجدد كل أربع سنوات، ثم ينهار بفعل الإهمال، التخطيط المرتجل، وتسييس الرياضة.

في كل مرة يخوض المنتخب تصفيات جديدة، تتكرر الحكاية، منتخب يبدأ قوياً، ثم يضعف أمام ضغط الإدارات المتصارعة والقرارات الارتجالية، المدرب يُقال قبل أن يكمل مشروعه، اللاعبون يعيشون حالة من اللااستقرار، والجمهور يكتشف مجددًا أن “المنتخب ضحية نظامٍ لا يعرف كيف يدير النجاح”.

إنها علاقة “توكسيك” بكل معنى الكلمة، يحب الجمهور منتخبه حتى الجنون، لكنه في الوقت نفسه لا يثق بالمؤسسة التي تديره، يقف في وجهه كل ما يمكن أن يفسد متعة الانتماء، ومع ذلك يظل يسانده، علاقة تستهلك العاطفة وتستنزف الثقة، لكنها لا تموت.

في بلدان مستقرة، تكون كرة القدم وسيلة لتسويق الصورة الوطنية، أو حتى أداة دبلوماسية ناعمة، أما في العراق، فقد تحولت أحيانًا إلى وسيلة للتغطية على فشل سياسي، وإلى واجهة تجميل لمؤسسات غارقة في الفساد. 

السياسيون يدركون أن كرة القدم هي “اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع”، لذلك يتسابقون إلى الظهور مع المنتخب حين ينتصر، ويتوارون حين يخسر.

تدخُّل السياسة في الرياضة العراقية ليس جديدًا، لكنه بلغ في السنوات الأخيرة مستوى جعل الجمهور يشعر أن المنتخب لم يعد يمثلهم بالكامل، بل يمثل شبكة مصالح لا يمكن تفكيكها، من التعيينات المبنية على الولاء، إلى العقود المشبوهة، إلى استغلال ميزانيات التدريب والسفر، والنتيجة منتخب موهوب بلا إدارة، واتحاد رياضي بلا رؤية، وجمهور محبّ بلا أمل واضح.

كيف نصنع فرحًا نقيًا؟

السؤال الذي يطرحه العراقيون اليوم بمرارة هو: هل يمكن أن نحصل على فرحٍ خالص في بلدٍ يتقاسم فيه الجميع كل شيء حتى الأحلام؟


الإجابة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إعادة بناء العلاقة من أساسها، فإصلاح الرياضة يبدأ بتحريرها من السياسة، لتكون مؤسساتها عراقية خالصة، شفافة، وتحت رقابة مستقلة لا تخضع للنفوذ الحزبي أو الخارجي، إذ لا يمكن بناء منتخب قوي في ظل إدارة مسيّسة أو خاضعة للإملاءات.

كما أن الاستثمار في الجيل الجديد يمثل جوهر المشروع الرياضي الحقيقي، فالعراق بلد يفيض بالمواهب، لكنه يفتقر إلى إدارة قادرة على تحويل هذه الموهبة إلى إنجاز. بناء الأكاديميات وتوفير ملاعب التدريب في المحافظات وتأهيل المدربين محلياً، هي خطوات لا غنى عنها لخلق قاعدة صلبة للكرة العراقية.

ولن تكتمل الصورة من دون تمويل نزيه وواضح، فالأموال المخصصة للرياضة يجب أن تُدار عبر قنوات رسمية معلنة، وتُنشر تقاريرها المالية بشكل دوري أمام الرأي العام، كي لا تبقى رهينة للصفقات أو الجهات المالية الغامضة التي تعبث بآمال الجمهور.

أما الإعلام الرياضي، فدوره يجب أن يتجاوز التغطية إلى المساءلة، لأن الصحافة الرياضية ليست ترفاً ولا زينة للمشهد، بل أداة إصلاح حقيقية حين تمارس مهنيتها في كشف الفساد ومحاسبة الإدارات بلا مجاملة أو تحيّز.

في نهاية المطاف، ليست كرة القدم للعراقيين مجرد لعبة، إنها اللغة الأخيرة التي تجمعهم حين يفشل كل شيء آخر. لكن هذه اللغة مهددة بأن تُخطف مثلما خُطفت مؤسسات كثيرة من قبل. لذلك، فإن إصلاح الرياضة هو أكثر من إصلاحٍ إداري، إنه استعادةٌ لحق الشعب في الفرح، في الحلم، في أن يرى علمه مرفوعًا في المونديال لا بفضل مصادفة، بل بفضل جهدٍ وطني خالص.

العراقيون، الذين اعتادوا أن يحبوا على رغم الألم، يستحقون أن تُبادلهم بلادهم هذا الحب، يستحقون منتخبًا لا يُدار من خلف الكواليس، ولا يُستغل كواجهةٍ سياسية أو مالية، بل فريقًا يلعب باسمهم حقًا. يومها فقط، سيصبح الفرح العراقي حقيقيًا، وسيصبح حلم كأس العالم أكثر من مجرد ذكرى من عام 1986، بل وعدًا جديدًا بأن هذا البلد، على رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على أن يبتسم.