أفكّر في اللغة، في اصطلاحاتها المتّفق عليها، وفي قدرتها الهائلة على تسمية الأشياء من جهة، وفي عجزها في الوقت نفسه عن الوصول إلى ما نحاول التعبير عنه وما لا يمكن تسميته بالكامل: التجربة الداخلية، الإحساس، والمشاعر.
فلو سمّينا الشجرة طاولة، أو أعطينا الأشياء أرقاماً بدل الأسماء، فلن يتغيّر شيء في جوهرها. الاسم لا يحمل معنى الشيء، بل هو اتّفاق يشير إليه. كان يمكن للوردة أن تُسمّى جداراً، والجدار أن يُسمّى وردة، دون أن تتغيّر الوردة أو الجدار. فالكلمة هنا أداة للتفاهم والتنظيم، وليست حاملة لحقيقة الأشياء.
لكنّ الأمر يختلف حين نحاول أن نستخدم اللغة للوصول إلى ما هو داخلي: المشاعر، والأحاسيس، والمعاني التي نعيشها ولا نراها. حين نحاول شرح الحبّ، أو الحنين، أو الخوف، أو الفقد. هنا لا تعود المشكلة في الاسم، بل في المسافة بين التجربة والكلمة التي تحاول نقلها.
قبل الكلام، كان هناك شكل آخر من التواصل؛ ليس لغة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، وليس نظاماً من الأصوات والمفردات، بل علاقة مباشرة بين الإنسان والعالم وبين إنسان وآخر، والأهمّ بين الإنسان ونفسه: إحساس، وصورة، ونظرة، وحركة، ولمسة، وحضور.
إنه تواصل خالٍ من الكلمات وقواعدها، وهو المادّة الأولى التي يتشكّل منها المعنى قبل أن يتحوّل إلى رمز: الشعور قبل تسميته، والصورة قبل وصفها، والإحساس قبل تفسيره.
فكلمة “حبّ” ليست الحبّ. كلمة “ألم” ليست الألم. يمكن للإنسان أن يشرح شعوره لساعات، وقد يبقى الجزء الأهمّ منه خارج الكلمات. قد لا يعرف أحدهم مقدار حبّنا له مهما تحدّثنا، إلى أن نلمسه. في لحظة لمس قد يصل شيء لا تستطيع آلاف المفردات أن تحمله، لأن اللمس لا يصف الشعور، بل ينقله.
اللغة الكلامية لم تخلق المعنى، بل جاءت لاحقاً محاولةً للإمساك بشيء كان موجوداً قبلها. لكنّه بقي متقدّماً عليها، وبقيت اللغة تحاول الإمساك به.
التفكير نفسه يبدو سابقاً على الكلام. لكنّ الإنسان الذي تعلّم اللغة يستخدمها حتى أثناء تفكيره، وكأن الكلمات أصبحت الوسيط الذي يمرّ عبره وعيه.
وحين نصمت اليوم، لا نعرف الصمت الحقيقي. فداخلنا يستمرّ الكلام: أفكار، وجمل، وتحليلات، وذكريات. حتى الصمت أصبح ممتلئاً باللغة.
لكن بأيّ لغة كان الوعي الأوّل يفكّر قبل أن يبتكر الإنسان الأصوات التي أصبحت رموزاً؟
هل كان هناك تفكير أصلاً بالشكل الذي نعرفه؟ أم كان هناك شكل آخر من الحضور لا يحتاج إلى أن يُصاغ في الرأس على هيئة جمل؟
ربما لم تكن الأفكار تأخذ الشكل الذي نعرفه اليوم، بل كان هناك إحساس مباشر بالأشياء. ربما كان المعنى يُعاش قبل أن يُفكّر فيه، ويُحسّ قبل أن يُسمّى.
ربما لم يكن الإنسان يقف أمام شعوره ليحلّله، بل كان داخله مباشرة. كان الألم ألماً قبل أن يصبح “فكرة عن الألم”، وكان الفرح فرحاً قبل أن يصبح اسماً ومعنى.
فنحن لا نعرف كيف كان الأمر قبل اللغة، لأننا نحاول الوصول إليه بواسطة الأداة نفسها التي جاءت بعده: اللغة.
هل الكلام، مكتوباً كان أم محكياً، هو الوسيلة الوحيدة لنقل المعرفة؟
حتى اللغة نفسها، حين تصف العالم، لا تنقله كما هو تماماً، بل تنقله من خلال موقع الإنسان منه. نقول في العربية: شروق الشمس وغروبها. تحمل الكلمتان علاقة بالمكان والاتّجاه؛ فالشمس تشرق من الشرق وتغرب نحو الغرب. ومع ذلك نعرف أن الأرض هي التي تتحرّك، وأن ما نراه هو الحركة الظاهرة للشمس بالنسبة إلينا.
إقرأوا أيضاً:
في لغات أخرى قد يتركّز التعبير على الظهور والاختفاء أو على الحركة نفسها أكثر من ارتباطها بالاتّجاه. لا يعني هذا أن لغة أقرب إلى الحقيقة من أخرى، بل إن كل لغة تختار زاوية معيّنة ترى من خلالها العالم. اللغة لا تصف الواقع فقط، بل تكشف طريقة الإنسان في علاقته به.
المعرفة كانت موجودة دائماً في أشكال أخرى: في الجسد، وفي الصورة، وفي الصوت، وفي الإيقاع، وفي التجربة المباشرة. وربما تأتي الكلمات لاحقاً لتشرح ما حدث، لكنّها لا تستعيده كاملاً.
لهذا ربما لا يوجد كلام يمكن أن يشرح تماماً إحساس المستمع إلى معزوفة موسيقية. ولا يوجد كلام يمكن أن يعيد اللحظة الأولى أمام لوحة فنّية.
الموسيقى والرسم لا يحاولان فقط أن يقولا المعنى بطريقة أخرى، بل ربما يقتربان من منطقة أسبق من الكلام، من اللحظة التي لم تنفصل فيها التجربة بعد عن الإحساس بها.
أما النقد الفنّي، فهو محاولة لإعادة العمل إلى لغة الكلام: تحليله، تفسيره، وتأويله، ووضعه داخل مفاهيم. وهذه المحاولة ضرورية، لكنّها تبقى محاولات ترجمة لاحقة للعمل، وليست العمل نفسه، لأنها لن تخلو من صوت المترجم.
عندما يصوّرون لنا شخصاً أصمّ ممّن لم يتعلموا لغة الإشارة ولا النطق، كثيراً ما يخفون الأصوات من حوله في محاولة لجعلنا نتخيّل الصمت الذي يعيشه. لكنّ السؤال ليس فقط عن غياب الصوت الخارجي، بل عن غياب الصوت الداخلي للكلمات.
أيّ صمت داخل رأسه؟ وبأيّ طريقة يتشكّل وعيه إذا لم تكن الكلمات هي الوسيط الذي يفكّر من خلاله؟
ربما لا يكون عالمه الداخلي منظّماً على هيئة كلمات وأصوات داخلية كما يحدث عند الذين تعلّموا اللغة المنطوقة، بل عبر الصورة، والحركة، والإحساس، والعلاقة المباشرة مع الأشياء.
إنه يرى غروب الشمس دون أن تسبقه بالضرورة كل العبارات الجاهزة المرتبطة بالغروب. يرى اللون والضوء والحركة قبل أن تتحوّل إلى استعارات.
ويرى لوحة فنّية فيلتقي أوّلاً مع الخطوط والألوان والتكوين، قبل أن يبحث عن معناها أو يحاول تفسيرها.
لكنّ الإنسان الذي يستخدم اللغة لا يفقد تماماً تلك العلاقة الأولى. تبقى هناك منطقة سابقة للكلمات تظهر في الفنّ، وفي الأحلام، وفي لحظات الحبّ، وفي التجارب التي نعجز عن وصفها.
الأطفال قبل أن يتعلّموا الكلام يعيشون قريباً من هذه المنطقة. هم يسمعون الأصوات قبل أن يعرفوا أنها كلمات، ويرون الوجوه قبل أن يعرفوا أسماء أصحابها. يبكون قبل أن يعرفوا كلمة الألم، ويضحكون قبل أن يعرفوا كلمة الفرح.
هناك تواصل يسبق اللغة. هناك استجابة مباشرة للعالم تسبق تفسيره.
ثم تأتي اللغة. لا لتخلق المعنى من العدم، بل لتحاول الإمساك به، وترتيبه، ومشاركته مع الآخرين.
وربما تكمن مأساة اللغة وجمالها في الوقت نفسه في أنها تحاول دائماً أن تكون قريبة من تلك اللغة الأولى التي سبقتها؛ اللغة التي لا تقول الأشياء فقط، بل تكونها.
إقرأوا أيضاً:











