fbpx

عن “الهوية” و”العقد الاجتماعيّ” ومصائرنا في عالم شديد التغير

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يعنيني من تجربتي في سويسرا، وما لمسته بوضوح من خلال جيراني الأكارم، هو أن منسوب الخوف عندما يرتفع، فإن الاحتماء خلف جدران الهوية، يشكل ملاذاً آمناً للكثيرين، وهو إن كان وهمياً، إلا أنه أفضل من البقاء في عراء لا يعطي أية إجابة شافية، حتى لو كانت مبنية على كذب محض بكل ما يتعلق بحياتنا كأفراد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لدي جيرة طيبة جداً في المدينة التي أعيش فيها في سويسرا، أناس في غاية اللطف والكياسة ومستعدون لتقديم المساعدة، ما أمكنهم ذلك، بلا أي تردد.

كان يمكن لهكذا سعادة أن تغمرني وتشعرني برضى وأمان هائلين ولا حدود لهما، لولا مشكلة صغيرة تواجهني معهم دائماً، تظهر يوم الانتخابات البرلمانية، فالأرجح أن نسبة كبيرة منهم، ستصوت، لصالح حزب “الشعب اليميني”، صاحب الأغلبية في البرلمان منذ عام 2003، الذي تمكن من احتكار الأغلبية البرلمانية طيلة عقدين كاملين من الزمن.

ولطالما سألت نفسي، ما الذي يدفع هذا الجار، أو تلك الجارة، الودودين والمتعاونين دائماً، للتصويت لحزب يميني متطرف، لو كان بمقدوره تعليق المشانق لأمثالنا من اللاجئين وحتى للمهاجرين، في الساحات العامة، لمنع المزيد منا من القدوم إلى البلاد، لما تردد لحظة واحدة؟! 

هل تكفي “الهوية” لاستمرار المجتمع ؟

ما يحمينا أن النظام في سويسرا ديموقراطي مباشر، أي أن كل القرارات المتعلقة بحوكمة البلاد، من أكبر مدينة حتى أصغر بلدة، خاضع لمبدأ التصويت المباشر، مما يحد من صلاحيات، ليس الحزب الحاكم وحده؛ بغض النظر عن حجم الأغلبية التي يتمتع بها، بل الوزراء أيضاً، ولهذا لا تأتي نتائج التصويت على قوانين اللجوء والهجرة المتعلقة باللاجئين والمهاجرين المقيمين فعليا على الأراضي السويسرية دائماً لصالحه، على عكس حاله عندما يتعلق الأمر بعدد مقاعده في البرلمان.

وكأن لسان حال الناخبين من جيراني وغيرهم يقول : حسنٌ، أنتم وصلتم إلى هنا، وصرتم بيننا، ومنكم من اندمج وعثر على عمل ودخل في سيستم الحياة، الأمر معقول إلى حد ما، بل يمكنه أن يكون جيداً حتى، من خلال ما يمكن أن تضيفوه بأعمالكم ومساهماتكم إلى مجتمعنا، من ألوان قد تغنيه. 

لا يتفق الجميع بالطبع على فكرة الألوان هذه، لكن في النهاية هناك رأياً عاماً، يقول لا مانع من مزيد من الألوان، ولكن إلى الحد الذي لا يحول بلدنا الصغير إلى وجهة رئيسية لأعداد لا نهاية لها من اللاجئين، فبهذا سنغرق معاً، مواطنين ومهاجرين ولاجئين. 

مع ذلك، فإن وجهة النظر أعلاه، تبدو شديدة الانفتاح، أمام مغالين يرون أن أي وجود للاجئين والمهاجرين، هو تهديد؛ ليس فقط لنمط الحياة في هذا البلد الصغير والجميل فعلاً، بل أيضاً لهوية البلاد نفسها، لكن الإشكالية أن بلداً كسويسرا، لا يمكنه أن يعيش ويستمر بالهوية وحدها. 

فالمجتمع السويسري في عمومه، مبني بوضوح على عقد اجتماعي تم التواضع عليه من جميع مكوناته، خمسة أديان بمختلف طوائفها، أربع لغات رسمية، موزعة على 26 كانتوناً، في مساحة لا تتجاوز 41 ألف كيلو متر مربع، وتعداد سكان يكاد يقارب التسعة مليون نسمة، 40% منهم من أصول مهاجرة، أو مهاجرون بشكل مباشر حصلوا على الجنسية السويسرية فيما بعد، يُدار هذا التنوع الهائل ضمن مساحة جغرافية صغيرة نسبياً، وفي بلد واحد، يجمع سكانه دستور واحد، وعلم واحد، وتمثيل دبلوماسي واحد. 

الهوية بين الأقلية والأغلبيّة

في كل الأحوال، فإن المجتمعات الغربية في عمومها هي مجتمعات تعاقدية؛ وليس المجتمع السويسري وحده، أي أنها قائمة على مبدأ العقد الاجتماعي، الذي يمنح المتعاقدين امتيازات عديدة، أهمها اثنان: الأول، الاعتراف بحق الأفراد بأن يبنوا خططهم بالاستناد إلى مبدأ رئيسي، هو مصالحهم، فالاعتراف بالمصلحة الخاصة للفرد، هو اعتراف بحقه في أن يكون نداً، ذلك أن العقد يمنح المتعاقدين صفة الندية ويستبعد الرعوية، الامتياز الثاني، تراجع الهوية إلى مراكز متأخرة من الاهتمام الجمعي، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي بصفتها جزءاً من الحريات الفردية. 

ومبدأ العقد نفسه، هو الذي حمى وما زال يحمي الطرف الأكثر ضعفاً فيه: أي الأقليات، والأخيرة يختلف سياقها ومعناها في الغرب عنهما في الشرق، حتى يصلا إلى التضاد. 

فالأقلية ضمن السياق الشرقي، أو الشرق أوسطي (العربي في عمومه)، هي الطرف  المحتكر للامتيازات، القابض على مفاصل الحياة السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، هي الفئة الغالبة، وهذا نتاج طبيعي لمجتمعات الهوية الواحدة، حيث الانتماء إلى أقلية ذات هوية واضحة وراسخة ومغلقة، هو ما يحدد في النهاية نصيب المرء من مجمل الثروة والسلطة. 

بينما مفهوم الأقلية في السياق الغربي الديموقراطي، مختلف تماماً، إذ إن الأقلية هنا هي تلك المستضعفة، سواء كانت قائمة على أساس هوياتي، أو سياسي بمعنى حزب يمثل مصالح فئة محددة من الناس، وهذه الأقلية، في سياق ديموقراطي خاضع لحكم الأغلبية التي يفرزها صندوق الاقتراع، لها الحق بالحماية الكاملة، كونها بالأساس طرفاً من الأطراف الموقعة على العقد الاجتماعي، وحتى لا تتغول عليها أكثرية، هي نفسها نتاج صندوق الاقتراع. 

كما أن المفهومين هذين، الأقلية والأكثرية في السياق الديموقراطي، لا يشيران إلى كيانين راسخين ثابتين لا يطالهما التغيير مهما طال الزمن، إذ يمكن لأقلية اليوم؛ الأقلية السياسية بالتحديد، أن تصبح تبعاً لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية متداخلة، أكثرية الغد، أي أن الحدود بين الكتل الفاعلة سياسياً، في مجتمعات العقد ليست راسخة، بل تتغير، حسب المبدأ الأساسي الذي قام عليه العقد نفسه، وهو المصلحة. 

على رغم هذا، لا يمكننا أن نتجاوز حضور الهوية الواضح في المجتمعات التعاقدية، طبعاً ليس فقط بصفتها جزءاً من الحريات الفردية، بل أيضاً بصفتها هوية جمعية، تظهر وقت الأزمات، وعندما يصبح الخوف هو الشعور المسيطر بين الجموع، وهي كأي هوية جمعية، تمتلك الكثير من بذور العداء للآخر المختلف، والرغبة في فرض السطوة على الذين ينتمون لها.

“الهوية” ملجأ الخائفين

هل يمكن أن ترتكس الحالة في المجتمع السويسري، والمجتمعات الغربية عموماً، لدرجة أن تتراجع فيها الصيغة التعاقدية، الندية، المفتوحة، لصالح الصيغة الهوياتية، الهرمية، المغلقة؟! هذا احتمال يبقى قائماً فعلاً، بالاستناد إلى ما يمر به العالم كله من توترات وتغيرات هائلة، وضمن المدى المنظور وليس البعيد. 

ما يعنيني من تجربتي في هذه البلاد، وما لمسته بوضوح من خلال جيراني الأكارم، هو أن منسوب الخوف عندما يرتفع، فإن الاحتماء خلف جدران الهوية، يشكل ملاذاً آمناً للكثيرين، وهو إن كان وهمياً، إلا أنه أفضل من البقاء في عراء لا يعطي أية إجابة شافية، حتى لو كانت مبنية على كذب محض بكل ما يتعلق بحياتنا كأفراد. 

من التغير المناخي، المنذر بسوء عميم، مروراً بالأعداد الهائلة للاجئين الهاربين من بلاد الفقر والفساد والديكتاتورية، بحثاً عن حياة أفضل، أو الموت على الطريق وهم يحاولون، وصولاً إلى حقبة الذكاء الصناعي، وما يطرحه من بدائل في تنفيذ الأعمال، حتى أكثرها تعقيداً، وتهديداً برمي الملايين خارج أسواق العمل، من دون أي أمل برجعة، يتضح أن التصويت لليمين العنصري؛ في أوروبا والولايات المتحدة، وليس الشعبوي فقط، كأنه يريد أن يقول إن الخوف قد بلغ مراحل لا يمكن لأي نيات طيبة وجيرة سمحة أن تخفف منه. 

الإرتكاسة واردة حقيقةً، وهي ليست بعيدة حتى، بل إن أشباح ماضٍ قريب تداهمني دائماً، وأنا أفكر بما يمكن أن يصبح عليه حالنا كلاجئين، في بلاد ما زالت تُحافظ على مسافة بيننا وبينها، وجيراننا الطيبون قد سيطر عليهم الخوف تماماً، وفي وقت قد لا يكون بعيداً، سيتحولون إلى ما يشبه جيراناً آخرين طيبين جدا، وشجعاناً لدرجة لا تصدق، وهم يتصدون بصدورهم العارية، في شوراع سوريا كلها، لخوف مدجج بالسلاح، مطالبين بحقهم في أن يعيشوا في بلادهم بصفتهم أنداداً، في عقد يساوي بينهم جميعاً. 

انتصر الخوف في النهاية، ليس فقط ذلك الذي كان يحكمهم، بل أيضاً الخوف الذي عاد ليجتاحهم من جديد، بعد أن وجدوا بأن العالم كله قد تخلى عنهم (وهم محقون في جزء كبير من هذه الشكوى) والنتيجة أنهم عادوا للاحتماء خلف جدران هوية، لا تقل انغلاقاً وتوحشاً عن تلك التي ثاروا ضدها مرة. 

في النهاية، وليس بما يتعلق بجيراني السويسريين فقط، بل بما يتعلق فينا كبشر، شرقاً أو غرباً، بتنا وبعد رحلة منهكة عبر تاريخ طويل، ندرك تماماً محدودية خياراتنا، خصوصاً تلك التي تتحكم بها عوامل، قد لا نملك السيطرة عليها، من أجل هذا استنجدنا بفكرة العقد الاجتماعي، لنحاول السيطرة قدر المستطاع، على مصائرنا في عالم شديد التغير (حتى الطبيعة فيه عادت لتتمرد بقسوة). 

وبسبب خوفنا المقيم مهما حاولنا، أبقينا خط رجعة إلى صيغة قديمة قد تحمينا خلف جدرانها وقت الضرورة، وهي الهوية، ناسين أنها بدورها اختراع أوجدناه لنحمي أنفسنا مما يفترض أنه كان مجهولاً، ولو إلى حين، وها هو المجهول يطل برأسه مرة أخرى، لتبدأ رحلة العودة ثانيةً، إلى تلك الجدران القديمة.  

“أنا خائف على نفسي”

الحقيقة، أنه لا حماية لأحد في ظل مجتمعات الهويات الراسخة، فالجدران لن تفعل شيئاً سوى أن تكون سجناً كبيراً وللجميع، لكن هذه الحقيقة تبقى موضع جدل، إن لم يكن من الممكن طمسها. 

ومن يدعون أن لديهم خلف تلك الجدران، إجابة عن كل الأسئلة التي تواجهنا، ليسوا في نهاية المطاف إلا حفنة من النصابين! فهل هناك شخصية، أو حتى شبهة تفكير سليم واحدة مقنعة، لدى قيادات اليمين الأوروبي، أو قيادات التنظيمات الإسلامية سنية وشيعية في الشرق، وقرينتها في اليمين الإسرائيلي المتطرف، أو قيادات القومية الروسية الصاعدة، شديدة التعصب والعنصرية والعدائية، أو القيادات اليمينية المتطرفة في الهند، والشعبويات اليسارية الكاريكاتورية في أميركا الجنوبية، وصولاً إلى صين الحزب الشيوعي، لا تريد السيطرة علينا بشكل كامل، والعودة بنا إلى عصر بات من المستحيل أن نعود إليه، ونحن نعرف الآن ما نعرفه، إلا في حالة واحدة، وهي عندما يصبح الجهل عاماً؟ 

وهذا ليس بمستبعد، حيث النصابين المستبدين يتعلمون من بعضهم بعضاً، يكفي أن ننظر إلى ما يتلقاه الأطفال في مدارس إدلب وشمال سوريا، من علوم على أيديهم، أو مع ما يواجهه أطفال غزة من انعدام كامل لفرص التعليم، قد يطول أعواماً بسبب دمار البنية التحتية للتعليم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن النهضة التعليمية في غزة، في ظل سيطرة “حماس”، لم تكن أمراً يؤخذ على محمل الجد في كل الأحوال، كون “حماس” نفسها قد صدرت إلى إدلب خبراء التعليم، الذين حولوا مناهج الأطفال هناك إلى كوابيس! النظر إلى هذين المثالين يعطي الكثير من الأمل لأنبياء الهوية الجدد. 

وإن كان الأمر متعثراً، أو بعيد التحقق، فإن إفقاد الكلام أي معنى ممكن له، ومخاطبة غرائز الناس، أشدها عدائية وخوفاً، هو الطريق الأسرع، للوصول إلى عملية التجهيل الكاملة المرجوة، أليس هذا ما يفعله المرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب (على الأغلب هو الرئيس القادم) للبلد الذي يفترض أنه الحامي الأول للديموقراطية والحريات والتعدد في العالم كله؟! 

أنا خائف فعلاً على نفسي، وعلى جيرة طيبة أريدها أن تدوم…

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
11.05.2024
زمن القراءة: 7 minutes

ما يعنيني من تجربتي في سويسرا، وما لمسته بوضوح من خلال جيراني الأكارم، هو أن منسوب الخوف عندما يرتفع، فإن الاحتماء خلف جدران الهوية، يشكل ملاذاً آمناً للكثيرين، وهو إن كان وهمياً، إلا أنه أفضل من البقاء في عراء لا يعطي أية إجابة شافية، حتى لو كانت مبنية على كذب محض بكل ما يتعلق بحياتنا كأفراد.

لدي جيرة طيبة جداً في المدينة التي أعيش فيها في سويسرا، أناس في غاية اللطف والكياسة ومستعدون لتقديم المساعدة، ما أمكنهم ذلك، بلا أي تردد.

كان يمكن لهكذا سعادة أن تغمرني وتشعرني برضى وأمان هائلين ولا حدود لهما، لولا مشكلة صغيرة تواجهني معهم دائماً، تظهر يوم الانتخابات البرلمانية، فالأرجح أن نسبة كبيرة منهم، ستصوت، لصالح حزب “الشعب اليميني”، صاحب الأغلبية في البرلمان منذ عام 2003، الذي تمكن من احتكار الأغلبية البرلمانية طيلة عقدين كاملين من الزمن.

ولطالما سألت نفسي، ما الذي يدفع هذا الجار، أو تلك الجارة، الودودين والمتعاونين دائماً، للتصويت لحزب يميني متطرف، لو كان بمقدوره تعليق المشانق لأمثالنا من اللاجئين وحتى للمهاجرين، في الساحات العامة، لمنع المزيد منا من القدوم إلى البلاد، لما تردد لحظة واحدة؟! 

هل تكفي “الهوية” لاستمرار المجتمع ؟

ما يحمينا أن النظام في سويسرا ديموقراطي مباشر، أي أن كل القرارات المتعلقة بحوكمة البلاد، من أكبر مدينة حتى أصغر بلدة، خاضع لمبدأ التصويت المباشر، مما يحد من صلاحيات، ليس الحزب الحاكم وحده؛ بغض النظر عن حجم الأغلبية التي يتمتع بها، بل الوزراء أيضاً، ولهذا لا تأتي نتائج التصويت على قوانين اللجوء والهجرة المتعلقة باللاجئين والمهاجرين المقيمين فعليا على الأراضي السويسرية دائماً لصالحه، على عكس حاله عندما يتعلق الأمر بعدد مقاعده في البرلمان.

وكأن لسان حال الناخبين من جيراني وغيرهم يقول : حسنٌ، أنتم وصلتم إلى هنا، وصرتم بيننا، ومنكم من اندمج وعثر على عمل ودخل في سيستم الحياة، الأمر معقول إلى حد ما، بل يمكنه أن يكون جيداً حتى، من خلال ما يمكن أن تضيفوه بأعمالكم ومساهماتكم إلى مجتمعنا، من ألوان قد تغنيه. 

لا يتفق الجميع بالطبع على فكرة الألوان هذه، لكن في النهاية هناك رأياً عاماً، يقول لا مانع من مزيد من الألوان، ولكن إلى الحد الذي لا يحول بلدنا الصغير إلى وجهة رئيسية لأعداد لا نهاية لها من اللاجئين، فبهذا سنغرق معاً، مواطنين ومهاجرين ولاجئين. 

مع ذلك، فإن وجهة النظر أعلاه، تبدو شديدة الانفتاح، أمام مغالين يرون أن أي وجود للاجئين والمهاجرين، هو تهديد؛ ليس فقط لنمط الحياة في هذا البلد الصغير والجميل فعلاً، بل أيضاً لهوية البلاد نفسها، لكن الإشكالية أن بلداً كسويسرا، لا يمكنه أن يعيش ويستمر بالهوية وحدها. 

فالمجتمع السويسري في عمومه، مبني بوضوح على عقد اجتماعي تم التواضع عليه من جميع مكوناته، خمسة أديان بمختلف طوائفها، أربع لغات رسمية، موزعة على 26 كانتوناً، في مساحة لا تتجاوز 41 ألف كيلو متر مربع، وتعداد سكان يكاد يقارب التسعة مليون نسمة، 40% منهم من أصول مهاجرة، أو مهاجرون بشكل مباشر حصلوا على الجنسية السويسرية فيما بعد، يُدار هذا التنوع الهائل ضمن مساحة جغرافية صغيرة نسبياً، وفي بلد واحد، يجمع سكانه دستور واحد، وعلم واحد، وتمثيل دبلوماسي واحد. 

الهوية بين الأقلية والأغلبيّة

في كل الأحوال، فإن المجتمعات الغربية في عمومها هي مجتمعات تعاقدية؛ وليس المجتمع السويسري وحده، أي أنها قائمة على مبدأ العقد الاجتماعي، الذي يمنح المتعاقدين امتيازات عديدة، أهمها اثنان: الأول، الاعتراف بحق الأفراد بأن يبنوا خططهم بالاستناد إلى مبدأ رئيسي، هو مصالحهم، فالاعتراف بالمصلحة الخاصة للفرد، هو اعتراف بحقه في أن يكون نداً، ذلك أن العقد يمنح المتعاقدين صفة الندية ويستبعد الرعوية، الامتياز الثاني، تراجع الهوية إلى مراكز متأخرة من الاهتمام الجمعي، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي بصفتها جزءاً من الحريات الفردية. 

ومبدأ العقد نفسه، هو الذي حمى وما زال يحمي الطرف الأكثر ضعفاً فيه: أي الأقليات، والأخيرة يختلف سياقها ومعناها في الغرب عنهما في الشرق، حتى يصلا إلى التضاد. 

فالأقلية ضمن السياق الشرقي، أو الشرق أوسطي (العربي في عمومه)، هي الطرف  المحتكر للامتيازات، القابض على مفاصل الحياة السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، هي الفئة الغالبة، وهذا نتاج طبيعي لمجتمعات الهوية الواحدة، حيث الانتماء إلى أقلية ذات هوية واضحة وراسخة ومغلقة، هو ما يحدد في النهاية نصيب المرء من مجمل الثروة والسلطة. 

بينما مفهوم الأقلية في السياق الغربي الديموقراطي، مختلف تماماً، إذ إن الأقلية هنا هي تلك المستضعفة، سواء كانت قائمة على أساس هوياتي، أو سياسي بمعنى حزب يمثل مصالح فئة محددة من الناس، وهذه الأقلية، في سياق ديموقراطي خاضع لحكم الأغلبية التي يفرزها صندوق الاقتراع، لها الحق بالحماية الكاملة، كونها بالأساس طرفاً من الأطراف الموقعة على العقد الاجتماعي، وحتى لا تتغول عليها أكثرية، هي نفسها نتاج صندوق الاقتراع. 

كما أن المفهومين هذين، الأقلية والأكثرية في السياق الديموقراطي، لا يشيران إلى كيانين راسخين ثابتين لا يطالهما التغيير مهما طال الزمن، إذ يمكن لأقلية اليوم؛ الأقلية السياسية بالتحديد، أن تصبح تبعاً لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية متداخلة، أكثرية الغد، أي أن الحدود بين الكتل الفاعلة سياسياً، في مجتمعات العقد ليست راسخة، بل تتغير، حسب المبدأ الأساسي الذي قام عليه العقد نفسه، وهو المصلحة. 

على رغم هذا، لا يمكننا أن نتجاوز حضور الهوية الواضح في المجتمعات التعاقدية، طبعاً ليس فقط بصفتها جزءاً من الحريات الفردية، بل أيضاً بصفتها هوية جمعية، تظهر وقت الأزمات، وعندما يصبح الخوف هو الشعور المسيطر بين الجموع، وهي كأي هوية جمعية، تمتلك الكثير من بذور العداء للآخر المختلف، والرغبة في فرض السطوة على الذين ينتمون لها.

“الهوية” ملجأ الخائفين

هل يمكن أن ترتكس الحالة في المجتمع السويسري، والمجتمعات الغربية عموماً، لدرجة أن تتراجع فيها الصيغة التعاقدية، الندية، المفتوحة، لصالح الصيغة الهوياتية، الهرمية، المغلقة؟! هذا احتمال يبقى قائماً فعلاً، بالاستناد إلى ما يمر به العالم كله من توترات وتغيرات هائلة، وضمن المدى المنظور وليس البعيد. 

ما يعنيني من تجربتي في هذه البلاد، وما لمسته بوضوح من خلال جيراني الأكارم، هو أن منسوب الخوف عندما يرتفع، فإن الاحتماء خلف جدران الهوية، يشكل ملاذاً آمناً للكثيرين، وهو إن كان وهمياً، إلا أنه أفضل من البقاء في عراء لا يعطي أية إجابة شافية، حتى لو كانت مبنية على كذب محض بكل ما يتعلق بحياتنا كأفراد. 

من التغير المناخي، المنذر بسوء عميم، مروراً بالأعداد الهائلة للاجئين الهاربين من بلاد الفقر والفساد والديكتاتورية، بحثاً عن حياة أفضل، أو الموت على الطريق وهم يحاولون، وصولاً إلى حقبة الذكاء الصناعي، وما يطرحه من بدائل في تنفيذ الأعمال، حتى أكثرها تعقيداً، وتهديداً برمي الملايين خارج أسواق العمل، من دون أي أمل برجعة، يتضح أن التصويت لليمين العنصري؛ في أوروبا والولايات المتحدة، وليس الشعبوي فقط، كأنه يريد أن يقول إن الخوف قد بلغ مراحل لا يمكن لأي نيات طيبة وجيرة سمحة أن تخفف منه. 

الإرتكاسة واردة حقيقةً، وهي ليست بعيدة حتى، بل إن أشباح ماضٍ قريب تداهمني دائماً، وأنا أفكر بما يمكن أن يصبح عليه حالنا كلاجئين، في بلاد ما زالت تُحافظ على مسافة بيننا وبينها، وجيراننا الطيبون قد سيطر عليهم الخوف تماماً، وفي وقت قد لا يكون بعيداً، سيتحولون إلى ما يشبه جيراناً آخرين طيبين جدا، وشجعاناً لدرجة لا تصدق، وهم يتصدون بصدورهم العارية، في شوراع سوريا كلها، لخوف مدجج بالسلاح، مطالبين بحقهم في أن يعيشوا في بلادهم بصفتهم أنداداً، في عقد يساوي بينهم جميعاً. 

انتصر الخوف في النهاية، ليس فقط ذلك الذي كان يحكمهم، بل أيضاً الخوف الذي عاد ليجتاحهم من جديد، بعد أن وجدوا بأن العالم كله قد تخلى عنهم (وهم محقون في جزء كبير من هذه الشكوى) والنتيجة أنهم عادوا للاحتماء خلف جدران هوية، لا تقل انغلاقاً وتوحشاً عن تلك التي ثاروا ضدها مرة. 

في النهاية، وليس بما يتعلق بجيراني السويسريين فقط، بل بما يتعلق فينا كبشر، شرقاً أو غرباً، بتنا وبعد رحلة منهكة عبر تاريخ طويل، ندرك تماماً محدودية خياراتنا، خصوصاً تلك التي تتحكم بها عوامل، قد لا نملك السيطرة عليها، من أجل هذا استنجدنا بفكرة العقد الاجتماعي، لنحاول السيطرة قدر المستطاع، على مصائرنا في عالم شديد التغير (حتى الطبيعة فيه عادت لتتمرد بقسوة). 

وبسبب خوفنا المقيم مهما حاولنا، أبقينا خط رجعة إلى صيغة قديمة قد تحمينا خلف جدرانها وقت الضرورة، وهي الهوية، ناسين أنها بدورها اختراع أوجدناه لنحمي أنفسنا مما يفترض أنه كان مجهولاً، ولو إلى حين، وها هو المجهول يطل برأسه مرة أخرى، لتبدأ رحلة العودة ثانيةً، إلى تلك الجدران القديمة.  

“أنا خائف على نفسي”

الحقيقة، أنه لا حماية لأحد في ظل مجتمعات الهويات الراسخة، فالجدران لن تفعل شيئاً سوى أن تكون سجناً كبيراً وللجميع، لكن هذه الحقيقة تبقى موضع جدل، إن لم يكن من الممكن طمسها. 

ومن يدعون أن لديهم خلف تلك الجدران، إجابة عن كل الأسئلة التي تواجهنا، ليسوا في نهاية المطاف إلا حفنة من النصابين! فهل هناك شخصية، أو حتى شبهة تفكير سليم واحدة مقنعة، لدى قيادات اليمين الأوروبي، أو قيادات التنظيمات الإسلامية سنية وشيعية في الشرق، وقرينتها في اليمين الإسرائيلي المتطرف، أو قيادات القومية الروسية الصاعدة، شديدة التعصب والعنصرية والعدائية، أو القيادات اليمينية المتطرفة في الهند، والشعبويات اليسارية الكاريكاتورية في أميركا الجنوبية، وصولاً إلى صين الحزب الشيوعي، لا تريد السيطرة علينا بشكل كامل، والعودة بنا إلى عصر بات من المستحيل أن نعود إليه، ونحن نعرف الآن ما نعرفه، إلا في حالة واحدة، وهي عندما يصبح الجهل عاماً؟ 

وهذا ليس بمستبعد، حيث النصابين المستبدين يتعلمون من بعضهم بعضاً، يكفي أن ننظر إلى ما يتلقاه الأطفال في مدارس إدلب وشمال سوريا، من علوم على أيديهم، أو مع ما يواجهه أطفال غزة من انعدام كامل لفرص التعليم، قد يطول أعواماً بسبب دمار البنية التحتية للتعليم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن النهضة التعليمية في غزة، في ظل سيطرة “حماس”، لم تكن أمراً يؤخذ على محمل الجد في كل الأحوال، كون “حماس” نفسها قد صدرت إلى إدلب خبراء التعليم، الذين حولوا مناهج الأطفال هناك إلى كوابيس! النظر إلى هذين المثالين يعطي الكثير من الأمل لأنبياء الهوية الجدد. 

وإن كان الأمر متعثراً، أو بعيد التحقق، فإن إفقاد الكلام أي معنى ممكن له، ومخاطبة غرائز الناس، أشدها عدائية وخوفاً، هو الطريق الأسرع، للوصول إلى عملية التجهيل الكاملة المرجوة، أليس هذا ما يفعله المرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب (على الأغلب هو الرئيس القادم) للبلد الذي يفترض أنه الحامي الأول للديموقراطية والحريات والتعدد في العالم كله؟! 

أنا خائف فعلاً على نفسي، وعلى جيرة طيبة أريدها أن تدوم…

11.05.2024
زمن القراءة: 7 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية