عملية استهداف النومان سبقتها، بساعات قليلة من مساء الثلاثاء 19 آب، عملية أمنية استهدفت خلايا تابعة لتنظيم “داعش” في منزل قرب شركة الكهرباء في بلدة أطمة. العملية نفذتها قوات الأمن الداخلي السورية، بدعم وإسناد من طائرات التحالف الدولي.
عمليات بلدة أطمة الأخيرة جاءت بعد أقل من شهر على العملية العسكرية التي نفذتها قوات التحالف الدولي بالتعاون مع جهاز الأمن الداخلي السوري في مدينة الباب بريف محافظة حلب في شهر تموز/ يوليو الماضي، والتي أسفرت عن مقتل القيادي البارز في “داعش”، ضياء زوبع مصلح الحرداني، وابنيه عبدالله وعبدالرحمن.
تصاعد عمليات التحالف الدولي والحكومة السورية الانتقالية ضد قادة “داعش” وخلاياه، يأتي ضمن مساعي تطبيق بيان مؤتمر باريس بشأن سوريا، الصادر في 13 شباط/ فبراير 2025، والذي نص على توفير الدعم الذي تحتاجه الحكومة الانتقالية السورية بغية ضمان انعدام قدرة المجموعات الإرهابية على إنشاء ملاذ آمن في الأراضي السورية، ومكافحة جميع أوجه التطرف والإرهاب، والحؤول دون انبعاث التنظيمات الإرهابية في الأراضي السورية.
محاولة القوى الدولية لمكافحة الإرهاب والحكومة السورية لملاحقة قادة تنظيم الدولة وخلاياه، تأتي مع تزايد هجمات التنظيم بعد سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024. فبحسب تقرير نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن التنظيم نفذ 161 هجومًا خلال الأشهر الثمانية الماضية. أربع عمليات استهدفت مناطق الحكومة السورية، أدت الى مقتل 3 عناصر من قوات الحكومة ومدني واحد، بينما بلغ عدد العمليات في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية 157 عملية، أدت الى مقتل العشرات من العسكريين والمدنيين في تلك المناطق بحسب المرصد.
التوجه الحكومي السوري في التعاون مع التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، يأتي بدون أي محاولات رد فعل عسكرية من التنظيم ضد القوات الحكومية أو مناطق سيطرتها، بينما يكتفي بتقديم رأيه الشرعي من خلال مجلته الرسمية “النبأ”، والتي كرر خلال أعدادها الماضية، أنه يرى الحكومة السورية الانتقالية حكومة “كافرة” ترعى المصالح الغربية وتمتنع عن تطبيق الشريعة وتقبل بالمدنية للبقاء بالحكم. هذا كله يطرح الكثير من الأسئلة: ما أسباب تجنّب التنظيم الصدام العسكري معها حتى اللحظة؟ وما هو مستقبل العلاقة بين الطرفين في الأيام المقبلة؟ وهل المعركة قادمة أم لا؟
إقرأوا أيضاً:
في كانون الثاني/ يناير، وصلت إلى سوريا قادمًا من هولندا بعد غياب لسنوات. كان هدف الزيارة العمل على بعض الملفات، ومنها تنظيم “داعش”، إذ زرت مناطق البادية السورية التي شكلت أحد أهم معاقله خلال الفترة الممتدة بين مرحلة انهياره عام 2017 (مناطق غرب نهر الفرات) وحتى سقوط النظام نهاية 2024.
الزيارة والتنقل داخل الأراضي السورية أتاحا لي فرصة اللقاء بقادةٍ سابقين في التنظيم، وآخرين ما زالوا على علاقةٍ به. ففي 9 كانون الثاني/ يناير 2025، التقيتُ، عبر وسيطٍ من أهالي تدمر، بأحدَ قادة التنظيم في البادية، الملقب “أبو مقداد العراقي”، في خيمة على بعد 35 كم غرب مدينة تدمر.
بناءً على اللقاء والمعلومات التي حصلت عليها من أبو المقداد العراقي، أستطيع القول إن “داعش” لا يزال إلى الآن يتجنب المواجهة مع الحكومة السورية الانتقالية، وهذا يعود إلى أسباب كثيرة.
أول هذه الأسباب تمسك التنظيم حتى الآن بالاتفاق غير المعلن، الذي تم بين قادة من التنظيم وقادة آخرين من هيئة تحرير الشام بعد أيام من سقوط النظام. هذا الاتفاق تضمن أن يمتنع التنظيم عن مهاجمة الطرق العابرة للبادية السورية، مقابل امتناع القوات العسكرية للحكومة عن الهجوم على خلايا التنظيم ومناطق انتشاره. يقول البعض، إن التنظيم حاول شن هجمات، مثل محاولة استهداف مقام السيدة زينب في دمشق، لكن جهاز الأمن العام أحبط الهجوم!
لا بد من القول إن التنظيم بشكل عام يلتزم بالاتفاق، لكنْ هناك تيار متشدد يرى ضرورة عدم وجوب مهادنة الحكومة الانتقالية، واستهداف قواتها ومصالحها. ويمكنني التأكيد أن العمليات التي يستهدف فيها التنظيم مناطق الحكومة يقف وراءها هذا التيار.
السبب الثاني، أن التنظيم يعتقد بوجوب تأجيل حالة الصدام مع الحكومة الانتقالية خلال المرحلة الحالية، ليرى ما يصدر عنها في حال بسط سيطرتها على مناطق شرق الفرات، التي تضم معتقلات مقاتليه ومخيمات عائلات التنظيم. ففي لقائي مع أبو المقداد العراقي، أكد أن “تسليم الحكومة مقاتلي التنظيم لدولهم سيكون شرارة الحرب، إذ يعتبر هذه الخطوة بمثابة إنهاء لحياتهم، بخاصة المقاتلين العرب منهم”.
السبب الثالث، أن تنظيم “داعش” عراقي النشأة والقيادة، وخلال السنوات الماضية تلقى نكسات كبيرة، وبات ضعيفًا في دول المركز (سوريا والعراق)، مقابل تضاعف قوته في الفروع الإقليمية، مثل أفريقيا الوسطى وجنوب آسيا. لهذا، يرى أن سقوط نظام الأسد في سوريا يمكن أن يكون عاملًا لوقف جبهته القتالية هنا، والتركيز على الجانب العراقي، حيث لا تزال أسباب نشأة التنظيم موجودة، بوجود حكم مبني على أساس طائفي.
لهذا، يطرح التنظيم فكرة الهدوء على الجبهة السورية، وجعل مناطق وجوده فيها عبارة عن قاعدة انطلاق للتحرك داخل العراق وتفعيل عمله هناك، ويبقى اعتماد سوريا على حاضنة خلفية آمنة، تكون مصدرًا لتأمين العناصر البشرية والسلاح والمال، في محاولة للبعث الثالث له في العراق.
أما رابع الأسباب التي تمنع التنظيم من المواجهة مع الحكومة السورية الانتقالية، فهو ضعف قدراته البشرية والعسكرية، إضافةً الى قوة خصومه وخبرتهم القتالية ضده، بخاصة هيئة تحرير الشام، التي تعاملت مع محاولات نفوذه في إدلب خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام السوري. فالتنظيم الآن يركز على حالة البناء عبر نقل وجوده إلى المراكز المدينية بعد سقوط النظام، مستغلًا حالة الفلتان الأمني، كما يجد فرصةً لاستقطاب العناصر المتشددة التي كانت ضمن الهيئة والفصائل المعارضة، تحت رواية أن التنظيم هو الجهة الوحيدة التي طبقت وستطبق الشريعة الإسلامية وتقاتل العدو “الإسرائيلي والأميركي”، إضافةً الى تعزيز قدراته العسكرية مستغلًا حالة انتشار السلاح.
الأسباب التي تؤجل المواجهة بين تنظيم “داعش” والحكومة السورية الانتقالية لن تستمر. فالأخيرة تتعامل مع ملف التنظيم ضمن التزام دولي يتعلق بمكافحة الإرهاب، وبخاصة تنظيم الدولة. فلا خيار أمامها في حال استلام مناطق شرق الفرات إلا العمل على نقل المقاتلين الأجانب إلى بلادهم ومحاكمة السوريين منهم. كما أنها لن تقبل بأن تكون مصدر تهديد لدول الجوار عبر السماح للتنظيم باستخدام الأراضي السورية لتعزيز وجوده وبناء قدراته في العراق. كما أن تحقيق الأمن ضمن الحواضر المدينية سيتطلب من الحكومة ملاحقة خلايا التنظيم في مراكز المدن التي تسلل إليها خلال فترة الفوضى التي تلت سقوط النظام. فالحكومة تريد أن تظهر جانب قدرتها على بسط الأمن أمام جمهورها وأيضًا الدول الداعمة لها.
هذا كله يجعل المواجهة بين تنظيم “داعش” والحكومة السورية الانتقالية قادمة لا محالة. مواجهة لن تكون سهلة، فبالرغم مما تملكه السلطة السورية الانتقالية من قوة عسكرية وبشرية كبيرة، وحتى دعم إقليمي ودولي، إلا أن التنظيم يمكن أن يجعل منها معركة دموية، بخاصة أن تجارب القضاء عليه سابقًا كانت تكلفتها مرتفعة، وعاد التنظيم بعدها، وإن كان بشكل أقل قوة وتأثيرًا، إلا أنه استمر.
إقرأوا أيضاً:














