“رائحة الموت”…لطالما استوقفتني هذه العبارة سابقاً، فهل للموت رائحة؟
كنت أعتقده تعبيراً مجازياً يستخدمه الكتاب والمعلقون حين يطلقون العنان لخيالهم في وصف الموت والمجازر، لكن منذ بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان وبدأتُ أعمل ميدانياً صحافية على الأرض أدركتُ معنى هذه العبارة وقساوتها.
نعم، للموت رائحة لا يمكن وصفها، ومشهد لا يمكن اختزاله بجملة أو حتى بمقال.
تنشّقت رائحة الموت في بلدة أيطو في قضاء زغرتا عندما استهدف القصف الإسرائيلي مبنى يقطنه نازحون من بلدة عيترون جنوب لبنان، بذريعة استهداف العنصر في حزب الله، أحمد فقيه. برك الدماء التي غطت المكان ما زالت شاهدة على آثار القصف الإسرائيلي الذي أودى بحياة 23 شخصاً. ثيابهم ملقاة على الأشجار المحيطة، رغيف الخبز غارق بالدماء، وأشلاء متناثرة في كل زاوية، جهدت فرق الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني في جمعها في كيس أسود واحد للتعرف لاحقاً على هوية أصحابها.
رائحة الموت تنشّقتها في قصف محلة البسطة في بيروت، حيث كنت أزور جدتي وهرعت الى مكان الانفجار حيث ركام المباني والضحايا تحتها، فيما يتجمع الأهل المفجوعون على أحبائهم…
رائحة الموت تنشّقتها في محيط مستشفى بيروت الحكومي في الجناح حين قُصف حي آل المقداد فوق رؤوس عوائل بكاملها…
رائحة الموت تنشّقتها في صيدا.
منذ بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان، وبخاصة بعد استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت في أيلول/ سبتمبر الماضي، جلتُ في مناطق الغارات حيث سقط عدد كبير من الضحايا، لكني لم أستنشق حينها سوى رائحة الغبار والبارود التي خلّفتها هذه الغارات العنيفة.
هناك في أيطو وما بعدها، كانت التجربة مختلفة تماماً.
هذه ليست الحرب الأولى التي أعيشها، لكنها الأولى التي أختبرها كشخص بالغ وكصحافية ميدانية. في حرب تموز/ يوليو 2006، كنت في الثامنة من عمري، وكل ما أتذكره هو صوت الطيران الحربي الذي كان يحلّق على علو منخفض، وأصوات قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، إذ حينها لم أختبر شخصياً المعنى المباشر للقصف أو المجازر التي كان صداها بعيداً نسبياً عني.
عندما شنّ الجيش الإسرائيلي غاراته على منطقتي البسطة والنويري، كنت موجودة في رأس النبع، التي تبعد شارعين فقط عن موقع الاستهداف. سمعت فجأة أصوات انفجارات ضخمة تلاها هدير الصواريخ، حتى ظننت للحظة أن الصاروخ سيضرب منزلنا، وأننا سنواجه الموت حتماً.
مع كل غارة جديدة، ومع كل جولة ميدانية في صباح اليوم التالي، يتّضح أن حجم الدمار أكبر، والمشهد يزداد رعباً، تحديداً في الأحياء المكتظّة بالسكان. يكرر سكان تلك الأحياء، وبخاصة المسنين، أنهم لم يشهدوا حرباً بهذا القدر من الدمار والمجازر، على الرغم من كونهم “أجيال حرب”، حسب وصفهم.
قبل وصولنا بدقائق إلى موقع الغارة في أيطو، تمكّن فريق الصليب الأحمر اللبناني من انتشال جثمان طفل في أشهره الأولى، رمته القذيفة من منزل النزوح “الآمن” باتجاه سيارة مركونة أمامه. في هذه الأثناء، كانت وجوه المسعفين شاحبة، على الرغم من خبرتهم في هذه الحالات، إلا أن هول المشهد غلب الخبرة والتجربة.
أفكر أنه قبل ثوان قليلة من استهداف المنزل بالصاروخ، كانت العائلات تعيش بسلام، لربما تضحك أو مجتمعة على مأدبة الغداء، ولربما كان الطفل يلعب قبل قيلولته السريعة. هي قصص روتها رائحة الموت هذه، وتلك الأشلاء، بأن هؤلاء ليسوا أرقاماً بل هم أشخاص بأسماء وحياة وذكريات.
رافقتني هذه الرائحة حتى وصولي إلى المنزل، تفقدت رائحة ملابسي ظناً مني أنها تشبعت بها، وبمجرد وصولي، رميتها في الغسالة. سألتني أمي: “ليش دغري عالغسيل؟”، فأجبتها: “ريحتهم دم”.
في تلك اللحظة، أدركت المعنى الحقيقي لعبارة “الحكي مش متل الشوفة”، وهو كذلك بالفعل. التجربة أشد قسوة بأضعاف مما يُروى. هذه الأحداث تجعلني أحياناً أشعر بإشكالية هائلة تجاه مهنتي، بخاصة عندما أضطر إلى إجراء مقابلات مع ضحايا الحرب.
ما معنى لأي سؤال أمام هول الخسارة التي تكبدوها؟!
اليوم، وبعد مرور 18 عاماً على حرب تموز، فُتحت علينا جبهة أكثر عنفاً وتدميراً، وخلال أقل من شهر عشت ما لم أعشه في 2006، من صوت القصف العنيف وصولاً الى توثيق المجازر. هذه المرة الحرب مختلفة، هي أكثر وحشية وظلماً ودماراً، وعلينا أن نمتصّها بمرارتها ونستمر في توثيق هذه الجرائم، إلى حين انتهائها.
إقرأوا أيضاً:











