“أكو شغلة عندي خط أحمر، الي مو على ولاية علي… ما أتعايش وياهم، حتى الزاد (الطعام) ما أشاركه وياهم”. بهذه الكلمات عبّرت الممثّلة العراقية صبا ابراهيم عن موقف شخصي يتعلّق بقناعاتها الدينية وطريقة تعاملها مع المختلف عنها في المعتقد، مشيرة إلى أن الأمر بالنسبة إليها يرتبط أيضاً باختيار شريك الحياة وطبيعة العلاقة مع الآخر.
بعيداً عن تقييم هذا الموقف أو مناقشة القناعة الدينية التي تقف خلفه، فإن أهمّية التصريح بالنسبة إلى المشهد الفنّي والثقافي العراقي، لا تكمن في صاحبته بقدر ما تكشفه من قضيّة أكبر، ماذا يحدث عندما يصبح الفنّان في المجال العامّ معروفاً بانتمائه وهويّته ومواقفه، أكثر ممّا يُعرف بعمله؟
السؤال هنا لا يتعلّق بصبا ابراهيم تحديداً، ولا يعني أن العاملين في الفنّ والثقافة مطالبون بإخفاء معتقداتهم أو آرائهم السياسية والاجتماعية. فالفنّان، قبل أن يكون شخصيّة عامّة، هو فرد له قناعاته وخياراته وحقّه في التعبير. لكنّ موقعه في المجال العامّ يمنح كلامه أثراً يتجاوز حياته الخاصّة، ويجعل الطريقة التي يتعامل بها مع الاختلاف جزءاً من المشهد الثقافي والاجتماعي الذي يشارك في تشكيله.
وهنا تبدأ المسألة الأوسع، فما قالته صبا ابراهيم ليس حالة نادرة، بل يعكس أزمة علاقة الفنّان العراقي بالهويّة والسلطة والمجتمع، وحدود المسافة التي ينبغي أن تبقى قائمة بين الفنّان ومراكز النفوذ المحيطة به سواء السياسية أو الدينية.
لم يكن الفنّ العراقي مستقلاً تماماً عن السلطة في أي مرحلة. قبل العام 2003 وخلال حقبة حكم صدّام حسين كانت مؤسّسات الدولة حاضرة بقوّة في الإنتاج الثقافي والفنّي، وكانت فرص العمل والظهور والإنتاج مرتبطة في أحيان كثيرة بالمؤسّسات الرسمية.
بعد العام 2003، تغيّر شكل السلطة وتعدّدت مصادر القرار. لم تعد الدولة وحدها هي الطرف المؤثّر في المشهد الفنّي، على العكس، دخلت الأحزاب والمؤسّسات والقنوات والشخصيّات السياسية والدينية والاجتماعية، إلى جانب السوق والإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، في تشكيل البيئة التي يعمل داخلها الفنّان.
تغيّرت الأدوات، لكنّ التحدّي بقي قريباً من جوهره، كيف يستطيع الفنّان أن يستفيد من المؤسّسات والفرص المتاحة من دون أن يتحوّل إلى جزء من خطاب الجهة التي تمنحه هذه الفرصة؟ وهنا لا يعني استقلال الفنّان أن يكون معارضاً دائماً، أو أن يرفض التعاون مع الدولة والمؤسّسات الرسمية، أو أن يتخلّى عن معتقده وموقفه السياسي والديني، إنما يعني أن يحتفظ بقدر من المسافة يسمح له بأن يرى المجتمع خارج الاصطفاف، وأن ينتقد السلطة حين تستحقّ النقد، وأن يتناول القضايا التي تمسّ حياة الناس، حتى عندما تكون محرجة لأصحاب الهيمنة.
وهذه المسافة لا تتعلّق بالسلطة السياسية وحدها. فقد يفقد الفنّان جزءاً من استقلاله عندما يصبح تابعاً لحزب أو جهة نافذة، لكنّه قد يفقده أيضاً عندما يتحوّل إلى صوت للاستقطاب الاجتماعي أو الطائفي، أو عندما يصبح انتماؤه معياراً لتحديد موقفه من الآخرين.
وأصبح التقرّب من السلطة الدينية طريقاً إلى الامتيازات، في مقابل تهميش الفنّانين والمثقّفين الذين يختارون الوقوف خارج هذا الاصطفاف، أو رفض تحويل الفنّ إلى مساحة للتأييد والولاء.
كان الفنّ العراقي، رغم علاقته المعقّدة بالسلطة، إحدى المساحات التي جمعت العراقيين رغم اختلافاتهم. فالأغنية والمسرح والدراما والسينما لم تكن مجرّد وسائل للترفيه، وإنما كانت جزءاً من الذاكرة المشتركة، ومساحة لطرح الأسئلة والقضايا التي يصعب على المجتمع أحياناً مواجهتها بصورة مباشرة.
كان العراقي يشاهد العمل نفسه، ويسمع الأغنية نفسها، ويتفاعل مع الحكاية نفسها، من دون أن يكون السؤال الأوّل هو، من أي مذهب الفنّان؟ وإلى من ينتمي؟ وما موقفه السياسي؟
لكنّ هذا الدور بدأ يضيق مع اتّساع الاستقطاب في المجتمع، ومع انتقال جزء من النقاش حول الفنّان من العمل الفنّي إلى هويّة صاحبه ومواقفه. وأصبح من الممكن أن يحضر الفنّان في المجال العامّ بوصفه ممثّلاً لانتماء معيّن، قبل أن يُنظر إليه بوصفه ممثّلاً لعمل فنّي أو تجربة إبداعية.
المشكلة هنا ليست في الهويّة بحدّ ذاتها. فكل إنسان يحمل هويّة ومعتقدات وانتماءات، والفنّان ليس استثناءً. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل الهويّة إلى معيار للحكم على الآخر، أو عندما تنتقل القناعة الشخصية من مساحة الاختيار الفردي إلى خطاب عامّ يعيد إنتاج الانقسام.
ولهذا فإن تصريحات الفنّانين المتعلّقة بالدين والمذهب لا يمكن فصلها تماماً عن السياق الذي تُقال فيه. فإذا كان من حقّ الفنّان أن يختار شريك حياته وفقاً لقناعته، فإن ظهوره أمام جمهور كبير يجعل خطابه جزءاً من المجال العامّ، خصوصاً في مجتمع عراقي ما تزال الانقسامات المذهبية حاضرة في تفاصيله السياسية والاجتماعية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الدور الذي أدّاه الفنّ العراقي في المجتمع خلال السنوات الأخيرة، ومدى قدرته على ملامسة قضاياه والتحوّلات التي يعيشها.
أما اليوم، فتبدو مساحة الدراما الاجتماعية النقدية أضيق من حجم التحوّلات التي يعيشها المجتمع. هناك قضايا كبيرة تحتاج إلى معالجة فنّية جادّة، العنف الأسري، وحقوق المرأة، والخلافات حول التشريعات الاجتماعية، والفساد، والمخدّرات، والبطالة، والهجرة، والتعليم، وآثار الحروب، وتغيّر شكل الأسرة والعلاقات بين الأجيال.
إقرأوا أيضاً:
لا يعني ذلك أن كل الإنتاج يجب أن يتحوّل إلى أعمال سياسية أو اجتماعية ثقيلة، فالترفيه جزء طبيعي من صناعة الفنّ، والفنّان من حقّه أن يقدّم ما يريد من أعمال. لكنّ المشكلة تظهر عندما يصبح الترفيه بديلاً دائماً عن السؤال، وعندما تصبح الشاشة أكثر اهتماماً بتقديم صورة مريحة عن الواقع من الاقتراب من تناقضاته.
كل هذه التحوّلات تحتاج إلى الفنّ، ليس لأنه قادر وحده على حلّها، إنما لأنه يستطيع أن يمنح المجتمع لغة يرى من خلالها نفسه. وعندما يغيب هذا الدور، تتّسع الفجوة بين المجتمع وشاشته.
لذلك فإن قضيّة استقلال الفنّان لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها علاقة مباشرة بين الفنّان والحكومة فقط. إنها علاقة أوسع بكثير، تشمل الأحزاب والمؤسّسات الدينية والاجتماعية والإعلام والسوق والجمهور، وكل جهة يمكن أن تؤثّر في مساحة الفنّان أو تحدّد ما يستطيع قوله وما يفضّل تجنّبه.
فالاستقلال لا يعني العزلة، ولا يعني رفض المؤسّسات، ولا يعني أن يعيش الفنّان خارج المنظومة الثقافية. إنما يعني أن يكون قادراً على التعاون من دون التبعية، والاستفادة من الدعم من دون تحويله إلى ولاء.
وهنا يعود الفنّ إلى وظيفته الأهم، أن يمدّ مساحة الاختلاف بدلاً من أن يغلقها.
العراقي يحتاج إلى فنّ يتحدّث عن حياته، لا عن هويّته فقط. يحتاج إلى حكايات تضع الإنسان في مركزها، وتتناول ابن بغداد والبصرة والموصل والنجف والأنبار وأربيل بوصفهم أشخاصاً يواجهون هموماً ومخاوف وأحلاماً متشابهة، لا بوصفهم جماعات متقابلة.
ولذلك فإن النقاش حول استقلال الفنّان العراقي لا يخصّ الفنّان وحده، بل يخصّ الجمهور والمجتمع أيضاً. فالمجتمع الذي يفقد فنّه المستقلّ يفقد إحدى الوسائل المهمّة التي يستطيع من خلالها أن يرى نفسه، وأن يناقش مشكلاته، وأن يختبر أفكاره بعيداً عن الخطابات الجاهزة.
الفنّ الذي يستطيع أن يحتفظ بمسافة من كل هذه القوى، وأن يضع الإنسان قبل الانتماء، والسؤال قبل الإجابة الجاهزة، والمجتمع قبل السطوة، هو الفنّ القادر على البقاء.
فالسلطة تتغيّر، والأحزاب تتبدّل، مراكز التأثير تتنقّل، لكنّ العمل الفنّي الذي يلامس حياة الناس يستطيع أن يعيش بعد اللحظة التي صُنع فيها.
لهذا، لا يحتاج العراق إلى فنّانين بلا قناعات، إنما إلى فنّانين يمتلكون حرّية النظر والتعبير، ويعرفون أن القناعة الشخصية لا تحتاج إلى إلغاء الآخر حتى تكون قويّة.
فحين يصبح الفنّ مساحة للحرّية، يستطيع أن يقترب من المجتمع. وعندما يتحوّل إلى مساحة للولاء، يبدأ بالابتعاد عنه. والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً في صناعة الفنّ، بل هو الفارق بين ثقافة تعيد إنتاج الانقسامات، وثقافة تساعد المجتمع على تجاوزها.











