ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بينما اعتاد العراقيون خلال العقدين الماضيين على مشهد تتقاطع فيه سلطات الدولة مع نفوذ الفصائل المسلحة، تبدو بغداد اليوم أمام تحول سياسي وأمني قد يكون من بين الأهم منذ انتهاء الحرب على تنظيم داعش. الإعلانات المتتالية الصادرة عن فصائل بارزة بشأن فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي، وحصر السلاح بيد الدولة، لا تمثل مجرد إجراءات تنظيمية داخلية، بل تفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة التي لعبت أدواراً محورية في أخطر مراحل تاريخ العراق الحديث.

في 2 حزيران/ يونيو 2026، أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

حركة عصائب أهل الحق أكدت في بيانها، الانسجام مع دعوة المرجعية الدينية والموقف الوطني الذي عبّر عنه الإطار التنسيقي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، معلنة تشكيل لجنة مركزية تتولى جرد الأفراد والأسلحة والمعدات واستكمال جميع الإجراءات الإدارية واللوجستية اللازمة بالتنسيق مع القائد العام للقوات المسلحة.

أما كتائب الإمام علي فقد ذهبت أبعد سياسياً، معلنة تشكيل لجان متخصصة للجرد والتسليم والنقل، إلى جانب لجان لرعاية عوائل الشهداء والجرحى، وأخرى لمتابعة شؤون المنتسبين وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة، مؤكدة أن المرحلة الحالية تتطلب بناء دولة قوية مقتدرة تمتلك السيادة الكاملة على أراضيها.

وفي السياق السياسي المرتبط بموقف الإطار التنسيقي، نفى مكتب الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، ما تم تداوله بشأن تشكيل لجنة داخل الإطار لمتابعة ملف حصر السلاح بيد الدولة، في إشارة إلى احتدام الجدل السياسي حول طبيعة القرارات المتعلقة بهذا الملف الحساس.

وفي موازاة السجال السياسي الدائر حول آليات إدارة الملف، اتفق رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، مع وفدين من حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي على تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ إجراءات حصر السلاح بيد الدولة خلال الفترة المقبلة. 

وأكد الزيدي أن العراق يشهد مرحلة مختلفة بعد ما تحقق من استقرار أمني، بما يجعل الأولوية موجّهة نحو البناء والإعمار والتنمية وترسيخ مؤسسات الدولة، مشيداً بالتضحيات التي قدمتها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي في مواجهة التحديات التي هددت الدولة العراقية. 

ويأتي ذلك بعد تفويض الإطار التنسيقي للزيدي باتخاذ القرارات والإجراءات التي يراها مناسبة لحفظ المصالح العليا للبلاد، مع تأييد مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، في خطوة عدّها مراقبون غطاءً سياسياً للتحرك الحكومي في هذا الملف. كما تعزز هذا المسار بإعلانات متتالية من قوى وفصائل بارزة بشأن إعادة تنظيم علاقتها بالدولة والانخراط ضمن الأطر الرسمية.

في السياق ذاته، كشفت مصادر سياسية مواكبة لمسألة سلاح الفصائل، عن مناقشة مقترحات لجنة تفكيك سلاح الفصائل التي يترأسها رئيس الحكومة علي الزيدي خلال اجتماع لقادة الإطار التنسيقي، والتي تضمنت تخصيص 35 ألف فرصة عمل في المؤسسات الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الإرهاب للعناصر التي توافق على تسليم سلاحها، على أن يُغلق باب الدمج بعد اكتمال العدد المحدد، في إطار خطة تستهدف استيعاب المنتسبين ضمن مؤسسات الدولة وتنظيم عملية الانتقال من العمل الفصائلي إلى العمل المؤسسي.

وتسلّط هذه المقترحات الضوء على أحد أكثر جوانب الملف تعقيداً، والمتمثل في استيعاب أعداد كبيرة من المنتسبين ضمن مؤسسات الدولة وإدارة التحول من العمل الفصائلي إلى العمل المؤسسي.

هذه التطورات أعادت إلى الواجهة تجربة زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، الذي كان أول من تبنى عملياً مسار إخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة عندما أعلن في مناسبات عدة أن سرايا السلام تعمل تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، ووجّه بتسليم عدد من المقرات والأسلحة الثقيلة والمتوسطة للدولة، مع تقليص المظاهر المسلحة وإبعاد التشكيلات التابعة له عن الصراعات السياسية.

آنذاك، قُدمت خطوات الصدر بوصفها نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين الفصائل والدولة، يقوم على اعتبار السلاح جزءاً من المنظومة الرسمية لا قوة موازية لها. أما اليوم، فإن انتقال فصائل أخرى إلى تبني المسار نفسه يدفع باتجاه الحديث عن مشروع أوسع يتجاوز المبادرات الفردية ليقترب من توافق سياسي داخل البيت الشيعي حول إعادة تنظيم الملف المسلح.

التحول الجاري يكتسب أهمية إضافية لأنه يتزامن مع بيئة سياسية داخلية وإقليمية مختلفة عن تلك التي نشأ فيها الحشد الشعبي عام 2014. فالعراق لم يعد يعيش حالة الانهيار الأمني التي رافقت اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من البلاد، كما أن التحديات الحالية ترتبط أكثر ببناء المؤسسات وتعزيز سلطة الدولة وإدارة التوازنات الخارجية.

من الناحية الأمنية، يمثل توحيد المرجعيات المسلحة هدفاً ظل مطروحاً منذ سنوات من دون أن يتحول إلى برنامج عملي شامل. فوجود تشكيلات متعددة المرجعيات كان يثير تساؤلات مستمرة بشأن القيادة والسيطرة والعقيدة الأمنية الموحدة وآليات اتخاذ القرار. ومن شأن إعادة دمج المقاتلين وتنظيم الموارد العسكرية ضمن المؤسسات الرسمية، أن يمنحا الدولة قدرة أكبر على إدارة الملف الأمني بصورة مركزية، ويقللا من احتمالات تضارب الصلاحيات أو الاحتكاك بين القوى المسلحة المختلفة.

لكن الجانب الأمني لا يمثل سوى جزء من الصورة. فالنجاح الفعلي لأي عملية إعادة هيكلة يرتبط بقدرة الدولة على استيعاب الآلاف من المنتسبين وضمان حقوقهم الوظيفية والاجتماعية. فالحشد الشعبي لم يعد مجرد تشكيل عسكري، بل أصبح خلال السنوات الماضية مؤسسة ترتبط بها عائلات ومصالح اقتصادية وشبكات اجتماعية واسعة، الأمر الذي يجعل أي عملية تحول بحاجة إلى معالجات دقيقة لتجنب أي آثار جانبية قد تمس الاستقرار الاجتماعي.

هذه المخاوف تفسّر تركيز كتائب الإمام علي على ملف عوائل الشهداء والجرحى وشؤون المنتسبين ضمن بياناتها الأخيرة، في محاولة لتأكيد أن التحول التنظيمي لا يعني التخلي عن الالتزامات الاجتماعية والإنسانية التي نشأت خلال سنوات القتال.

ولا يحظى مشروع حصر السلاح بإجماع كامل داخل القوى المنضوية ضمن البيئة السياسية الشيعية. فقد حذرت “حركة حقوق” من مسار نزع السلاح، معتبرة أن القضية لا تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة بقدر ما ترتبط، بحسب وصفها، بمن يمتلك القرار الفعلي داخل الدولة.

وفي الاتجاه نفسه، أفادت حركة النجباء بأن موقفها ثابت “بخصوص السلاح المقدس المنضبط الذي وجد للدفاع عن عراق المقدسات وشعبه”، في إشارة إلى تمسّكها بموقفها من ملف السلاح بالتزامن مع النقاشات الجارية بشأن حصره بيد الدولة.

هذا الانقسام يعكس حقيقة أن ملف السلاح في العراق لا يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية، بل يتداخل مع رؤى متباينة لطبيعة الدولة وهويتها ودورها الإقليمي وشكل العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران.

ويبدو أن العامل الخارجي حاضر بقوة في خلفية المشهد. فبحسب معطيات سياسية متداولة في بغداد، تتزايد القناعة لدى بعض الأطراف بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى ملف الفصائل المسلحة باعتباره أولوية رئيسية ضمن سياستها العراقية الجديدة.

واشنطن لا تنظر إلى إعلانات نزع السلاح باعتبارها نهاية المطاف، بل جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق. وتربط بعض الأوساط السياسية هذا المسار بالدور الذي يتوقع أن يؤديه المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، توماس باراك.

الأكاديمي والباحث السياسي محمد نعناع يشير إلى ثلاث مقاربات لفهم مهمة باراك. الأولى تنظر إليه باعتباره مبعوث أزمات اختارته واشنطن للتعامل السريع مع الملفات المعقدة. والثانية تربط دوره بمحاولة تقليص نفوذ الفصائل المسلحة في القرار العراقي. أما الثالثة فترى فيه تجسيداً لنهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائم على الدبلوماسية الشخصية وإبرام التسويات السياسية والاقتصادية الكبرى.

وفي جميع الأحوال، يرى نعناع أن الهدف الأميركي المركزي يبقى تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق باستخدام مختلف الأدوات المتاحة.

وتذهب تقديرات أخرى إلى أن واشنطن تتحرك ضمن ثلاث دوائر رئيسية، تتمثل في ملف سلاح الفصائل، والحد من النفوذ الإيراني داخل العراق، بالتوازي مع إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والغاز والكهرباء والمصارف، بما يعكس مقاربة أوسع لإعادة رسم أدوات التأثير في المشهد العراقي.

في المقابل، يرفض آخرون تصوير المشهد باعتباره استجابة لضغوط أميركية مباشرة. عضو منظمة بدر أبو ميثاق المساري، نفى وجود أي إملاءات أميركية تتعلق بهيكلية الحشد الشعبي، مؤكداً أن القوى الشعبية لن تقبل بحل الحشد، وأن الحشد “وُجد ليبقى”، وفق تعبيره.

أما السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي، فيقول إن العراق يحتاج إلى “أميركا المؤسسات” أكثر من حاجته إلى مبعوث مقرب من الرئيس الأميركي.

ويرى الآلوسي أن غياب سفير أميركي تقليدي في بغداد يضع العراق ضمن ما يسميه “المنطقة الرمادية” في الحسابات الأميركية، ويجعل مصير ملفات حساسة مرتبطاً بتقلبات العلاقات الأميركية مع إيران وتركيا وسوريا وإسرائيل.

وفي خضم هذه التحولات، يجد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي نفسه أمام اختبار سياسي معقد. فالرجل يتحرك بين ضغوط داخلية وخارجية متشابكة، مستنداً إلى دعم سياسي من زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، وفي الوقت نفسه إلى دعم أميركي معلن في ملفات الإصلاح وحصر السلاح ومكافحة الفساد.

الزيدي رحب سابقاً بخطوات الصدر المتعلقة بإخضاع سرايا السلام للقائد العام للقوات المسلحة، معتبراً أنها شكلت نموذجاً متقدماً لتعزيز مفهوم الدولة واحتكارها السلاح. ويرى أن انتقال فصائل أخرى إلى المسار ذاته يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية بناء مؤسسات أمنية موحدة.

إلى جانب ملف السلاح، تخوض الحكومة معركة موازية ضد الفساد. فقد أعلن الزيدي تشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، في خطوة يعتبرها البعض جزءاً من مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة وتقليص مصادر النفوذ السياسي والمالي للفصائل والقوى الحزبية.

تقف بغداد أمام لحظة مفصلية تتجاوز البيانات السياسية والإجراءات الإدارية، إذ لم يعد الملف مقتصراً على تسليم أسلحة أو إخلاء مقرات، بل بات مرتبطاً بإعادة تعريف بنية القوة داخل الدولة العراقية وإعادة ضبط علاقتها مع الفاعلين المسلحين. وبين فصائل تعلن فك الارتباط بالحشد الشعبي، وأخرى تبدي تحفظات وتحذيرات من تداعيات نزع السلاح، ومع استمرار الضغوط الإقليمية والدولية، يتقدم اختبار قدرة الدولة على تثبيت احتكارها السلاح من مستوى الشعار السياسي إلى مستوى التطبيق المؤسسي كمعيار حاسم لإعادة تشكيل منظومة الأمن والسلطة وترتيب توازنات الداخل.

لا يُقرأ نجاح المسار بوصفه تحولاً إدارياً محدوداً، بل باعتباره انتقالاً إلى مرحلة جديدة من ترسيخ الدولة وتعزيز سيادة القانون، فيما يعني أي تعثر بقاء البلاد ضمن دائرة التوازنات الهشة التي رافقت المشهد الأمني والسياسي طوال السنوات الماضية، مع استمرار تداخل الأدوار بين الدولة ومراكز القوة غير الرسمية.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
05.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

بينما اعتاد العراقيون خلال العقدين الماضيين على مشهد تتقاطع فيه سلطات الدولة مع نفوذ الفصائل المسلحة، تبدو بغداد اليوم أمام تحول سياسي وأمني قد يكون من بين الأهم منذ انتهاء الحرب على تنظيم داعش. الإعلانات المتتالية الصادرة عن فصائل بارزة بشأن فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي، وحصر السلاح بيد الدولة، لا تمثل مجرد إجراءات تنظيمية داخلية، بل تفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة التي لعبت أدواراً محورية في أخطر مراحل تاريخ العراق الحديث.

في 2 حزيران/ يونيو 2026، أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

حركة عصائب أهل الحق أكدت في بيانها، الانسجام مع دعوة المرجعية الدينية والموقف الوطني الذي عبّر عنه الإطار التنسيقي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، معلنة تشكيل لجنة مركزية تتولى جرد الأفراد والأسلحة والمعدات واستكمال جميع الإجراءات الإدارية واللوجستية اللازمة بالتنسيق مع القائد العام للقوات المسلحة.

أما كتائب الإمام علي فقد ذهبت أبعد سياسياً، معلنة تشكيل لجان متخصصة للجرد والتسليم والنقل، إلى جانب لجان لرعاية عوائل الشهداء والجرحى، وأخرى لمتابعة شؤون المنتسبين وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة، مؤكدة أن المرحلة الحالية تتطلب بناء دولة قوية مقتدرة تمتلك السيادة الكاملة على أراضيها.

وفي السياق السياسي المرتبط بموقف الإطار التنسيقي، نفى مكتب الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، ما تم تداوله بشأن تشكيل لجنة داخل الإطار لمتابعة ملف حصر السلاح بيد الدولة، في إشارة إلى احتدام الجدل السياسي حول طبيعة القرارات المتعلقة بهذا الملف الحساس.

وفي موازاة السجال السياسي الدائر حول آليات إدارة الملف، اتفق رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، مع وفدين من حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي على تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ إجراءات حصر السلاح بيد الدولة خلال الفترة المقبلة. 

وأكد الزيدي أن العراق يشهد مرحلة مختلفة بعد ما تحقق من استقرار أمني، بما يجعل الأولوية موجّهة نحو البناء والإعمار والتنمية وترسيخ مؤسسات الدولة، مشيداً بالتضحيات التي قدمتها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي في مواجهة التحديات التي هددت الدولة العراقية. 

ويأتي ذلك بعد تفويض الإطار التنسيقي للزيدي باتخاذ القرارات والإجراءات التي يراها مناسبة لحفظ المصالح العليا للبلاد، مع تأييد مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، في خطوة عدّها مراقبون غطاءً سياسياً للتحرك الحكومي في هذا الملف. كما تعزز هذا المسار بإعلانات متتالية من قوى وفصائل بارزة بشأن إعادة تنظيم علاقتها بالدولة والانخراط ضمن الأطر الرسمية.

في السياق ذاته، كشفت مصادر سياسية مواكبة لمسألة سلاح الفصائل، عن مناقشة مقترحات لجنة تفكيك سلاح الفصائل التي يترأسها رئيس الحكومة علي الزيدي خلال اجتماع لقادة الإطار التنسيقي، والتي تضمنت تخصيص 35 ألف فرصة عمل في المؤسسات الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الإرهاب للعناصر التي توافق على تسليم سلاحها، على أن يُغلق باب الدمج بعد اكتمال العدد المحدد، في إطار خطة تستهدف استيعاب المنتسبين ضمن مؤسسات الدولة وتنظيم عملية الانتقال من العمل الفصائلي إلى العمل المؤسسي.

وتسلّط هذه المقترحات الضوء على أحد أكثر جوانب الملف تعقيداً، والمتمثل في استيعاب أعداد كبيرة من المنتسبين ضمن مؤسسات الدولة وإدارة التحول من العمل الفصائلي إلى العمل المؤسسي.

هذه التطورات أعادت إلى الواجهة تجربة زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، الذي كان أول من تبنى عملياً مسار إخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة عندما أعلن في مناسبات عدة أن سرايا السلام تعمل تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، ووجّه بتسليم عدد من المقرات والأسلحة الثقيلة والمتوسطة للدولة، مع تقليص المظاهر المسلحة وإبعاد التشكيلات التابعة له عن الصراعات السياسية.

آنذاك، قُدمت خطوات الصدر بوصفها نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين الفصائل والدولة، يقوم على اعتبار السلاح جزءاً من المنظومة الرسمية لا قوة موازية لها. أما اليوم، فإن انتقال فصائل أخرى إلى تبني المسار نفسه يدفع باتجاه الحديث عن مشروع أوسع يتجاوز المبادرات الفردية ليقترب من توافق سياسي داخل البيت الشيعي حول إعادة تنظيم الملف المسلح.

التحول الجاري يكتسب أهمية إضافية لأنه يتزامن مع بيئة سياسية داخلية وإقليمية مختلفة عن تلك التي نشأ فيها الحشد الشعبي عام 2014. فالعراق لم يعد يعيش حالة الانهيار الأمني التي رافقت اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من البلاد، كما أن التحديات الحالية ترتبط أكثر ببناء المؤسسات وتعزيز سلطة الدولة وإدارة التوازنات الخارجية.

من الناحية الأمنية، يمثل توحيد المرجعيات المسلحة هدفاً ظل مطروحاً منذ سنوات من دون أن يتحول إلى برنامج عملي شامل. فوجود تشكيلات متعددة المرجعيات كان يثير تساؤلات مستمرة بشأن القيادة والسيطرة والعقيدة الأمنية الموحدة وآليات اتخاذ القرار. ومن شأن إعادة دمج المقاتلين وتنظيم الموارد العسكرية ضمن المؤسسات الرسمية، أن يمنحا الدولة قدرة أكبر على إدارة الملف الأمني بصورة مركزية، ويقللا من احتمالات تضارب الصلاحيات أو الاحتكاك بين القوى المسلحة المختلفة.

لكن الجانب الأمني لا يمثل سوى جزء من الصورة. فالنجاح الفعلي لأي عملية إعادة هيكلة يرتبط بقدرة الدولة على استيعاب الآلاف من المنتسبين وضمان حقوقهم الوظيفية والاجتماعية. فالحشد الشعبي لم يعد مجرد تشكيل عسكري، بل أصبح خلال السنوات الماضية مؤسسة ترتبط بها عائلات ومصالح اقتصادية وشبكات اجتماعية واسعة، الأمر الذي يجعل أي عملية تحول بحاجة إلى معالجات دقيقة لتجنب أي آثار جانبية قد تمس الاستقرار الاجتماعي.

هذه المخاوف تفسّر تركيز كتائب الإمام علي على ملف عوائل الشهداء والجرحى وشؤون المنتسبين ضمن بياناتها الأخيرة، في محاولة لتأكيد أن التحول التنظيمي لا يعني التخلي عن الالتزامات الاجتماعية والإنسانية التي نشأت خلال سنوات القتال.

ولا يحظى مشروع حصر السلاح بإجماع كامل داخل القوى المنضوية ضمن البيئة السياسية الشيعية. فقد حذرت “حركة حقوق” من مسار نزع السلاح، معتبرة أن القضية لا تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة بقدر ما ترتبط، بحسب وصفها، بمن يمتلك القرار الفعلي داخل الدولة.

وفي الاتجاه نفسه، أفادت حركة النجباء بأن موقفها ثابت “بخصوص السلاح المقدس المنضبط الذي وجد للدفاع عن عراق المقدسات وشعبه”، في إشارة إلى تمسّكها بموقفها من ملف السلاح بالتزامن مع النقاشات الجارية بشأن حصره بيد الدولة.

هذا الانقسام يعكس حقيقة أن ملف السلاح في العراق لا يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية، بل يتداخل مع رؤى متباينة لطبيعة الدولة وهويتها ودورها الإقليمي وشكل العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران.

ويبدو أن العامل الخارجي حاضر بقوة في خلفية المشهد. فبحسب معطيات سياسية متداولة في بغداد، تتزايد القناعة لدى بعض الأطراف بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى ملف الفصائل المسلحة باعتباره أولوية رئيسية ضمن سياستها العراقية الجديدة.

واشنطن لا تنظر إلى إعلانات نزع السلاح باعتبارها نهاية المطاف، بل جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق. وتربط بعض الأوساط السياسية هذا المسار بالدور الذي يتوقع أن يؤديه المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، توماس باراك.

الأكاديمي والباحث السياسي محمد نعناع يشير إلى ثلاث مقاربات لفهم مهمة باراك. الأولى تنظر إليه باعتباره مبعوث أزمات اختارته واشنطن للتعامل السريع مع الملفات المعقدة. والثانية تربط دوره بمحاولة تقليص نفوذ الفصائل المسلحة في القرار العراقي. أما الثالثة فترى فيه تجسيداً لنهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائم على الدبلوماسية الشخصية وإبرام التسويات السياسية والاقتصادية الكبرى.

وفي جميع الأحوال، يرى نعناع أن الهدف الأميركي المركزي يبقى تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق باستخدام مختلف الأدوات المتاحة.

وتذهب تقديرات أخرى إلى أن واشنطن تتحرك ضمن ثلاث دوائر رئيسية، تتمثل في ملف سلاح الفصائل، والحد من النفوذ الإيراني داخل العراق، بالتوازي مع إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والغاز والكهرباء والمصارف، بما يعكس مقاربة أوسع لإعادة رسم أدوات التأثير في المشهد العراقي.

في المقابل، يرفض آخرون تصوير المشهد باعتباره استجابة لضغوط أميركية مباشرة. عضو منظمة بدر أبو ميثاق المساري، نفى وجود أي إملاءات أميركية تتعلق بهيكلية الحشد الشعبي، مؤكداً أن القوى الشعبية لن تقبل بحل الحشد، وأن الحشد “وُجد ليبقى”، وفق تعبيره.

أما السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي، فيقول إن العراق يحتاج إلى “أميركا المؤسسات” أكثر من حاجته إلى مبعوث مقرب من الرئيس الأميركي.

ويرى الآلوسي أن غياب سفير أميركي تقليدي في بغداد يضع العراق ضمن ما يسميه “المنطقة الرمادية” في الحسابات الأميركية، ويجعل مصير ملفات حساسة مرتبطاً بتقلبات العلاقات الأميركية مع إيران وتركيا وسوريا وإسرائيل.

وفي خضم هذه التحولات، يجد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي نفسه أمام اختبار سياسي معقد. فالرجل يتحرك بين ضغوط داخلية وخارجية متشابكة، مستنداً إلى دعم سياسي من زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، وفي الوقت نفسه إلى دعم أميركي معلن في ملفات الإصلاح وحصر السلاح ومكافحة الفساد.

الزيدي رحب سابقاً بخطوات الصدر المتعلقة بإخضاع سرايا السلام للقائد العام للقوات المسلحة، معتبراً أنها شكلت نموذجاً متقدماً لتعزيز مفهوم الدولة واحتكارها السلاح. ويرى أن انتقال فصائل أخرى إلى المسار ذاته يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية بناء مؤسسات أمنية موحدة.

إلى جانب ملف السلاح، تخوض الحكومة معركة موازية ضد الفساد. فقد أعلن الزيدي تشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، في خطوة يعتبرها البعض جزءاً من مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة وتقليص مصادر النفوذ السياسي والمالي للفصائل والقوى الحزبية.

تقف بغداد أمام لحظة مفصلية تتجاوز البيانات السياسية والإجراءات الإدارية، إذ لم يعد الملف مقتصراً على تسليم أسلحة أو إخلاء مقرات، بل بات مرتبطاً بإعادة تعريف بنية القوة داخل الدولة العراقية وإعادة ضبط علاقتها مع الفاعلين المسلحين. وبين فصائل تعلن فك الارتباط بالحشد الشعبي، وأخرى تبدي تحفظات وتحذيرات من تداعيات نزع السلاح، ومع استمرار الضغوط الإقليمية والدولية، يتقدم اختبار قدرة الدولة على تثبيت احتكارها السلاح من مستوى الشعار السياسي إلى مستوى التطبيق المؤسسي كمعيار حاسم لإعادة تشكيل منظومة الأمن والسلطة وترتيب توازنات الداخل.

لا يُقرأ نجاح المسار بوصفه تحولاً إدارياً محدوداً، بل باعتباره انتقالاً إلى مرحلة جديدة من ترسيخ الدولة وتعزيز سيادة القانون، فيما يعني أي تعثر بقاء البلاد ضمن دائرة التوازنات الهشة التي رافقت المشهد الأمني والسياسي طوال السنوات الماضية، مع استمرار تداخل الأدوار بين الدولة ومراكز القوة غير الرسمية.